صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا} (157)

{ وما قتلوه وما صلبوه }زعم أكثر اليهود أنهم قتلوا المسيح وصلبوه ، فأكذبهم الله تعالى في ذلك وقال : { ولكن شبه لهم }أي شبه لهم المقتول بأن ألقى عليه شبه المسيح ، فلما دخلوا لقتلوا المسيح وجدوا الشبيه فقتلوه وصلبوه ، يظنونه المسيح وما هو به في الواقع ، إذ قد رفع الله عيسى إلى السماء ، ونجاه من شر الأعداء . وقيل : المعنى ولكن التبس عليهم الأمر حيث ظنوا المقتول عيسى كما أوهمهم ذلك أحبارهم . { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه }وهم اليهود ، حيث قال بعضهم ، قتلناه حق ، وتردد فيه آخرون . والنصارى حيث قال بعضهم ، صلب الناسوت ورفع اللاهوت . وقال بعضهم : قتلا معا . وقال فريق : رأيناه قتل . وفريق : رأيناه رفع . وكلهم ضلال كذبة ، وما لهم بذلك من علم . ولكنهم يظنون ظنا ويتبعون وهما ، وما قتلوه متيقنين أنه هو ، بل رفعه الله إلى السماء التي لا حكم فيها إلا لله تعالى ، وطهره من الذين كفروا .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا} (157)

قوله تعالى : " وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم " كسرت " إن " لأنها مبتدأة بعد القول وفتحها لغة . وقد تقدم في " آل عمران{[5119]} " اشتقاق لفظ المسيح . " رسول الله " بدل ، وإن شئت على معنى أعني . " وما قتلوه وما صلبوه " رد لقولهم . " ولكن شبه لهم " أي ألقي شبهه على غيره كما تقدم في " آل عمران " {[5120]} . وقيل : لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاكون فيه ؛ كما قال تعالى : " وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه " والإخبار قيل : إنه عن جميعهم . وقيل : إنه لم يختلف فيه إلا عوامهم ؛ ومعنى اختلافهم قول بعضهم إنه إله ، وبعضهم هو ابن الله . قاله الحسن . وقيل اختلافهم أن عوامهم قالوا قتلنا عيسى . وقال من عاين رفعه إلى السماء : ما قتلناه . وقيل : اختلافهم أن النسطورية من النصارى قالوا : صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته . وقالت الملكانية : وقع الصلب والقتل على المسيح بكماله ناسوته ولا هوته . وقيل : اختلافهم هو أنهم قالوا : إن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ؟ ! وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ؟ ! وقيل : اختلافهم هو أن اليهود قالوا : نحن قتلناه ؛ لأن يهوذا رأس اليهود هو الذي سعى في قتله . وقالت طائفة من النصارى : بل قتلناه نحن . وقالت طائفة منهم : بل رفعه الله إلى السماء ونحن ننظر إليه . " ما لهم به من علم " من زائدة ؛ وتم الكلام . ثم قال عز وجل : " إلا اتباع الظن " استثناء ليس من الأول في موضع نصب ، ويجوز أن يكون في موضع رفع على البدل ؛ أي : ما لهم به من علم إلا اتباع الظن . وأنشد سيبويه :

وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافيرُ{[5121]} وإلا العيسُ

قوله تعالى : " وما قتلوه يقينا " قال ابن عباس والسدي : المعنى ما قتلوا ظنهم يقينا ؛ كقولك : قتلته علما إذا علمته علما تاما ؛ فالهاء عائدة على الظن . قال أبو عبيد : ولو كان المعنى وما قتلوا عيسى يقينا لقال : وما قتلوه فقط . وقيل : المعنى وما قتلوا الذي شبه لهم أنه عيسى يقينا . فالوقف على هذا على " يقينا " . وقيل : المعنى وما قتلوا عيسى ، والوقف على " وما قتلوه " و " يقينا " نعت لمصدر محذوف ، وفيه تقديران : أحدهما : أي قالوا هذا قولا يقينا ، أو قال الله هذا قولا يقينا . والقول الآخر : أن يكون المعنى وما علموه علما يقينا . النحاس : إن قدرت المعنى بل رفعه الله إليه يقينا فهو خطأ ؛ لأنه لا يعمل ما بعد " بل " فيما قبلها لضعفها . وأجاز ابن الأنباري الوقف على " وما قتلوه " على أن ينصب " يقينا " بفعل مضمر هو جواب القسم ، تقديره : ولقد صدقتم يقينا أي صدقا يقينا .


[5119]:راجع ج 4 ص 88.
[5120]:راجع ج 4 ص 100.
[5121]:اليعافير: أولاد الظباء واحدها يعفور. والعيس بقر الوحش لبياضها، والعيس البياض، وأصله في الإبل استعاره للبقر.