تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
فلما سرح بنيامين معهم، خشي عليهم العين، وكان بنوه لهم جمال وحسن، {وقال يا بني لا تدخلوا} مصر {من باب واحد}، يعني من طريق واحد، {وادخلوا من أبواب متفرقة} من طرق شتى، ثم قال: {وما أغني عنكم} إذا جاء قضاء الله، {من الله من شيء إن الحكم إلا لله} يعني ما القضاء إلا لله، {عليه توكلت}، يقول: به أثق، {وعليه فليتوكل المتوكلون}، يعني به فليثق الواثقون.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لبنيه لما أرادوا الخروج من عنده إلى مصر ليمتاروا الطعام: يا بَنيّ لا تدخلوا مصر من طريق واحد، وادخلوا من أبواب متفرّقة وذُكر أنه قال ذلك لهم، لأنهم كانوا رجالاً لهم جمال وهيبة، فخاف عليهم العين إذا دخلوا جماعة من طريق واحد وهم ولد رجل واحد، فأمرهم أن يفترقوا في الدخول إليها... وقوله:"وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ شَيْءٍ" يقول: وما أقدر أن أدفع عنكم من قضاء الله الذي قد قضاه عليكم من شيء صغير ولا كبير، لأن قضاءه نافذ في خلقه. "إنِ الحُكْمُ إلاّ لِلّهِ "يقول: ما القضاء والحكم إلا لله دون ما سواه من الأشياء، فإنه يحكم في خلقه بما يشاء، فينفذ فيهم حكمه، ويقضي فيهم ولا يُردّ قضاؤه. "عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ" يقول: على الله توكلت، فَوَثقت به فيكم، وفي حفظكم عليّ حتى يردّكم إلىّ وأنتم سالمون معافون، لا على دخولكم مصر إذا دخلتموها من أبواب متفرّقة. "وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوكّلِ المُتَوكّلُونَ" يقول: وإلى الله فليفوّض أمورَهم المفوّضون.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
... (وَقَالَ يَا بَنِي لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ)... أمرهم بالتفرق في الأبواب بمحنة امتحن بذلك، وأمر به، أو لمعنى غاب عنا لا نحتاج إليه، والله أعلم...
(عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ) هذا أصل كل أمر يخاف المرء: أن يأخذ بالحذر، ويتوكل مع ذلك على الله على ما أمر يعقوب عليه السلام بالحذر في ذلك. ثم التوكل على الله. والحذر هو العادة في الخلق، والتوكل تفويض الأمر إلى الله، والاعتماد عليه، والله أعلم.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
وإنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد، لأنهم كانوا ذوي بهاء وشارة حسنة، اشتهرهم أهل مصر بالقربة عند الملك والتكرمة الخاصة التي لم تكن لغيرهم، فكانوا مظنة لطموح الأبصار إليهم من بين الوفود، وأن يشار إليهم بالأصابع، ويقال: هؤلاء أضياف الملك، انظروا إليهم ما أحسنهم من فتيان، وما أحقهم بالإكرام، لأمر مّا أكرمهم الملك وقرّبهم وفضلهم على الوافدين عليه، فخاف لذلك أن يدخلوا كوكبة واحدة، فيعانوا لجمالهم وجلالة أمرهم في الصدور، فيصيبهم ما يسوؤهم؛ ولذلك لم يوصهم بالتفرق في الكرّة الأولى، لأنهم كانوا مجهولين مغمورين بين الناس...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما سمح لهم بخروجه معهم، أتبع تعالى ذلك الخبر عن أمره لهم بالاحتياط من المصائب لأنهم أحد عشر رجلاً إخوة أهل جمال وبسطة، وكانوا قد شهروا عند المصريين بعض الشهرة، بسبب ما دار بينهم وبين يوسف عليه الصلاة والسلام من الكلام في المرة الأولى، فكانوا مظنة لأن ترمقهم الأبصار ويشار إليهم بالأصابع، فيصابوا بالعين، ولم يوصهم في المرة الأولى، لأنهم كانوا مجهولين، مع شغل الناس بما هم فيه من القحط، فقال حكاية عنه: {وقال} أي يعقوب عليه الصلاة والسلام لبنيه عندما أرادوا السفر: {يابني} محذراً لهم من شر الحسد والعين -{لا تدخلوا} إذا قدمتم إلى مصر {من باب واحد} من أبوابها... {وادخلوا من أبواب} واحترز من أن تكون متلاصقة أو متقاربة جداً، فقال: {متفرقة} أي تفرقاً كبيراً، وهذا حكم التكليف لئلا يصابوا بالعين... وهذا الاحتياط من باب الأخذ بالأسباب المأمور بها، لأنها من القدر، لا من باب التحرز من القدر... ولما خاف أن يسبق من أمره هذا إلى بعض الأوهام أن الحذر يغني من القدر، نفى ذلك مبيناً أنه لم يقصد غير تعاطي الأسباب على ما أمر الله وأن الأمر بعد ذلك إليه: إن شاء سبب عن الأسباب مسبباتها، وإن شاء أبطل تلك الأسباب وأقام أسباباً تضادها ويتأثر عنها المحذور، فقال: {وما أغني} أي أجزى وأسد وأنوب {عنكم من الله} أي بعض أمر الملك الأعظم، وعمم النفي فقال: {من شيء} أي إن أراد بكم، سوء كنتم مفترقين أو مجتمعين، وهذا حكم التقدير، ثم علل ذلك بقوله: {إن} أي ما {الحكم} وهو فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة {إلا الله} أي الذي له الأمر كله، لا يقدر أحد سواه على التفصي عن شيء من مراده والفرار من شيء من قدره...
ولما قصر الأمر كله عليه سبحانه، وجب رد كل أمر إليه، وقصر النظر عليه، فقال منبهاً على ذلك: {عليه} أي على الله وحده الذي ليس الحكم إلا له {توكلت} أي جعلته وكيلي فرضيت بكل ما يفعله {وعليه} أي وحده {فليتوكل المتوكلون} أي الثابتون في باب التوكل، فإن ذلك من أعظم الواجبات، من فعله فاز، ومن أغفله خاب.
السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني 977 هـ :
واعلم أنّ الإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم بأن يجزم بأنه لا يحصل إلا ما قدره الله تعالى وإن الحذر لا يدفع القدر، فالإنسان مأمور بأن يحذر الأشياء المهلكة والأغذية الضارة، ويسعى في تحصيل المنافع ودفع المضارّ بقدر الإمكان، ومع ذلك يكون جازماً بأنه لا يصل إليه إلا ما قدّره الله تعالى، ولا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله تعالى...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(إن الحكم إلا لله). وواضح من سياق القول أنه يعني هنا حكم الله القدري القهري الذي لا مفر منه ولا فكاك. وقضاءه الإلهي الذي يجري به قدره فلا يملك الناس فيه لأنفسهم شيئا. وهذا هو الإيمان بالقدر خيره وشره. وحكم الله القدري يمضي في الناس على غير إرادة منهم ولا اختيار.. وإلى جانبه حكم الله الذي ينفذه الناس عن رضى منهم واختيار. وهو الحكم الشرعي المتمثل في الأوامر والنواهي.. وهذا كذلك لا يكون إلا الله. شأنه شأن حكمه القدري، باختلاف واحد: هو أن الناس ينفذونه مختارين أو لا ينفذونه. فيترتب على هذا أو ذاك نتائجه وعواقبه في حياتهم في الدنيا وفي جزائهم في الآخرة. ولكن الناس لا يكونون مسلمين حتى يختاروا حكم الله هذا وينفذوه فعلا راضين..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{وقال يا بني} عطف على جملة {قال الله على ما نقول وكيل} [يوسف: 66]. وإعادة فعل {قال} للإشارة إلى اختلاف زمن القولين وإن كانا معاً مسبّبَيْن على إيتاء موثقهم، لأنه اطمأن لرعايتهم ابنَه وظهرت له المصلحة في سفرهم للإمتار، فقوله: {يا بني لا تدخلوا من باب واحد} صادر في وقت إزمَاعهم الرحيل. والمقصود من حكاية قوله هذا العبرة بقوله: {وما أغني عنكم من الله من شيء} الخ...
وإنما نهاهم أن يدخلوها من باب واحد خشية أن يسترعي عددهم أبصارَ أهل المدينة وحُراسها وأزياؤهم أزياء الغرباء عن أهل المدينة أن يُوجسوا منهم خيفة من تجسس أو سرقة فربما سجنوهم أو رصدوا الأعين إليهم، فيكون ذلك ضرّاً لهم وحائلاً دون سرعة وصولهم إلى يوسف عليه السلام ودون قضاء حاجتهم...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
وقوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام مخاطبا لأولاده {وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة} تنبيه من يعقوب لأبنائه إلى عدم الدخول إلى مصر من باب واحد، حتى لا يستلفتوا الأنظار، وحتى لا تصيبهم الأعين الشريرة بشررها...
وقوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام في نفس السياق {وما أغني عنكم من الله من شيء} [الآية: 67] إشارة إلى أن هذا التدبير الذي نصحهم به أبوهم إنما هو تدبير احتياطي مظنون النفع، وإلا فإن الأمر في الحقيقة بيد الله "ولا ينفع حذر من قدر"، ولذلك وقع التعقيب بعده بقوله تعالى: {ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها}. والمعنى أن ذلك الإجراء الذي نصحهم به يعقوب لا يدفع قضاء الله، وإنما هو قضاء لحاجة كانت في نفسه هي شفقته عليهم من أن يصيبهم في هذه المرة ما أصابهم في المرة الأولى، فيرجعوا إليه وقد فقدوا أخاهم بنيامين، كما رجعوا إليه من قبل وقد فقدوا أخاهم يوسف...
ولما سمح لهم بخروجه معهم ، أتبع تعالى ذلك الخبر عن أمره لهم بالاحتياط من المصائب لأنهم أحد عشر رجلاً إخوة أهل جمال وبسطة ، وكانوا قد شهروا{[42109]} عند المصريين بعض الشهرة ، بسبب ما دار بينهم وبين يوسف عليه الصلاة والسلام من الكلام في المرة الأولى ، فكانوا{[42110]} مظنة لأن ترمقهم{[42111]} الأبصار ويشار إليهم بالأصابع ، فيصابوا بالعين ، ولم يوصهم في المرة الأولى ، لأنهم كانوا مجهولين ، مع شغل الناس بما هم فيه من القحط ، فقال حكاية عنه : { وقال } أي يعقوب عليه الصلاة والسلام لبنيه عندما أرادوا السفر : { يابني } محذراً{[42112]} لهم من شر الحسد والعين - { لا تدخلوا } إذا قدمتم إلى مصر { من باب واحد } من أبوابها ؛ والواحد على الإطلاق : الذي لا ينقسم ، وأما المقيد بإجرائه على موصوف كباب واحد ، فهو ما لا ينقسم في معنى ذلك الموصوف { وادخلوا من أبواب } واحترز{[42113]} من أن تكون{[42114]} متلاصقة أو متقاربة جداً ، فقال : { متفرقة } أي تفرقاً كبيراً ، وهذا حكم التكليف لئلا يصابوا{[42115]} بالعين - كما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وقتادة والضحاك والسدي ، فإن العين حق ، وهي من قدر الله ، وقد ورد شرعنا بذلك ، ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " العين حق " وفي رواية عند أحمد وابن ماجه{[42116]} : " يحضرها الشيطان وحسد{[42117]} ابن آدم " ولمسلم{[42118]} والترمذي{[42119]} والنسائي{[42120]} عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " العين حق ، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته{[42121]} العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا " ولأبي نعيم{[42122]} في الحلية عن جابر رضي الله عنه أن النبي قال : " إن العين لتدخل الجمل القدر والرجل القبر " ولأبي داود عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وإنها لتدرك الفارس فتدعثره{[42123]} " ولأحمد والترمذي عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها أن النبي{[42124]} صلى الله عليه وسلم قال : " لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين " قال الإمام الرازي : ومنشأ إصابة العين توهم النفس الخبيثة هلاك من تصيبه . وقد تقدم معنى ذلك{[42125]} في رواية أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة مع انضمام حضور الشيطان ، وهذا الاحتياط من باب الأخذ بالأسباب المأمور بها ، لأنها من القدر ، لا من من باب التحرز من القدر ، كما روى{[42126]} مسلم{[42127]} وأحمد{[42128]} وابن ماجه{[42129]} عن أبي هريرة رضي الله عنه{[42130]} أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من الضعيف ، وفي كل خير احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، فإن " لو " تفتح عمل الشيطان{[42131]} "
معناه - والله أعلم : افعل فعل{[42132]} الأقوياء ، ولا تفعل فعل العجزة ، وذلك بأن تنعم{[42133]} النظر ، تمعن في التأمل{[42134]} وتتأنى ، حتى تعلم المصادر والموارد ، فلا{[42135]} تدع شيئاً يحتمل أن ينفعك في الأمر الذي أنت مقبل عليه ولا{[42136]} يضرك إلا فعلته ، ولا تدع أمراً يمكن أن يضرك إلا تركته واحترزت{[42137]} منه جهدك ، فإنك إذا فعلت ذلك وأتى أمر من عند الله بخلاف مرادك كنت جديراً بأن لا تقول في نفسك : لو أني فعلت كذا{[42138]} ، فإنك لم تترك شيئاً ، وأما إذا فعلت فعل العجزة ، وتركت الجزم{[42139]} فما أوشك أن تؤتى من قبل ترك الأسباب ، فما أقربك إلى أن تقول ما يفتح عمل الشيطان من{[42140]} " لو " .
ولما خاف أن يسبق من{[42141]} أمره هذا إلى{[42142]} بعض الأوهام أن الحذر يغني من{[42143]} القدر ، نفى ذلك مبيناً أنه لم يقصد غير تعاطي الأسباب على ما أمر الله وأن الأمر بعد ذلك إليه : إن شاء سبب عن الأسباب مسبباتها ، وإن شاء أبطل تلك الأسباب وأقام أسباباً تضادها ويتأثر عنها المحذور{[42144]} ، فقال : { وما أغني } أي أجزى وأسد{[42145]} وأنوب { عنكم من الله } أي بعض أمر الملك الأعظم ، وعمم{[42146]} النفي فقال : { من شيء } أي إن أراد بكم ، سوء{[42147]} كنتم مفترقين أو مجتمعين ، وهذا حكم التقدير ، ثم علل ذلك بقوله : { إن } أي ما { الحكم } وهو فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة { إلا الله } أي الذي له الأمر كله ، لا يقدر أحد سواه على التفصي عن شيء من مراده والفرار من شيء من قدره ، ولهذا المعنى - وهو أنه لا ينفع أصلاً سبب إلا بالله - أنزل الله التسمية مقرونة بهاء السبب أول كتابه ، وأمر بها أول كل شيء ؛ وروى أبو نعيم في الحلية{[42148]} في ترجمة إمامنا الشافعي بسنده إليه ثم إلى علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه خطب{[42149]} الناس يوماً فقال في خطبته : وأعجب ما في الإنسان قلبه ، ولو مواد من الحكمة وأضداد من خلافها ، فإن سنح له الرجاء أولهه{[42150]} الطمع . وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس{[42151]} قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ، وإن أسعد بالرضى نسي التحفظ وإن ناله الخوف شغله الحزن ، وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع ، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى ، وإن عضته{[42152]} فاقة شغله البلاء ، وإن أجهده الجوع{[42153]} قعد به{[42154]} الضعف{[42155]} ، {[42156]} وإن أفرط به الشبع كظته البطنة{[42157]} ، فكل تقصير به مضر{[42158]} . وكل إفراط له{[42159]} مفسد . قال : فقام{[42160]} إليه رجل ممن كان شهد معه الجمل ، فقال : يا أمير المؤمنين ؟ أخبرنا{[42161]} عن القدر ، فقال : بحر عميق فلا تلجه ، فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن القدر ، فقال بيت مظلم فلا تدخله ، فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن القدر ، فقال{[42162]} : سر الله فلا تتكلفه{[42163]} ، فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن القدر ، فقال : أما إذا أبيت فإنه أمر بين أمرين ، {[42164]} لا جبر ولا تفويض ، فقال{[42165]} : يا أمير المؤمنين !{[42166]} إن فلاناً يقول بالاستطاعة وهو حاضرك ، فقال : عليّ به ! فأقاموه ، فلما رآه سل من سيفه قدر أربع أصابع فقال : الاستطاعة تملكها مع الله أو من دون الله ؟ وإياك أن تقول أحدهما فترتد فأضرب{[42167]} عنقك ! فقال : فما أقول يا أمير المؤمنين ؟ قال{[42168]} : قل : أملكها بالله الذي إن شاء ملكنيها .
وسيأتي إن شاء الله تعالى{[42169]} في سورة الحج عند
{ إن الله يفعل ما يشاء{[42170]} }[ الحج : 18 ] ما يتصل بهذا .
ولما قصر{[42171]} الأمر كله{[42172]} عليه سبحانه ، وجب رد كل أمر إليه ، وقصر النظر عليه ، فقال منبهاً على ذلك : { عليه } أي على الله وحده الذي ليس الحكم إلا له { توكلت } أي جعلته وكيلي فرضيت بكل ما يفعله{[42173]} { وعليه } أي وحده { فليتوكل المتوكلون * } أي الثابتون في باب التوكل ، فإن ذلك من أعظم الواجبات ، من فعله فاز ، ومن أغفله خاب ،