{ جنات معروشات } مرفوعات على دعائم وشبهها .
{ وغير معروشات } متروكات على وجه الأرض وقيل : المعروشات ما غرسه الناس في العمران وغير معروشات : ما أنبته الله في الجبال والبراري .
{ مختلفا أكله } في اللون والطعم والرائحة والحجم ، وذلك دليل على أن الخالق مختار مريد .
{ وآتوا حقه يوم حصاده } قيل : { حقه } هنا الزكاة وهو ضعيف لوجهين : أحدهما : أن الآية مكية ، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة ، والآخر : أن الزكاة لا تعطى يوم الحصاد ، وإنما تعطى يوم ضم الحبوب والثمار ، وقيل : { حقه } ما يصدق به على المساكين يوم الحصاد ، وكان ذلك واجبا ثم نسخ بالعشر ، وقيل : هو ما يسقط من السنبل ، والأمر على هذا للندب .
ولما كان مدار القرآن على تقرير التوحيد والنبوة وتوابعها والمعاد والقضاء والقدر والفعل بالاختيار{[21]} ، وأتقن تقرير هذه الأصول لا سيما في هذه السورة ، و{[22]} انتهى إلى شرح أحوال السعداء{[23]} والأشقياء ، وعجب سبحانه ممن أشرك وأنكر البعث وفعل أفعال المشركين تعجيباً بعد تعجيب ، وهجن{[24]} طريقتهم ووبخهم توبيخاً في إثر توبيخ بتكذيبهم للداعي من غير حجة ، وحكى أقوالهم{[25]} الباطلة ودعاويهم الفاسدة مع ادعائهم أنهم أنصف الناس ، ومخالفتهم للهادي بغير ثبت ولا بينة مع ادعائهم أنهم أبصر الناس ، وبطلبهم للآيات تعنتاً{[26]} مع ادعائهم أنهم{[27]} أعقل الناس ، وإخلاصهم في الشدة وإشراكهم في الرخاء مع ادعائهم أنهم{[28]} أشكر الناس ، وعبادتهم للجن وتعوذهم بهم مع ادعائهم أنهم أشجع الناس - إلى أن عجب منهم فيما شرعوه لأنفسهم فيما رزقهموه سبحانه من حيوان وجماد ومضوا عليه خلفاً عن سلف ، تنبيهاً على ضعف عقولهم وقلة علومهم تنفيراً للناس عن الالتفات إليهم والاغترار بأقوالهم{[29]} ، قال في موضع الحال من ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام{[30]} }[ الأنعام : 136 ] مبيناً عظيم ملكه وشمول قدرته وباهر اختياره وعظمته ، زيادة في التعجيب منهم في تصرفهم في ملكه بغير إذنه سبحانه{[31]} وشرعهم ما لم يأذن فيه في سياق كافل بإقامة الحجة على تقرير التوحيد عوداً على بدء وعللاً بعد نهل ، لأنه المدار الأعظم والأصل الأقوم : { وهو } أي لا غيره { الذي أنشأ } أي من العدم { جنات } أي{[32]} من العنب وغيره { معروشات } أي مرفوعات عن الأرض على الخشب ونحوه{[33]} ، أي لا تصلح إلا معروشة ، ومتى لم ترفع{[34]} عن الأرض تلف ثمرها { وغير معروشات }{[35]} أي غير مرفوعات على الخشب{[36]} ، أي{[37]} لا تصلح إلا مطروحة على الأرض مثقلة بما يحكم وصولها إليها ، ومتى ارتفعت عن الأرض تلفت ، فما ذلك لطبيعة{[38]} ولا غيرها وإلاّ لاستوت الجنات كلها لأن نسبتها إلى السماء والأرض واحدة ، فما اختلف إلا بفاعل مختار واحد لا شريك له ، لا يكون إلا ما يريد .
ولما ذكر الجنات الجامعة ، خص{[39]} أفضلها وأدلها على الفعل بالاختيار ، وبدأ بأشهرها عند المخاطبين بهذه الآيات{[40]} فقال : { والنخل } أي وأنشأ النخل { والزرع } حال كونه { مختلفاً أكله } أي أكل أحد النوعين ، وهو ثمره الذي يؤكل{[41]} بالنسبة إلى الآخر ، وأكل كل نوع بالنسبة إلى الأشجار وغيرها في الحمل والطعم وغيره ، بل ويوجد في العذق الواحد الاختلاف ، وأما اختلاف مقداره بكون هذا في غاية الطول وهذا في غاية القصر فأمر واضح جداً { والزيتون والرمان } .
ولما كان معظم القصد في هذا السياق نفي الشريك وإثبات الفعل بالاختيار ، لم يدع الحال إلى ذكر كمال الشبه فاكتفى بأصل الفعل فقيل{[42]} : { متشابهاً } أي كذلك { وغير متشابه } أي في اللون والطعم والفساد وعدمه والتفكه والاقتيات والدهن والماء - إلى غير ذلك من أحوال وكيفيات لا يحيط بها حق الإحاطة إلا بارئها سبحانه وعز شأنه ، ولعله جمع الأولين لأن كلاًّ منهما يدخر للاقتيات ولا يسرع فساده مع المفارقة{[43]} في الشكل ، والاختلاف في النوع بالشجر والنجم ، والتفاوت العظيم في المقدار ، والأخيرين{[44]} لأن الأول لا يفسد بوجه ، والثاني يسرع فساده ، ويدخر كل منهما{[45]} على غير الهيئة التي يدخر عليها{[46]} الآخر مع كونهما من الأشجار وتقاربهما في المقدار وتفاوت ثمرتهما في الشكل والقدر وغير ذلك . ولما كان قوله{ وهو الذي أنزل من السماء ماء }[ الأنعام : 99 ] في سياق الاستدلال على أنه لا فاعل إلا الله ، أمر فيه بالنظر إلى الثمر والينع ليعتبر بحالهما ، وكانت هذه الآية في سياق التعنيف لمن حرم ما رزقه الله والأمر بالأكل من حلال ما أنعم به والنهي عن تركه تديناً فقال تعالى هنا : { كلوا } وقدم الأولى{[47]} المستدل بها على وجود البارئ وتفرده بالأمر لأن اعتقاد ذلك سعادة روحانية أبدية ؛ وقال أبو حيان في النهر : لما كان مجيء تلك الآية في معرض الاستدلال بها على الصانع وقدرته والحشر وإعادة الأرواح إلى الأجساد بعد العدم وإبراز الجسد وتكوينه من العظم{[48]} الرميم وهو عجب الذنب ، قال{ انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه }[ الأنعام : 99 ] إشارة إلى الإيجاد أولاً{[49]} وإلى غايته ، وهنا لما كان في معرض الامتنان وإظهار الإحسان بما خلق لنا{[50]} قال : كلوا{[51]} ، ودل على أن الرزق أكثر من خلقه بقوله : { {[52]}من ثمره{[53]} } ، ولما كان هذا الأمر للإباحة لا للارادة ، قيده لئلا يقتضي إيجاد الثمر في كل جنة في كل وقت فقال : { إذا أثمر } فحصل بمجموعها الحياة الأبدية والحياة الدنياوية السريعة الانقضاء وتقدم{[54]} النظر وهو الفكر على الأكل لهذا السبب . انتهى{[55]} . وعبر ب " إذا " دون " إن " تحقيقاً لرجاء الناس في الخصب وتسكيناً لآمالهم رحمة لهم ورفقاً بهم إعلاماً أنه إن وقع جدب كان في ناحية دون أخرى وفي نوع دون آخر ، وإباحة للأكل في جميع أحوال الثمرة نضيجة وغير نضيجة .
ولما كان في الآيات الحاكية مذاهب الكفار تقبيح{[56]} أن يجعلوا شيئاً من{[57]} أموالهم لأحد بأهوائهم ، أشار هنا إلى أنه فرض فيها حقاً وجعل{[58]} له مصارف بقوله : { وآتوا حقه } ولما أباح سبحانه أكله ابتداء وانتهاء ، بين أنه خفف عنهم الوجوب قبل الانتهاء فقال : { يوم حصاده } أي قطعه جذاذاً كان أو حصاداً ، فكذلك أول وقت نصاب{[59]} الأمر وهو موسع ، والحق أعم من الواجب والمندوب ، فإن أريد الندب عم الأنواع الخمسة الماضية : العنب المشار إليه بالعرش وما بعده ، وإن أريد الوجوب فقد أشير بالتعبير بالحصاد إلى أن الأصل في ذلك الحبوب المقتاتة ، وأما غيرها فتابع علمه ببيان{[60]} النبي صلى الله عليه وسلم فيطلق عليه الحصاد مجازاً .
ولما أمر الله بالأكل من ثمره وبإيتاء حقه ، نهى عن مجاوزة الحد في البسط أو{[61]} القبض فقال : { ولا تسرفوا } وهذا النهي يتضمن أفراد الإسراف ، فيدخل فيه الإسراف في أكل الثمرة حتى لا يبقى شيء منها للزكاة ، والإسراف{[62]} في الصدقة حتى لا يبقى لنفسه ولا لعياله شيئاً ، ويؤيده{ وكلوا واشربوا{[63]} ولا تسرفوا{[64]} }[ الأعراف : 31 ] ، { ولا تبسطها كل البسط{[65]} }[ الإسراء : 29 ] ، ثم علله بقوله : { إنه لا يحب المسرفين * } أي لا يعاملهم معاملة المحب فلا يكرمهم ، وقيل لحاتم الطائي : لا خير في السرف فقال : ولا سرف في الخير .