الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ} (39)

ثم قال : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } [ 38 ] .

قال ابن عباس الآية منسوخة لأن الله عز وجل{[65927]} أنزل بعد ذلك { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم{[65928]} } فرفع الله الأبناء في درجات الآباء بعمل الآباء ، وهو اختيار الطبري{[65929]} .

وروى ابن عباس عن النبي /صلى الله عليه وسلم{[65930]} أنه قال إن الله جل ذكره{[65931]} ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته إن كان لم يبلغها بعمله لتقر بهم عينه{[65932]} .

وقال قوم : الآية محكمة ، ولا ينفع أحدا{[65933]} عمل أحد لا من صدقة ولا من حج ولا صلاة ولا غير ذلك ، وقد أجمع العلماء أن الصلاة لا يجوز فيها أن يصلي أحد عن أحد{[65934]} وقد أتت أخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم{[65935]} في إجازة الحج عن الحي والميت والصيام عن الميت{[65936]} والصدقة عن الميت .

ومذهب مالك أن عمل الأبدان لا يجوز أن يعمله أحد عن أحد ، فإن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه{[65937]} .


[65927]:ساقط من ع.
[65928]:الطور: آية 19.
[65929]:انظر: الإيضاح 423، والناسخ والمنسوخ 378، وجامع البيا 27/44. وتفسير القرطبي 17/114، والدر المنثور 7/662.
[65930]:ع: "عليه السلام".
[65931]:ع: "جل وعز".
[65932]:جاء في الدر المنثور 7/632، أخرج سعيد بن منصور وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقربهم عينه، ثم قرأ {والذين آمنوا واتبعهم ذريتهم} الآية.
[65933]:ح: "أحد".
[65934]:انظر: تفسير القرطبي 17/114.
[65935]:ع: "عليه السلام".
[65936]:ع: "المصدق" وهو تحريف.
[65937]:جاء في أحكام ابن العربي: فإن كان مريضا أو مغصوبا لم يتوجب عليه السير إلى الحج بإجماع من الأمة فإن الحج فرضه الله على المستطيع إجماعا، والمريض والمغصوب لا استطاعة لهما، فإن رووا أن الصحيح قد تضمن عن النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة قالت يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال نعم حجي عنه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قلت نعم: قال فدين الله أحق أن يقضى. وقد قال بهذا الحديث جماعة من المتقدمين واختاره الشافعي من المتأخرين، وأبى ذلك الحنفية والمالكية، فإن مقصود الحديث الحث على بر الوالدين والنظر في مصالحهم دنيا ودينا وجلب المنفعة إليهما جبلة وشرعا (...) وكأن في الحديث جواز حج الغير عن الغير لأنها العبادة جهة المال، وجازت فيه النيابة، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم يجواز النيابة في غير هذا الموضع، وضرب المثل بأنه لو كان على أبيها دين عبد لسعت في قضائه، فدين الله أحق بالقضاء". راجع ذلك في أحكام ابن العربي 1/288 وتفسير القرطبي 17/114.