صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّـٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ} (95)

{ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم }أي لا تقتلوا صيد البر –وهو ما توالده ومثواه في البر مما هو ممتنع لتوحشه خلقة وطبعا-وأنتم محرمون ولو كنتم خارج الحرم ، ومثله لو كنتم في الحرم وأنتم حلال . وقيل : { حرم }جمع حرام ، و هو يقع على المحرم و إن كان في الحل ، وعلى من في الحرم وإن كان حلالا ، وهما سيان في النهي عن قتل الصيد . واستثني من ذلك الحدأة والغراب والفأرة والعقرب و الكلب العقور ، وسميت في الحديث فواسق . ولا شيء على المحرم إذا قتل نحو السبع والنمر والفهد إذا ابتدأت بالأذى و التعدي . وقيل مطلقا ، وتفصيل الأحكام في الفقه .

{ فجزاء مثل ما قتل من النعم }أي فعليه جزاء من النعم مماثل للمقتول في الخلقة والمنظر ، ففي النعامة بدنة ، وفي حمار الوحش بقرة ، وفي الظبي شاة ، وفي الأرنب سخل ، أو ما يساوي قيمة هذا الجزاء من الطعام ، فيعطى لكل مسكين مد . أو ما يعادل هذا الطعام صياما ، فيصوم عن كل مد يوما . وإن لم يوجد للمقتول مماثل كالعصفور والجراد فعليه قيمته يشترى بها طعام لكل مسكين مد أو يصوم عن كل مد يوما . وقوله تعالى : { من النعم }حال من { مثل }أو صفة له . و ذهب آخرون إلى أن المماثلة إنما تعتبر ابتداء بحسب القيمة ، فيقوم المقتول من حيث هو ، فإن بلغت قيمته قيمة الهدي يخير الجاني بين أن يشتري بها هديا يهدى إلى الكعبة و يذبح في الحرم و يتصدق بلحمه على من يشاء وبين أن يشترى بها طعاما للمساكين ، لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من غيره ، وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوما . وإن لم تبلغ قيمته قيمة هدي يخير بين إعطائها المسكين وصوم يوم كامل . وقوله { من النعم }تفسير للهدي المشترى بالقيمة على أحد وجوه التخيير . { هديا بالغ الكعبة }أي الحرم .

وخصت الكعبة بالذكر للتعظيم إذ هي الأصل . ولا يجزي الذبح في غيره . { أو كفارة }معطوف على { جزاء }و{ أو }للتخيير ، وكذلك بالذكر في قوله : { أو عدل ذلك صياما }أي أو ما يعادل ذلك الطعام صياما ، فيصوم عن طعام كل مسكين يوما . والعدل-بالفتح- : ما عادل الشيء من غير جنسه .

و أما التكسير : فما عادله من جنسه . وقيل هما سيان و معناهما المثل مطلقا . وقرء بالكسر . والتفصيل في الفقه . { ليذوق و بال أمره }أي جزاء ذنبه وسوء عاقبته . والوبال في الأصل : الثقل و الشدة و الوخامة . يقال : وبل المطر إذا اشتد فهو وبيل ، ووبل المرتع وبالا و وبالة بمعنى وخم . ثم قيل في سوء العاقبة : وبال . وفي العمل السيئ : هو وبال على صاحبه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّـٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ} (95)

ولما أخبرهم بالابتلاء صرح لهم بما لوح إليه بذكر المخافة من تحريم التعرض لما ابتلاهم به{[27665]} ، فقال منوِّهاً بالوصف الناهي عن الاعتداء : { يا أيها الذين آمنوا } وذكر القتل الذي هو أعم من الذبح إشارة إلى أن الصيد - لما عنده من النفرة المانعة من التمكن من ذبحه - يحبس بأي وجه كان من أنواع القتل فقال : { لا تقتلوا الصيد } أي لا تصطادوا{[27666]} ما يحل أكله من الوحش ، وأما غير المأكول فيحل قتله ، فإنه لاحظ للنفس في قتله إلا الإراحة من أذاه المراد بالفسق في قوله صلى الله عليه وسلم : " خمس في الدواب فواسق ، لا جناح على من قتلها في حل ولا حرم " وذكر منهن السبع العادي ، فدل الحكم برفع الجناح عقب الوصف بالفسق على أنه علة الإباحة ، ولا معنى لفسقها إلا أذاها { وأنتم حرم } أي محرمون أو{[27667]} في الحرم .

ولما كان سبحانه عالماً{[27668]} بأنه لا بد أن يوافق موافق{[27669]} تبعاً لأمره ويخالف مخالف موافقة لمراده ، شرع لمن خالف كفارة تخفيفاً منه على هذه الأمة ورفعاً لما كان على من{[27670]} كان من قبلها{[27671]} من الآصار ، فقال عاطفاً على ما تقديره : فمن انتهى فله عند ربه أجر عظيم : { ومن قتله منكم متعمداً } أي قاصداً للصيد ذاكراً للإحرام إن كان محرماً ، والحرم إن كان فيه عالماً بالتحريم .

ولما كان هذا الفعل العمد موجباً للإثم والجزاء ، ومتى اختل وصف منه كان خطأ موجباً للجزاء فقط ، وكان سبحانه قد عفا عن الصحابة رضي الله عنهم العمد الذي كان سبباً لنزول الآية كما في آخرها ، {[27672]} لم يذكره{[27673]} واقتصر على ذكر الجزاء فقال : { فجزاء } أي فمكافأة { مثل ما قتل } أي أقرب الأشياء به شبهاً في الصورة{[27674]} لا النوع{[27675]} ، ووصف الجزاء بقوله : { من النعم } لما قتله{[27676]} عليه ، {[27677]} أي عليه{[27678]} أن يكافئ ما قتله بمثله ، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل ، هذا على قراءة الجماعة بإضافة " جزاء " إلى " مثل " ، وأما على قراءة الكوفيين ويعقوب بتنوين " جزاء " ورفع " مثل " فالأمر واضح .

ولما كان كأنه قيل : بما{[27679]} تعرف المماثلة ؟ قال : { يحكم به } أي بالجزاء ؛ ولما كانت وجوه المشابهة بين الصيد وبين النعم كثيرة ، احتاج ذلك إلى زيادة التأمل فقال : { ذوا عدل منكم{[27680]} } أي المسلمين ، وعن الشافعي أن الذي له{[27681]} مثل ضربان : ما حكمت فيه الصحابة ، وما لم تحكم{[27682]} فيه ، فما حكمت فيه لا يعدل إلى غيره لأنه قد حكم به عدلان فدخل تحت الآية ، وهم أولى من غيرهم لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل ؛ وما لم يحكموا به يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين ، فينظر إلى الأجناس الثلاثة{[27683]} من الأنعام ، {[27684]} فكل ما{[27685]} كان أقرب شبهاً به يوجبانه ؛ فإن كان القتل خطأ جاز أن يكون الفاعل{[27686]} أحد الحكمين ، وإن كان عمداً فلا ، لأنه يفسق به .

ولما كان هذا المثل يساق إلى مكة المشرفة على وجه الإكرام والنسك{[27687]} رفقاً بمساكينها ، قال{[27688]} مبيناً لحاله من الضمير في " به " : { هدياً } ولما كان الهدي هو ما تقدم تفسيره ، صرح به فقال : { بالغ الكعبة } أي الحرم المنسوب إليها ، وإنما صرح بها زيادة في التعظيم وإعلاماً بأنها هي المقصودة بالذات بالزيارة والعمارة لقيام ما يأتي ذكره ، تذبح الهدي بمكة المشرفة ويتصدق به على مساكين الحرم{[27689]} ، والإضافة لفظية لأن الوصف بشبه " يبلغ " فلذا وصف بها النكرة .

ولما كان سبحانه رحيماً بهذه الأمة ، خيرها بين ذلك وبين ما بعد فقال{[27690]} : { أو } عليه { كفارة } هي { طعام مساكين } في الحرم بمقدار قيمة الهدي ، لكل مسكين مد { أو عدل ذلك } أي قيمة المثل { صياماً } في أيّ موضع تيسر له ، عن{[27691]} كل مد يوم ، فأو للتخيير لأنه الأصل فيها ، والقول بأنها للترتيب يحتاج إلى دليل .

ولما كان الأمر مفروضاً في المتعمد قال معلقاً بالجزاء ، أي فعليه أن يجازي بما ينقص المال أو يؤلم الجسم { ليذوق وبال } أي ثقل{[27692]} { أمره } وسوء عاقبته ليحترز{[27693]} عن مثل ما وقع فيه ؛ ولما كان هذا الجزاء محكوماً به في دار العمل التي لا يطلع أهلها بمجرد عقولهم فيها على غيب ، ولا يعرفون عاقبة أمر إلاّ تخرصاً ، طرد الحكم في غير المتعمد{[27694]} لئلا يدعي المتعمد أنه مخطئ ، كل ذلك حمى لحرمة الدين وصوناً لحرمة الشرع وحفظاً لجانبه ورعاية لشأنه ، ولما كان قد مضى منهم قبل نزولها من هذا النوع أشياء ، كانوا كأنهم قالوا : فكيف نصنع بما أسلفنا ؟ قال جواباً : { عفا الله ) أي الغني عن كل شيء الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ( عما سلف }{[27695]} أي تعمده{[27696]} ، أي لكم من ذلك ، فمن حفظ نفسه بعد هذا فاز { ومن عاد } إلى تعمد شيء من ذلك ولو قل ؛ ولما كان المبتدأ متضمناً معنى الشرط ، قرن الخبر بالفاء إعلاماً بالسببية{[27697]} فقال : { فينتقم الله } أي الذي له الأمر كله { منه } أي بسبب عوده بما يستحقه من الانتقام .

ولما كان فاعل ذلك منتهكاً لحرمة الإحرام والحرم{[27698]} ، وكان التقدير : فالله قادر عليه ، عطف على ذلك ما اقتضاه المقام من الإتيان بالاسم الأعظم ووصف العزة فقال : { والله } أي الملك الأعلى{[27699]} الذي لا تداني{[27700]} عظمتَه عظمةٌ { عزيز } لا يغلب{[27701]} { ذو انتقام * } ممن خالف أمره .


[27665]:سقط من ظ.
[27666]:في ظ: لا تصادوا.
[27667]:من ظ، وفي الأصل: أي.
[27668]:زيد من ظ.
[27669]:سقط من ظ.
[27670]:في ظ: قتلها.
[27671]:في ظ: قتلها.
[27672]:في ظ: لو بذكره.
[27673]:في ظ: لو بذكره.
[27674]:من ظ، وفي الصل: كالنوع.
[27675]:من ظ، وفي الأصل: كالنوع.
[27676]:من ظ، وفي الأصل: قتل.
[27677]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27678]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27679]:في ظ: بم.
[27680]:تأخر في ظ عن " الضمير في به".
[27681]:سقط من ظ.
[27682]:في ظ: لم يحكم.
[27683]:من ظ، و البحر المحيط 4/2، وفي الأص: الثلاث.
[27684]:من ظ والبحر، وفي الأصل: فما.
[27685]:من ظ والبحر، وفي الأصل: فما.
[27686]:زيد من ظ.
[27687]:في ظ: فقال بمساكنها- كذا.
[27688]:في ظ: فقال بمساكنها- كذا.
[27689]:سقط من ظ.
[27690]:سقط من ظ.
[27691]:سقط من ظ.
[27692]:في ظ: يقل- كذا.
[27693]:من ظ، وفي الأصل: ليحرز.
[27694]:في ظ: المعتمد، والعبارة من بعده على " المعتمد" الآتي ساقطة منه.
[27695]:من ظ، وفي الأصل: إلى تعمدها، وهو متخلل في الأصل بين " عما و " سلف".
[27696]:من ظ، وفي الأصل: إلى تعمدها، وهو متخلل في الأصل بين " عما و " سلف".
[27697]:في ظ: بالسنة- كذا.
[27698]:سقط من ظ.
[27699]:زيد من ظ.
[27700]:في ظ: لا يداني.
[27701]:في ظ: لا يغالب.