غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (17)

1

ثم بين أن بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتاً بيناً فقال :{ أفمن كان } والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم ؟ نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء فتقول : الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي أن يدخلوا أولاً ثم الجهال . ويمكن أن يقال : التقدير أفمن كان { على بينة من ربه } كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر للعلم به ومثله { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً }

[ فاطر :35 ] { أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً } [ الزمر :9 ] واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ألفاظ أربعة مجملة : الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو ؟ الثاني ما المراد بالبينة ؟ الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من التلو ؟ الرابع الشاهد من هو ؟ وللمفسرين فيها أقوال : أصحها أن معنى البينة البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق ، والذي هو على البينة مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه ، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد إلى البينة . بتأويل البيان والبرهان ، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من القرآن المتقدم ذكره في قوله : { أم يقولون افتراه } ، { ومن قبله كتاب موسى } أي ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها { إماماً } أو أعني إماماً كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه { ورحمة } ونعمة عظيمة على المنزل إليهم . والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها بالحجة والبرهان ، وإما أن يكون بالوحي والإلهام ، وإذا اجتمع على بعض المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق . ثم إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق ، ثم إنه حصل على تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعاً : البينة . وهي الدلائل العقلية اليقينية ، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي ، وكتاب موسى المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به ، وعند اجتماع هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب . وقيل : أفمن كان محمد صلى الله عليه وسلم ، والبينة القرآن ، ويتلوه يقرؤه شاهد هو جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه ، أو شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أو يتلوه أي يعقب ذلك البرهان شاهد من النبي صلى الله عليه وسلم هو صورته ومخايله ، فإن من نظر إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولاكاهن . وقيل : الكائن على البينة هم المؤمنون ، والبينة القرآن ، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله هو محمد صلى الله عليه وسلم أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على المطلوب وإن كان موجوداً قبله ، أو ذلك الشاهد كون القرآن واقعاً على وجه يعرف المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم . ثم مدح الكائن على البينة بقوله : { أولئك يؤمنون به } أي بالقرآن . ثم أوعد غيرهم بقوله : { ومن يكفر به من الأحزاب } يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس { فالنار موعده فلا تك في مرية } في شك { منه } من القرآن أو من الموعد ، ولما أبطل بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله : { من كان يريد الحياة الدنيا } ومن إنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك قوله : { أفمن كان على بينة } أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال : { ومن أظلم } . ثم قال : { أولئك يعرضون } لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض فإن العرض عام ، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف . أراد أنهم يعرضون فيفضحون بقول الأشهاد . ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب . والسؤال أو المراد عرضهم على من يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين ، أو أراد أنهم يحبسون في المواقف وتعرض أعمالهم على الرب . قال مجاهد : الأشهاد الملائكة الحفظة . وقال قتادة : هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس . وقيل : هم الأنبياء لقوله : { ولنسألن المرسلين } [ الأعراف :6 ] والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب ، أو جمع شهيد كشريف وأشراف . قال أبو علي : وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في القرآن { ويكون الرسول عليكم شهيداً } [ البقرة :143 ] { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } [ النساء :41 ] والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضيحة . وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في " الأعراف " . { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا من عذابنا لأنه سبحانه قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي . { وما كان لهم من دون الله من أولياء } تنصرهم وتمنعهم من عقابه . جمع تعالى بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة . وقيل : هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه تعالى لو شاء عقابهم في الدنيا لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم { يضاعف لهم العذاب } من قبل الكفر والصد أي الضلال والإِضلال . { ما كانوا يستطيعون السمع } يريد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى البصائر . ثم إن الأشاعرة قالوا : إن ذلك بتخليق الله تعالى حيث صيرهم عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق ، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه قال : إنه تعالى منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله : { ما كانوا يستطيعون } الآية . وفي الآخرة كما قال : { يدعون إلى السجود فلا يستطيعون } [ القلم :42 ] . وقالت المعتزلة : المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه كقول القائل : هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه ، وهذا الشخص لا أستطيع أن أبصره . والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال : الذي سموه أولياء ليسوا في الحقيقة بأولياء . ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يمسعون ولا يبصرون فكيف يصلحون للولاية ؟ وعلى هذا يكون قوله : { يضاعف لهم العذاب } اعتراضاً بوعيد .

/خ24