فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ} (80)

{ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } أخبر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن صدور الاستغفار منه للمنافقين وعدمه سواء ، فهذا كلام خرج مخرج الأمر ومعناه الخبر ، وذلك لأنهم ليسوا بأهل الاستغفار منه صلى الله عليه وآله وسلم ولا للمغفرة من الله سبحانه فهو كقوله تعالى { قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم } وفيه بيان لعدم المغفرة من الله سبحانه للمنافقين وإن أكثر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الاستغفار لهم . وليس المراد من هذا أنه لو زاد على السبعين لكان ذلك مقبولا كما في سائر مفاهيم الأعداد ، بل المراد بهذا المبالغة في عدم القبول فقد كانت العرب تجري ذلك مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير ، والمعنى أنه لن يغفر الله لهم وإن استغفرت لهم استغفارا بالغا في الكثرة غاية المبالغ .

وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن التقييد بهذا العدد المخصوص يفيد قبول الزيادة عليه ، ويدل لذلك ما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عروة أن عبد الله ابن أبي قال : لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله ، وهو القائل { ليخرجن الأعز منها الأذل } فأنزل الله { استغفر لهم أولا تستغفر لهم } فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لأزيدن على السبعين ، فأنزل الله { سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم } وعن مجاهد وابن عباس نحوه .

قال الضحاك : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله قد رخص لي فسأزيد على السبعين ، لعل الله أن يغفر لهم فأنزل الله { سواء عليهم } الآية ، يعني فبين له حسم المغفرة .

ومعلوم أنه لم يخف عليه ذلك وإنما أراد بما قال إظهار كمال رحمته ورأفته بمن بعث إليهم ، وفيه لطف بأمته وحث على المراحم وشفقة بعضهم على بعض ، وهذا دأب الأنبياء كما قال إبراهيم { ومن عصاني فإنك غفور رحيم } .

وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجها وليس بشيء فقال أن السبعة عدد شريف لأنها عدد السماوات والأرضين والبحار والأقاليم والنجوم السيارة والأعضاء وأيام الأسبوع ، فصير كل واحد من السبعة إلى عشرة لأن الحسنة بعشرة أمثالها .

وقيل خصت السبعون بالذكر لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كبر على عمه حمزة سبعين تكبيرة فكأنه قال إن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء تكبيراتك على حمزة وهذا كالذي قبله .

ثم علل عدم المغفرة لهم بقوله : { ذلك } الامتناع ليس لعدم الاعتداد باستغفارك بل { بأنهم كفروا بالله ورسوله } ولفظ الكرخي ذلك اليأس من الغفران لهم بسبب أنهم كفروا لا ببخل منا أو قصور فيك ، بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنه . اه .

{ والله لا يهدي القوم الفاسقين } أي المتمردين الخارجين عن الطاعة المتجاوزين لحدودها ، والمراد هنا الهداية الموصلة إلى المطلوب لا الهداية التي بمعنى الدلالة وإراءة الطريق .