تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه} يعني: في العذاب {مهانا} يعني: يهان فيه.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقوله:"ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانا": ويبقى فيه إلى ما لا نهاية في هوان.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} إن قيل: أخبر ههنا أنه يضاعف له العذاب، وقال في آية أخرى {من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها} [غافر: 40] فما معنى الضعف ههنا؟ قيل: يحتمل وجوها:
أحدهما: أنه يضاعف العذاب للذين تقدم ذكرهم: إذا كفروا بالله بعد ما بلغوا المبلغ الذي وصفهم والرتبة التي ذكر، وهو قوله: {وعباد الرحمن} [الفرقان: 63] أن واحدا منهم، إذا كفر {يضاعف له العذاب} يتضاعف عذابه على قدر منزلته ومرتبته عند الله وعلى قدر نعم الله عليه إذا كان منه عصيان وكفران لذلك؛ وهو كما قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} {إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} [الإسراء: 74 و75] أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، وما ذكر لأزواجه حين قال: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبنية يضاعف لها العذاب ضعفين} [الأحزاب: 30]. كل من كان أعظم قدرا وأكثر نعما عليه فعقوبته إذا عصى ربه أكثر وأشد من الذي لم يبلغ ذلك ولا تلك الرتبة، فتكون ضعف غيره وجزاء مثله.
والثاني: أن يكون ذلك للأئمة؛ أعني الكفرة والرؤساء دون الأتباع لأنهم عملوا هم بأنفسهم، ودعوا غيرهم إلى ذلك كقوله: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} [العنكبوت: 13].
والثالث: أن يكون ذلك للعناد الذي كان منهم والمكابرة.
جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :
الآية نص في مضاعفة عذاب من جمع بين الكفر والقتل والزنا، لا كمن جمع بين الكفر والأكل والشرب. (المستصفى: 1/92)
سبب تضعيف العذاب أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعا، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
أي: يكرر عليه ويغلظ، {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} أي: حقيرا ذليلا.
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير لابن باديس 1359 هـ :
المعنى: ومن يأت هذه الأفعال؛ فدعا مع الله إلها آخر، أو قتل النفس التي حرم الله بغير حق، أو زنا، فإنه يلقى وينال جزاء معصيته في دنياه، وجزائها في أخراه ويكون عذابه عليها في الآخرة مضاعفا مزيدا عليه أنواع أخرى، ويستمر فيه باقيا ذليلا محقرا.
سر المضاعفة: توجيه: إنما ضوعف لأهل هذه الكبائر العذاب؛ لأن كل كبيرة منها مضاعفة المفاسد والشرور. ففي دعاء غير الله الجهل بالله، والكفر بنعمة الله، والإبطال لحق الله. وفي قتل النفس تأييم، و تيتيم وتأليم لغير من قتل وفتح لباب شر بين أولياء القاتل والمقتول، وتعد على جميع النوع، وتهوين لهذا الجرم الكبير. وفي الزنا جناية على النسل المقطوع، وعلى من أدخل عليهم من الزنا من ليس منهم، وعلى أصحاب الإرث في خروج حقهم لغيرهم، وغير ما ذكرنا في جميعها كثير، فكانت المضاعفة من باب جعل الجزاء من جنس العمل، وهو من مقتضى الحكمة والعدل.
تذكر: يذكرنا القرآن بمضاعفة العذاب على كبائر الآثام، لنذكر عندما تحدثنا أنفسنا بالمعصية سوء عاقبتها، وتعدد شرورها، وتشعب مفاسدها، ومضاعفة العذاب بحسب ذلك عليها، لنزدجر وننكف، فنسلم من الشر المتراكم، والعذاب المضاعف، ونفوز بأجر التذكر و ثمرة التذكير. جعلنا الله والمسلمين ممن انتفع بالذكرى، وسلم من فتن الدنيا والأخرى، بمنه وكرمه آمين.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
فأما مضاعفة العذاب فهي أن يعذّب على كل جُرم مما ذكر عذاباً مناسباً ولا يكتفَى بالعذاب الأكبر عن أكبر الجرائم وهو الشرك، تنبيهاً على أن الشرك لا ينجي صاحبه من تبعة ما يقترفه من الجرائم والمفاسد، وذلك لأن دعوة الإسلام للناس جاءت بالإقلاع عن الشرك وعن المفاسد كلها. وهذا معنى قول من قال من العلماء بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة يَعنون خطاب المؤاخذة على ما نُهوا عن ارتكابه، وليس المراد أنهم يُطلب منهم العمل إذ لا تقبل منهم الصالحات بدون الإيمان، ولذلك رام بعض أهل الأصول تخصيص الخلاف بخطاب التكليف لا الاتلاف والجنايات وخطاب الوضع كله. وأما الخلود في العذاب فقد اقتضاه الإشراك. وقوله: {مهاناً} حال قصد منها تشنيع حالهم في الآخرة، أي يعذّب ويُهان إهانة زائدة على إهانة التعذيب بأن يشتم ويحقر.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وإن هذا الأثام شديد، حتى إنه ليحسب أنه مضاعف الإثم ليس مثله، ولذا قال تعالى في بيان هذا الأثام وتوضحيه: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}.
إن الله تعالى عدل، يجازي السيئة بمثلها، ورحيم يجازي الحسنة بعشرة أمثالها، فكيف يجعل العقاب ضعف الذنب...
والذي يبدو لي... أن العذاب شديد عنيف حتى إنه ليبدو لدى المعاقب، كأنه مضاعف للذنب، وإن المذنب دائما يحس بالجزاء كأنه أكثر من الذنب، فالله تعالى يصور له العقاب كأنه مضاعف، ولأنه يتجدد آنا بعد آن، كلما نضجت جلودهم بدلهم الله تعالى جلودا غيرها، فهو عذاب بعد عذاب، وبهذا التكرار الدائم يكون كأنه مضاعف.
وإنه عذاب دائم مستمر، ولذا قال تعالى: {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا}، أي أنه مستمر مع مهانته الشديدة الواضحة الدائمة المستمرة، وكذلك يستبدل الله بغطرستهم الجاهلية، واعتزازهم الظالم العاتي مهانة دائمة مستمرة...
ولما ذكر ما تحلوا به من أصول الطاعات ، بما لهم من العدل والإحسان بالأفعال والأقوال ، في الأبدان والأموال ، أتبعه ما تخلوا عنه من أمهات المعاصي التي هي الفحشاء والمنكر ، فقال : { والذين لا يدعون } رحمة لأنفسهم واستعمالاً للعدل { مع الله } أي الذي اختص بصفات الكمال { إلهاً } وكلمة " مع " وإن أفهمت أنه غير ، لكن لما كانوا يتعنتون حتى أنهم يتعرضون بتعديد الأسماء كما مر في آخر سبحان والحجر ، قال تعالى قطعاً لتعنتهم : { آخر } أي دعاء جلياً بالعبادة له ، ولا خفياً بالرياء ، فيكونوا كمن أرسلت عليهم الشياطين فأزتهم أزاً .
ولما نفى عنهم ما يوجب قتل أنفسهم بخسارتهم إياها ، أتبعه قتل غيرهم فقال : { ولا يقتلون } أي بما تدعو إليه الحدة { النفس } أي رحمة للخلق وطاعة للخالق . ولما كان من الأنفس ما لا حرمة له ، بين المراد بقوله : { التي حرم الله } أي قتلها ، أي منع منعاً عظيماً الملك الأعلى - الذي لا كفوء له - من قتلها { إلا بالحق } أي بأن تعمل ما يبيح قتلها .
ولما ذكر القتل الجلي ، أتبعه الخفي بتضييع نسب الولد ، فقال : { ولا يزنون } أي رحمة لما قد يحدث من ولد ، إبقاء على نسبه ، ورحمة للمزني بها ولأقاربها أن تنهتك حرماتهم ، مع رحمته لنفسه ، على أن الزنا جارّ أيضاً إلى القتل والفتن ، وفيه التسبب لإيجاد نفس بالباطل كما أن القتل تسبب إلى إعدامها بذلك ، وقد روي في الصحيح
" عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الذنب أعظم - وفي رواية : أكبر - عند الله ؟ قال : أن تدعو لله نداً وهو خلقك ، قال : ثم أيّ ؟ قال : أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك ، قال : ثم أيّ ؟ قال : أن تزني بحليلة جارك ، فأنزل الله تصديق ذلك { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر } [ الفرقان : 68 ] الآية " وقد استشكل تصديق الآية للخبر من حيث أن الذي فيه قتل خاص وزنا خاص ، والتقييد بكونه أكبر ، والذي فيها مطلق القتل والزنا من غير تعرض لعظم ، ولا إشكال لأنها نطقت بتعظيم ذلك من سبعة أوجه : الأول : الاعتراض بين المبتدأ الذي هو " وعباد " وما عطف عليه ، والخبر الذي هو{ أولئك يجزون } [ الفرقان : 75 ] على أحد الرأيين بذكر جزاء هذه الأشياء الثلاثة خاصة ، وذلك دال على مزيد الاهتمام الدال على الإعظام . الثاني : الإشارة بأداة البعد - في قوله : { ومن يفعل ذلك } أي الفعل العظيم القبح - مع قرب المذكورات ، فدل على أن البعد في رتبها . الثالث : التعبير باللقى مع المصدر المزيد الدال على زيادة المعنى في قوله : { يلق أثاماً* } دون يأثم أو يلق إثماً أو جزاء إثمه .
الرابع : التقييد بالمضاعفة في قوله مستأنفاً : { يضاعف } أي بأسهل أمر { له العذاب } جزاء ما أتبع نفسه هواها بما فيه من الحرارة الشيطانية - هذا في قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم بالرفع وهو بدل " يلق " في قراءة الجماعة ، لأنهما تؤولان إلى معنى واحد ، ومضاعفة العذاب - والله أعلم - إتيان بعضه في أثر بعض بلا انقطاع كما كان يضاعف سيئته كذلك ، وقراءة ابن كثير وأبي جعفر وابن عامر ويعقوب بالتشديد تفيد مطلق التعظيم للتضعيف ، وقراءة الباقين بالمفاعلة تقتضيه بالنسبة إلى من يباري آخر فيه فهو أبلغ . الخامس : التهويل بقوله : { يوم القيامة } الذي هو أهول من غيره بما لا يقايس . السادس : الإخبار بالخلود الذي هو أول درجاته أن يكون مكثاً طويلاً ، فقال عاطفاً في القراءتين على يضاعف : { ويخلد فيه } . السابع : التصريح بقوله : { مهاناً* } ولعله للاحتراز عما يجوز من أن بعض عصاة هذه الأمة - الذين يريد الله تعذيبهم - يعلمون أنهم ينجون ويدخلون الجنة ، فتكون إقامتهم - مع العلم بالمآل - ليست على وجه الإهانة ، فلما عظم الأمر من هذه الأوجه ، علم أن كلاًّ من هذه الذنوب كبير ، وإذا كان الأعم كبيراً ، كان الأخص المذكور أعظم من مطلق الأعم ، لأنه زاد عليه بما صار به خاصاً ، فثبت بهذا أنها كبائر ، وأن قتل الولد والزنا بحليلة الجار أكبر لما ذكر ، فوضح وجه تصديق الآية للخبر ، ولا يقال : إن الإشارة ترجع إلى المجموع ، فالتهويل خاص بمن ارتكب مجموع هذه الذنوب لأنا نقول : السياق يأباه ، لأن تكرار " لا " أفاد - كما حققه الرضي - ورود النفي على وقوع الخصال الثلاث حال الاجتماع والانفراد ، فالمعنى : لا يوقعون شيئاً منها ، فكان معنى { ومن يفعل ذلك } : ومن يفعل شيئاً من ذلك - ليرد الإثبات على ما ورد عليه النفي ، فيحصل التناسب ، وأما عدم منافاة الآية للترتيب فمن وجهين : الأول أن الأصل في التقديم الاهتمام بما سبقت له الآية ، وهو التنفير المفيد للتغليظ ، فيكون كل واحد منها أعلى مما بعده .
الثاني أن الواو لا تنافيه ، وقد وقعت الأفعال مرتبة في الذكر كما رتبت في الحديث ب " ثم " فيكون مراداً بها الترتيب - والله الهادي .