غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{۞وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّـٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ} (141)

141

التفسير : إنه سبحانه جعل مدار هذا الكتاب الكريم على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر وإنه بالغ في تقرير هذه الأصول وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء ، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة منكري البعث والقيامة ، ثم أتبعه حكاية أقوالهم الركيكة تنبيهاً على ضعف عقولهم ، فلما تمم هذه المقاصد عاد إلى ما هو المقصود الأصلي وهو إقامة الدلائل على إثبات ذاته ووجوب توحيده فقال : { وهو الذي أنشأ } الآية نشأ الشيء ينشأ نشأ إذا ظهر وارتفع ، وأنشأه الله ينشئه إنشاء أظهره ورفعه { جنات معروشات وغير معروشات } يقال : عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القبضان . وقيل : كلاهما الكرم فإن بعض الأعناب تعرش وبعضها يبقى على وجه الأرض منبسطاً كالقرع والبطيخ . وقيل : المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عروش يحمل عليها فتمسكه وهو الكرم وما يجري مجراه ، وغير معروشات هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وقوة ساقة عن التعريش . وقيل : المعروشات ما في البساتين والعمارات مما غرسه الناس واهتموا به فعرشوه ، وغير معروشات ما أنبته الله وحشياً في البراري والجبال فيبقى غير معروش . { والنخل والزرع } فسر ابن عباس الزرع بجميع الحبوب التي تقتات { مختلفاً أكله } والأكل كل ما يؤكل والمراد هاهنا ثمر النخل والزرع فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما كقوله : { وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها } [ الجمعة : 11 ] أي إليهما . والمراد أن لكل شيء منهما طعماً غير طعم الآخر و{ مختلفاً } حال مقدّرة أي أنشأه مقدرّاً اختلاف أكله لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك { متشابهاً وغير متشابه } في القدر واللون والطعم . ثم قال { كلوا من ثمره } وقد قال في الآية المتقدمة أعني نظير هذه الآية وذلك قوله : { وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء } الآية إلى قوله { انظروا إلى ثمره } [ الأنعام : 99 ] تنبيهاً على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم متقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الأول سعادة روحانية أبدية ، والحاصل من الانتفاع سعادة جسمانية زائلة . وفائدة هذا الأمر الإباحة ، وقدم إباحة الأكل على إخراج الحق كيلا يظن أنه يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المتشاركين فيه . وفي الآية إشارة إلى أن خلق هذه النعم إما للأكل وإما للتصدق ، والأول لكونه حق النفس مقدم على الثاني لأنه حق الغير . وفيه أن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق لأن قوله : { كلوا } خطاب عام يتناول الكل ، ويمكن أن يستدل به على أن الأصل عدم وجوب الصوم وأن من ادعى إيجابه فهو المحتاج إلى الدليل ، وأن المجنون إذا أفاق في أثناء النهار لا يلزمه قضاء ما مضى ، وأن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام . قال علماء الأصول : من المعلوم من لغة العرب أن صيغة الأمر تفيد ترجيح جانب الفعل ؛ فحملها على الإباحة أو الوجوب لا يصار إليه إلا بدليل منفصل ، وفائدة قوله : { إذا أثمر } وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل منه هي أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت اطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع ، أما قوله : { وآتوا حقه يوم حصاده } فعن ابن عباس في رواية عطاء وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك ، أن الآية مدنية والحق هو الزكاة المفروضة وعلى هذا فكيف يؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل . والجواب أن المراد فاعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد واهتموا به حتى لا تؤخروه عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء ، وقال مجاهد : الآية مكية وإن هذا حق في المال سوى الزكاة وكان يقول : إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه ، وكذا إذا دسته وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته وزيف بقوله صلى الله عليه وآله : «ليس في المال حق سوى الزكاة » وبأن قوله : { وآتوا حقه } إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوماً قبل ورود هذه الآية والإلزام الإجمال . وعن سعيد بن جبير أن هذا كان قبل وجوب الزكاة فلما فرض العشر أو نصف العشر فيما سقي بالسواقي نسخ ، والقول الأول أصح . ثم إن أبا حنيفة احتج بالآية على وجوب الزكاة في الثمار لأنه قال : { وآتوا حقه } بعد ذكر الأنواع الخمسة وهي العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان . واعترض عليه بأن لفظ الحصاد مخصوص بالزرع . وأجيب بأن الحصد في اللغة عبارة عن القطع وذلك يتناول الكل . واحتج هو أيضاً بها على أن العشر واجب في القليل والكثير للإطلاق ، والجواب أن بيانه في الحديث «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة » . ثم قال تعالى : { ولا تسرفوا } ولأهل اللغة فيه تفسيران : فعن ابن الأعرابي : السرف تجاوز ما حد لك . فعلى هذا إذا أعطى الكل ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف كما جاء في الخبر «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول » وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فخذها فقسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئاً فنزلت الآية { ولا تسرفوا } أي لا تعطوا كله وإذا منع الصدقة فقد أسرف وبه فسر الآية سعيد بن المسيب ، فإن مجاوزة الحد تكون إلى طرف الإفراط وإلى طرف التفريط . وقال عمر : سرف المال ما هذب منه في غير منفعة . وعلى هذا فقد قال مقاتل : معناه لا تشركوا الأصنام في الأنعام والحرث . وقال الزهري : ولا تنفقوا في معصية الله تعالى . وعن مجاهد : لو كان أبو قبيس ذهباً فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفاً ، ولو أنفق درهماً في معصية الله كان مسرفاً ، وهذا المعنى أراد حاتم الطائي حين قيل له لا خير في السرف فقال : لا سرف في الخير . ثم ختم الآية بقوله : { إنه لا يحب المسرفين } والمقصود منه الزجر فإن كل مكلف لا يحبه الله فإنه من أهل النار لأن محبة الله تعالى عبارة عن إرادة إيصال الثواب إليه .

/خ150