الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ} (83)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{مسومة}، يعني معلمة، {عند ربك}، يعني جاءت من عند الله عز وجل، ثم قال: {وما هي من الظالمين ببعيد}؛ لأنها قريب من الظالمين، يعني من مشركي مكة، فإنها تكون قريبا، يخوفهم منها...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وأما قوله:"مُسَوّمَةً عِنْدَ رَبّكَ" فإنه يقول: معلمة عند الله، أعلمها الله، والمسوّمة من نعت الحجارة، ولذلك نصبت ونعت بها...

وأما قوله: "وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ "فإنه يقول تعالى ذكره متهدّدا مشركي قريش: وما هذه الحجارة التي أمطرتها على قوم لوط من مشركي قومك يا محمد ببعيد أن يمطَروها إن لم يتوبوا من شِركهم...

عن مجاهد: "وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ" قال: يرهب بها من يشاء...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

وقوله تعالى: (مسومة)...قال بعضهم: مسومة أي مكتوبا عليه اسم صاحبها...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

ذكر سبحانه ما نالهم من العقوبة على عصيانهم، ثم أخبر أنَّ تلك العقوبةَ لاحقةٌ بمن سَلَكَ سبيلَهم تحذيراَ لمن لم يعتبر بهم إذا عرف طريقَهم...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

...ويحتمل أن تكون {مسومة} ها هنا بمعنى: مرسلة، وسومها من الهبوط.

وقوله {وما هي} إشارة إلى الحجارة. و {الظالمين} قيل: يعني قريشاً. وقيل: يريد عموم كل من اتصف بالظلم، وهذا هو الأصح...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{مسومة} أي معلمة بعلامات تدل على أنها معدة للعذاب.. ثم فخمها بقوله: {عند ربك} وعبر بالرب إشارة إلى كثرة إحسانه إليه وأنه إنما أمره صلى الله عليه وسلم بالإنذار رحمة لأمته التي جعلها خير الأمم وسيجعلها أكثر الأمم، ولا يهلكها كما أهلكهم؛ ومادة سجل -بأي ترتيب كان- تدور على العلو... ولما كان المعنى أنها من مكان هو في غاية العلو ليعظم وقعها، حسن كل الحسن اتباع ذلك قوله: {وما هي} على شدة بعد مكانها {من الظالمين} أي من أحد من العريقين في الظلم في ذلك الزمان ولا هذا ولا زمن من الأزمان {ببعيد} لئلا يتوهم الاحتياج في وصولها إلى المرمى بها إلى زمن طويل...

.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :

وقد ذكر المفسرون روايات وقصصاً في كيفية هلاك قوم لوط طويلة متخالفة، وليس في ذكرها فائدة لا سيما وبين من قال بشيء من ذلك، وبين هلاك قوم لوط دهر طويل لا يتيسر له في مثله إسناد صحيح، وغالب ذلك مأخوذ عن أهل الكتاب، وحالهم في الرواية معروف. وقد أمرنا بأنا لا نصدّقهم ولا نكذبهم، فاعرف هذا، فهو الوجه في حذفنا لكثير من هذه الروايات الكائنة في قصص الأنبياء وقومهم...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{مسومة عند ربك} لها سومة، أي علامة خاصة في علم ربك أيها الرسول، أي أمطرناها خاصة بها لا تصيب غير أهلها، أو هي من قولهم: سومت فلانا في مالي أو في الأمر إذا حكمته فيه، وخليته وما يريد لا تثنى له يد في تصرفه، وقد ظهر لي هذا المعنى الآن من مراجعة المجاز الأساس، والمعنى أنه سخرها عليهم وحكمها في إهلاكهم لا يمنعها منه شيء، كما قال في الملائكة التي أمد الله المؤمنين في غزوة بدر: [مسومين].. {وما هي من الظالمين ببعيد} أي وما هذه العقوبة أو القرى أو الأرض التي حل بها العذاب المخزي بمكان بعيد المسافة من مشركي مكة الظالمين لأنفسهم بتكذيبك والتماري بنذرك أيها الرسول، بل هي قريبة منهم واقعة على طريقهم في رحلة الصيف إلى الشام كما قال: {فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم} [الحجر: 73، 76] أي في طريق ثابت معروف بين المدينة والشام، وقال في سورة الصافات بعد ذكر هلاكهم: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون} [الصافات: 137، 138] قال الجلال:"وإنكم لتمرون عليهم" على آثارهم ومنازلهم في أسفاركم. "مصبحين "أي وقت الصباح، يعني بالنهار، "وبالليل أفلا تعقلون" ما حل بهم فتعتبروا به اه. والتعبير بصفة الظالمين وكون العقوبة آية مرادة لا مصادفة، يجعل العبارة عبرة لكل الأقوام الظالمة في كل زمان، وإن كان العذاب يختلف باختلاف الأحوال من أنواع الظلم وكثرته وعمومه وما دونهما...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هذه الحجارة.. (مسومة عند ربك).. كما تسوم الماشية أي تربى وتطلق بكثرة. فكأنما هذه الحجارة مرباة! ومطلقة لتنمو وتتكاثر! لوقت الحاجة.. وهو تصوير عجيب يلقي ظله في الحس، ولا يفصح عنه التفسير، كما يفصح عنه هذا الظل الذي يلقيه.. (وما هي من الظالمين ببعيد).. فهي قريبة وتحت الطلب، وعند الحاجة تطلق فتصيب! والصورة التي يرسمها السياق هنا لهذه النازلة التي أصابت قوم لوط هي أشبه شيء ببعض الظواهر البركانية التي تخسف فيها الأرض فتبتلع ما فوقها ويصاحب هذا حمم وحجارة ووحل وعند ربك للظالمين كثير!!! ولا نقول هذا الكلام لنقول: إنه كان بركان من تلك البراكين، ثار في ذلك الوقت، فوقع ما وقع. إننا لا ننفي هذا. فقد يكون هو الذي وقع فعلا. ولكننا لا نجزم به كذلك ولا نقيد قدر الله بظاهرة واحدة مألوفة.. وقوام القول في هذه القضية وأمثالها أنه جائز أن يكون في تقدير الله وقوع انفجار بركاني في موعده في هذا الموعد ليحقق قدر الله في قوم لوط كما قدر في علمه القديم. وهذا التوقيت والتوافق شأن من شؤون ألوهيته سبحانه وربوبيته للكون وتصريفه لكل ما يجري فيه متناسقا مع قدره بكل شيء وبكل حي فيه. وجائز كذلك أن تكون هذه الظاهرة وقعت بقدر خاص تعلقت به مشيئة الله سبحانه لإهلاك قوم لوط على هذه الصورة التي تم بها في ذلك الحين. وفهم علاقة مشيئة الله بالكون على النحو الذي بيناه قريبا في التعليق على حادثة امرأة إبراهيم، لا يبقى مجالا لمشكلة تقوم في التصوير الإنساني لمثل هذه الظواهر والأمور...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمسوّمَة: التي لها سِيما، وهي العلامة. والعلامات توضع لأغراض، منها عدم الاشتباه، ومنها سهولة الإحضار، وهو هنا مكنّى به عن المُعدّة المهيّئة لأن الإعداد من لوازم التوسيم بقرينة قوله: {عند ربك} لأن تسويمها عند الله هو تقديره إياها لهم...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

لَمِ قلب الله عاليها سافلها؟ قلنا: إِنّ العذاب ينبغي أن يتناسب مع الإِثم، وحيث أنّ هؤلاء القوم قلبوا كل شيء عن طريق الانحراف الجنسي فإنّ الله جعل مدنهم عاليها سافلها أيضاً، وحيث كانوا دائماً يتقاذفون بالكلمات البذيئة فيما بينهم، فإنّ الله أمطرهم بحجارة لتتهاوى على رؤوسهم أيضاً.

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ} (83)

قوله : { مسومة عند ربك } أي معلمة ، من السيما وهي العلامة . وقد ذكر أن جبريل عليه السلام لما أصبح نشر جناحه فانتسف بها أرضيهم بما فيها من قصورها ودوابها وحجارتها وشجرها وجميع ما فيها ، فضما في جناحه فحواها وطواها في جناحه ، ثم صعد بها إلى السماء الدنيا حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب . وكانوا أربعة آلاف ألف . ثم قلبها فأرسلها إلى الأرض منكوسة ، ودمدم بعضها على بعض فجعل عاليها سافلها ، ثم أتبعها حجارة من سجيل{[2154]} .

قوله : { وما هي من الظالمين ببعيد } يعني ما الحجارة والتدمير من الظالمين في هذه الأمة ببعيد . وذلك ترهيب للذين يقارفون هذه الفاحشة الكريهة . فما تنزلق نفوس الشذاذ من الفساق إلى هذا المستنقع من الرجس حتى يوشك أن يحيق بهم ما حاق بقوم لوط . وقيل : الضمير { هي } للقرى التي أتى عليها التدمير والقلب وهي المؤتفكات أو قرى قوم لوط . فلم تكن هذه القرى ببعيد من كفار مكة ؛ إذ كانت في الشام وكان كفار مكة يمرون بها في أسفارهم .

وقد ذكر خبراء الآثار أن قرى وآثارا لسكان وأناسي غائرة في عمق البحر الميت ، وهي بحيرة لوط ، تسمية باسم القوم الذين انكفأت بهم الأرض ، فصار عاليهم سافلهم . وذلك ما تشهد به دراسة الآثار في بحيرة لوط عن هذه المسألة .

حد اللواط

يثبت حد اللواط بما ثبت به حد الزنا . وذلك بالإقرار أو البينة ؛ وهي أن يشهد أربعة من العدول على حصول تمام الزنا .

على أن عقوبة اللواط موضع خلاف بين الفقهاء ؛ فقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه ليس من حد في اللواط بل فيه التعزير على كل من الفاعل والمفعول به . واستدل على ذلك بالمعقول والنظر ، وهو أن اللواط ليس زنا لاختلاف الصحابة في عقوبته ؛ فقد روي عن أبي بكر الصديق أن عقوبته الإحراق بالنار . وهو قول علي . وقيل : عقوبته التنكيس من مكان مرتفع وإلحاقه بالحجارة زيادة في التنكيل . وقيل غير ذلك في عقوبته .

وقال أيضا إن اللواط ليس في معنى الزنا ؛ لأنه ليس سببا لإضاعة الولد واشتباه النساب كالحال في الزنا . ومن جهة أخرى فإن حصول اللواط نادر ؛ لأن النفوس تنفر منه وتشمئز . لكنه مع ذلك يجب فيه التعزير{[2155]} .

وذهب جمهور الشافعية والمالكية والحنبلية وصاحبا أبي حنيفة إلى وجوب الحد في اللواط إن تحقق فيه شرط من عقل وبلوغ . فإن كان أحدهما صغيرا أو مجنونا وجب الحد على العاقل أو البالغ منهما . وفي ذلك أخرج البيهقي بإسناده عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتى الرجل الرجل ، فهما زانيان ، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان ، ) وهذا يدل على أن اللواط ضرب من الزنا فيجب فيه من الحد ما يجب على الزنا . وهذا الصحيح الذي ينبغي اعتباره والأخذ به . وما ينبغي أن يعارض هذا باحتجاج أبي حنيفة المبني على النظر .

أما ماهية حد اللواط وكيفيته فثمة قولان في ذلك :

القول الأول : وهو أن حد اللواط كحد الزنا في المرأة من غير فرق ؛ فيجب فيه الجلد على البكر ، والرجم على المحصن ، وهو قول الشافعية في المعتمد من مذهبهم ، وكذلك الحنبلية في إحدى الروايتين عنهم . وقال بذلك صاحبا أبي حنيفة . واستدلوا على ذلك بالخبر : ( إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان } .

القول الثاني : وهو وجوب قتل الفاعل والمفعول به سواء كانا بكرين أو ثيبين وهو قول المالكية والشافعية في قولهم الثاني . وهي الرواية الثانية للحنبلية وذلك لخبر : ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) أخرج أبو داود عن ابن عباس . وكذلك ما أخرجه البيهقي بإسناده عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من وقع على الرجل فاقتلوه ) وسئل ابن عباس : ما حد اللواطي ؟ قال : ( ينظر أعلى البناء في القرية فيرمى به منكسا ثم يتبع الحجارة ) .

وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال : ( السنة أن يرجم اللواطي أحصن أو لم يحصن ) .

أما لو كان الملتبسان غير مكلفين ، كأن يكونا صغيرين ؛ فإنه لا حد عليهما ، ولكنهما يؤدبان بمختلف وجوه التأديب ممل يكون لهما زاجرا ورادعا . ولو كان أحد مكلفا دون الأخر ، فإن كان المكلف هو الفاعل فقد وجب حده رجما أما لو كان المفعول به مكلفا دون الفاعل فلا رجم عليه ( المفعول به ) بل يؤدب الصغير غير المكلف ويعزز الكبير البالغ{[2156]} .


[2154]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 455.
[2155]:الهداية للمرغيناني جـ 2 ص 102 والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 189، 334.
[2156]:أسهل المدارك جـ 3 ص 165 والكافي جـ 3 ص 198 والمهذب جـ 2 ص 269 والمدونة للإمام مالك جـ 4 ص 385 والأنوار للأردبيلي ومعه حاشية وحاشية الحاج إبراهيم جـ 2 ص 496.