صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (17)

{ أفمن كان على بينة . . . } بيان لحال الذين يريدون بأعمالهم وجه الله تعالى ، إثر بيان حال أضدادهم الذين يريدون بأعماله الحياة الدنيا . أي أفمن كان على برهان جلي من ربه يبدل على حقية الإسلام وهو القرآن ، ويؤيده ويقويه شاهد منه على كونه من عند الله وهو إعجازه في نظمه ، وكتاب موسى من قبله- كمن ليس كذلك ؟ لا يستويان ؟ والبينة : القرآن . والتلو : التبعية بمعنى التقوية والشاهد : إعجازه ، والتوراة المؤيدة له . والضمير في { منه } للقرآن ، فإفادة أن إعجازه وصف ثابت له في ذاته غير خارج عنه . و{ من قبله } حال من { كتاب موسى } المعطوف على { شاهد } .

{ فلا تك في مرية منه } أي في شك من كون القرآن نازلا من عند الله . أو من أن موعدهم النار . والخطاب للرسول والمراد أمته ، كما في نظائره أو لكل من يصلح للخطاب . والمراد : التحريض على النظر الصحيح المزيل للشك .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (17)

قوله تعالى : { أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن كفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } الهمزة للاستفهام الأنكاري . وقوله : { أفمن كان على بينة } مبتدأن والخبر محذوف . والمراد بالبينة البراهان ، وتقديره الخبر : كمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ؟ والمعنى : أفمن كان على برهان ، من الله يدل على الحق والصواب كمن كان يريد الحياة الدنيا ؟ وهذا الحكم عام فيشمل كل مؤمن مخلص . وقيل : المراد به الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالبرهان دليل الفطرة والعقل .

قوله : { ويتلوه شاهد منه } يراد بالشاهد القرآن . والضمير في { منه } إلى الله ؛ أي ويتبع ذلك البرهان شاهد من الله وهو القرآن ؛ فإنه في بلاغته وروعة نظمه وعظيم معانيه يشهد للرسول صلى الله عليه وسلم بالنبوة والصدق فيما جاء به . ومن قبل القرآن كتاب موسى عليه السلام يتبع القرآن في تصديق الرسول الكريم والشهادة له بأنه جاء بالحق .

قوله : { إماما ورحمة } منصوبان على الحال . والإمام الذي يؤتم به في الدين ويقتدى . والرحمة ما حواه هذا الكتاب ( التوراة ) من نعمه الهداية وصدق العقيدة والتشريع . و { كتاب موسى } مرفوع ؛ لأنه معطوف على قوله : { شاهد } {[2067]} .

قوله : { أولئك يؤمنون به } الإشارة إلى الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم في صحة هذا الدين ؛ فإنهم يؤمنون بالقرآن .

قوله { ومن كفر به من الأحزاب فالنار موعده } أي من يكفر بهذا القرآن فيجحد نزوله من عند الله ، من الأحزاب وهم المتحازبون على الكفر وتكذيب الإسلام من أهل الملل والأديان المختلفة ؛ فإنهم لا جرم صائرون إلى النار بسبب كفرهم وتكذيبهم . وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار ) .

قوله : { فلا تك في مرية منه } أي لا تك في شك من هذا القرآن . وقيل : لا تك في شك من أن موعده المكذبين بالقرآن النار { إنه الحق من ربك } أي أن القرآن أو الموعد بمصير المكذبين إلى النار هو الحق من الله فلا مدخل للشك في ذلك البتة { ولاكن أكثر الناس لا يؤمنون } أكثر الناس في مختلف القرون والأمم غافلون مفرطون ، سادرون في الضلالة لا يتبعون في حياتهم وعامة سلوكهم غير الهوى ؛ فهم أكثرهم بذلك غير مؤمنين{[2068]} .


[2067]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 10.
[2068]:تفسير البيضاوي ص 292 وتفسير النسفي جـ 2 ص 183 وفتح القدير جـ 2 ص 488 وتفسير الرازي جـ 17 ص 210 والكشاف جـ 2 ص 262.