صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف  
{وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ} (39)

{ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } أي أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم أن ليس للإنسان إلا سعيه ! ؟ فلا يثاب بعمل غيره ، كما لا يؤاخذ بذنب غيره . أما في شريعتنا فقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع انتفاع الإنسان بعمل غيره ، ونقل العلامة الجمل في حاشيته على الجلالين بحثا نفيسا لشيخ الإسلام تقى الدين أحمد بن تميمة ، ننقل خلاصته لمزيد فائدته . قال : " من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع ؛ وذلك باطل من وجوه : أحدها – أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره . ثانيها – أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب ، ثم لأهل الجنة في دخولها . ثالثها – يشفع لأهل الكبائر في الخروج من النار ؛ وهذا انتفاع بسعي الغير . رابعها – أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض ؛ وذلك منفعة بعمل الغير . خامسها – أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط – أي من المؤمنين – بمحض رحمته ؛ وهذا انتفاع بغير عملهم . سادسها – أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم ؛ وذلك انتفاع بمحض عمل الغير . سابعها – قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين : " وكان أبوهما صالحا " {[333]} ؛ فانتفعا بصلاح أبيهما وليس من سعيهما . ثامنها – أن الميت ينتفع بالصدقة عنه

وبالعتق ، بنص السنة والإجماع ؛ وهو من عمل الغير . تاسعها – أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة ؛ وهو انتفاع بعمل الغير ، عاشرها – أن الحج المنذور أو الصوم المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره بنص السنة ؛ وهو انتفاع بعمل الغير . حادي عشرها – المدين قد امتنع صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة ، وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب وانتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وهو من عمل الغير . ثاني عشرها – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن صلى وحده : ( ألا رجل يتصدق على هذا فيصلى معه ) ؛ فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير . ثالث عشرها – أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها عنه قاض ؛ وذلك انتفاع بعمل الغير . رابع عشرها – أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه ؛ وهذا انتفاع بعمل الغير . خامس عشرها – أن الجار الصالح ينفع في المحيا والممات – كما جاء في الأثر - ؛ وهذا انتفاع بعمل الغير . سادس عشرها – أن جليس أهل الذكر يرحم بهم ؛ وهو لم يكن منهم ، ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له ، والأعمال بالنيات ؛ فقد انتفع بعمل غيره . سابع عشرها – الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة ، انتفاع للميت بصلاة الحي عليه ؛ وهو عمل غيره . ثامن عشرها – أن الجمعة تحصل باجتماع العدد ، وكذا الجماعة بكثرة العدد ؛ وهو انتفاع للبعض بالبعض . تاسع عشرها – أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم " {[334]} . وقال تعالى : " ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات " {[335]} فقد رفع الله تعالى عن بعض الناس بسبب بعض ؛ وذلك انتفاع بعمل الغير . عشروها – أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن يمونه الرجل ؛ فإنه ينتفع بذلك من يخرج عنه ولا سعي له فيها . ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله مالا يكاد يحصى ؛ فكيف يجوز أن نتأول الآية الكريمة على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة ! ؟ " اه . فإما أن يقال : إن الآية عامة قد خصصت بأمور كثيرة مما ذكر . أو يقال : إنها مخصوصة بقوم موسى وإبراهيم ؛ لأنها حكاية عما في صحفهما . وأما هذه الأمة فلها ما سعت هي وما سعى لها غيرها ؛ بدليل ما ذكر ، وبدليل قوله تعالى : " ألحقنا بهم ذريتهم " {[336]} حين أدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء . أو يقال : إن سعي غيره لما لم ينفعه

إلا مبنيا على سعي نفسه وهو بكونه مؤمنا كان كأنه سعى نفسه . أو يقال : إن المراد بالإنسان الكافر . والمعنى : أنه ليس له من الجزاء إلا ما عمل هو ؛ فيثاب عليه في الدنيا بسعة الرزق والمعافاة في البدن ونحو ذلك ، حتى لا يبقى له في الآخرة منها نصيب . أو يقال : " ليس للإنسان إلا ما سعى " أي عدلا ؛ فأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله من فضله ما يشاء . وفي الحديث الصحيح : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث – وفيه - : أو ولد صالح يدعو له ) . وهذا كله تفضل منه تعالى ، كما أن تضعيف الحسنات فضل منه تعالى . هذا وقد نقل الخازن في تفسيره الأحاديث الصحيحة الواردة في الحج عن الغير ، ثم قال : وفي الحديثين الآخرين دليل على أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصل ثوابها إليه ؛ وهو إجماع العلماء . وكذلك أجمعوا على وصول الدعاء وقضاء الدين ؛ للنصوص الواردة في ذلك . ويصح الحج عن الميت حجة الإسلام . وكذا لو أوصى بحج تطوع على الأصح عند الشافعي . واختلف العلماء في الصوم عنه ، والراجح جوازه عنه . والمشهور من مذهب الشافعي أن قراءة القرآن لا يصل ثوابها للميت . وذهب أحمد وجماعة من العلماء ومن أصحاب الشافعي إلى أنها تصل ؛ فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه : اللهم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان ، ونحو ذلك . وأما الصلوات وسائر التطوعات فلا يصله ثوابها عند الشافعي والجمهور . وقال أحمد : يصله ثواب الجميع . ا . ه .

وقد أشبعنا الكلام في هذا المقام في فتوى الأربعين . والله أعلم .


[333]:آية 82 الكهف.
[334]:آية 23 الأنفال.
[335]:آية 25 الفتح.
[336]:آية 21 الطور.