التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا} (157)

{ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم } عدد الله في جملة قبائحهم قولهم : { إنا قتلنا المسيح } لأنهم قالوها افتخارا وجرأة مع أنهم كذبوا في ذلك ، ولزمهم الذنب ، وهم لم يقتلوه لأنهم صلبوا الشخص الذي ألقى عليه شبهه ، وهم يعتقدون أنه عيسى ، وروي أن عيسى قال للحواريين : أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل ويكون رفيقي في الجنة ، فقال أحدهم : أنا فألقى عليه شبه عيسى فقتل على أنه عيسى ، وقيل : بل دل على عيسى يهودي ، فألقى الله شبه عيسى على اليهودي ، فقتل اليهودي ورفع عيسى إلى السماء حيا ، حتى ينزل إلى الأرض فيقتل الدجال .

{ رسول الله } إن قيل : كيف قالوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يكفرون به ويسبونه ؟ فالجواب من ثلاثة أوجه :

أحدها : أنهم قالوا ذلك على وجه التهكم والاستهزاء .

والثاني : أنهم قالوه على حسب اعتقاد المسلمين فيه كأنهم قالوا رسول الله عندكم أو بزعمكم .

والثالث : أنه من قول الله لا من قولهم فيوقف قبله ، وفائدة تعظيم ذنبهم وتقبيح قولهم إنا قتلناه .

{ وما قتلوه وما صلبوه } رد عليهم وتكذيب لهم وللنصارى أيضا في قولهم إنه صلب حتى عبدوا الصليب من أجل ذلك والعجب كل العجب من تناقضهم في قوله إنه إله أو ابن إله ثم يقولون : إنه صلب .

{ ولكن شبه لهم } فيه تأويلان :

أحدهما : ما ذكرناه من إلقاء شبهه على الحواري أو على اليهودي .

والآخر : أن معناه : شبه لهم الأمر أي خلط لهم القوم الذين حاولوا قتله بأنهم قتلوا رجلا آخر وصلبوه ومنعوا الناس أن يقربوا منه ، حتى تغير بحيث لا يعرف ، وقالوا للناس هذا عيسى ، ولم يكن عيسى ، فاعتقد الناس صدقهم وكانوا متعمدين للكذب .

{ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه } روى أنه لما رفع عيسى وألقي شبهه على غيره فقتلوه ، قالوا : إن كان هذا المقتول عيسى فأين صاحبنا وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ، فاختلفوا ، فقال بعضهم : هو هو ، وقال بعضهم : ليس هو ، فأجمعوا أن شخصا قتل ، واختلفوا من كان .

{ إلا إتباع الظن } استثناء منقطع لأن العلم تحقيق والظن تردد ، وقال ابن عطية : هو متصل إذ الظن والعلم يجمعهما جنس المعتقدات ، فإن قيل : كيف وصفهم بالشك وهو تردد بين احتمالين على السواء ثم وصفهم بالظن وهو ترجيح أحد الاحتمالين ؟ فالجواب أنهم كانوا على الشك ، ثم لاحت لهم أمارات فظنوا ، قاله الزمخشري ، وقد يقال : الظن بمعنى الشك ، وبمعنى الوهم الذي هو أضعف من الشك .

{ وما قتلوه يقينا } أي : ما قتلوه يقينا فإعراب يقينا على هذا صفة لمصدر محذوف ، وقيل : هي مصدر في موضع الحال : أي ما قتلوه متيقنين ، وقيل : هو تأكيد للنفي الذي في قوله :{ ما قتلوه } أي : يتيقن نفي قتله ، وهو على هذا منصوب على المصدرية .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا} (157)

ثم علمهم{[23323]} بما لم ينالوا من{[23324]} قتل أعظم من جاء من أنبيائهم بأعظم ما رأوا من الآيات من بعد موسى وهو{[23325]} عيسى عليهما الصلاة والسلام ، ثم بادعائهم لقتله وصلبه افتخاراً به مع شكهم فيه فقال : { وقولهم إنا قتلنا المسيح } ثم بينه بقوله : { عيسى ابن مريم } ثم تهكموا به بقولهم{[23326]} { رسول الله } أي الذي له أنهى العظمة ، فجمعوا بين {[23327]}أنواع من{[23328]} القبائح ، منها التشيع{[23329]} بما لم يعطوا ، ومنها أنه على تقدير صدقهم جامع لأكبر الكبائر مطلقاً ، وهو الكفر بقتل النبي لكونه نبياً ، وأكبر الكبائر بعده وهو مطلق القتل ، ولم يكفهم ذلك حتى كانوا يصفونه بالرسالة مضافة إلى الاسم الأعظم استهزاء به وبمن أرسله عزَّ اسمه وجلت{[23330]} عظمته وتعالى كبرياؤه وتمت كلماته ونفذت أوامره ، لكونه لم يمنعه منهم على زعمهم { وما } أي والحالة أنهم ما{[23331]} { قتلوه وما صلبوه } وإن كثر قائلو ذلك منهم ، وسلمه{[23332]} لهم النصارى { ولكن } لما كان المقصود وقوع اللبس عليهم الضار لهم ، لا لكونه من معين قال{[23333]} : { شبه لهم } أي فكانوا{[23334]} في عزمهم بذلك متشيعين بما لم يعطوا .

ولما أفهم التشبيه{[23335]} الاختلاف ، فكان التقدير : فاختلفوا بسبب التشبيه في قتله ، فمنهم من قال : قتلناه جازماً ، ومنهم من قال : ليس هو المقتول ، ومنهم من قال : الظاهر أنه هو ، عطف عليه قوله دالاً على شكهم باختلافهم : { وإن الذين اختلفوا فيه } أي في قتله { لفي شك منه } أي تردد مستوى الطرفين ، كلهم وإن جزم بعضهم ، ثم أكد هذا المعنى بقوله : { ما لهم به } وأغرق في النفي بقوله : { من علم } .

ولما كانوا يكلفون أنفسهم اعتقاد ذلك بالنظر في شهادته ، فربما قويت عندهم{[23336]} شبهة فصارة أمارة أوجبت لهم{[23337]} - لشغفهم{[23338]} بآمالها - ظناً ثم اضمحلت في الحال لكونها لا حقيقة لها ، فعاد الشك وكان أبلغ في التحير{[23339]} ؛ قال : { إلا } أي لكن { اتباع الظن } أي يكلفون أنفسهم الارتقاء من درك{[23340]} الشك إلى رتبة الظن ، وعبر بأداة الاستثناء دون " لكن " الموضوعة للانقطاع إشارة إلى أن إدراكهم لما زعموه{[23341]} من قتله{[23342]} مع كونه في الحقيقة شكاً يكلفون أنفسهم جعله ظناً ، ثم يجزمون به ، ثم صار عندهم متواتراً قطعياً ، فلا أجهل منهم .

ولما{[23343]} أخبر بشكهم فيه بعد الإخبار بنفيه أعاد ذلك على وجه أبلغ فقال : { وما قتلوه } أي انتفى قتلهم له انتفاء { يقيناً * } أي انتفاؤه على سبيل القطع ، ويجوز أن يكون حالاً من " قتلوه " أي ما فعلوا{[23344]} القتل متيقنين أنه{[23345]} عيسى عليه الصلاة والسلام ، بل فعلوه شاكين فيه والحق أنهم لم يقتلوا{[23346]} إلا الرجل الذي ألقى شبهه عليه ، والوجه الأول أولى لقوله : { بل رفعه الله } بما له من العظمة البالغة والحكمة الباهرة


[23323]:في ظ: تهمهم، وفي مد: فهمهم.
[23324]:من ظ ومد، وفي الأصل: منه.
[23325]:في ظ: هم.
[23326]:من ظ ومد، وفي الأصل: بقوله.
[23327]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل فقط.
[23328]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل فقط
[23329]:في ظ: التسبع.
[23330]:في ظ: جلب.
[23331]:سقط من ظ.
[23332]:سقط من ظ.
[23333]:في ظ: مسلمة.
[23334]:زيد من ظ ومد.
[23335]:في ظ: وكانوا.
[23336]:في ظ: المتشبه.
[23337]:سقط من ظ.
[23338]:في مد: لشغلهم.
[23339]:من ظ ومد، وفي الأصل: السحر.
[23340]:من ظ ومد، وفي الأصل: درج.
[23341]:في ظ: زعموا.
[23342]:في ظ: قبله.
[23343]:من ظ ومد، وفي الأصل: لا.
[23344]:في ظ: ما نقلوا.
[23345]:من ظ ومد، وفي الأصل: أن.
[23346]:في ظ: لم يعقلوا.