تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{مسومة}، يعني معلمة، {عند ربك}، يعني جاءت من عند الله عز وجل، ثم قال: {وما هي من الظالمين ببعيد}؛ لأنها قريب من الظالمين، يعني من مشركي مكة، فإنها تكون قريبا، يخوفهم منها...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وأما قوله:"مُسَوّمَةً عِنْدَ رَبّكَ" فإنه يقول: معلمة عند الله، أعلمها الله، والمسوّمة من نعت الحجارة، ولذلك نصبت ونعت بها...
وأما قوله: "وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ "فإنه يقول تعالى ذكره متهدّدا مشركي قريش: وما هذه الحجارة التي أمطرتها على قوم لوط من مشركي قومك يا محمد ببعيد أن يمطَروها إن لم يتوبوا من شِركهم...
عن مجاهد: "وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ" قال: يرهب بها من يشاء...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
وقوله تعالى: (مسومة)...قال بعضهم: مسومة أي مكتوبا عليه اسم صاحبها...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
ذكر سبحانه ما نالهم من العقوبة على عصيانهم، ثم أخبر أنَّ تلك العقوبةَ لاحقةٌ بمن سَلَكَ سبيلَهم تحذيراَ لمن لم يعتبر بهم إذا عرف طريقَهم...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
...ويحتمل أن تكون {مسومة} ها هنا بمعنى: مرسلة، وسومها من الهبوط.
وقوله {وما هي} إشارة إلى الحجارة. و {الظالمين} قيل: يعني قريشاً. وقيل: يريد عموم كل من اتصف بالظلم، وهذا هو الأصح...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{مسومة} أي معلمة بعلامات تدل على أنها معدة للعذاب.. ثم فخمها بقوله: {عند ربك} وعبر بالرب إشارة إلى كثرة إحسانه إليه وأنه إنما أمره صلى الله عليه وسلم بالإنذار رحمة لأمته التي جعلها خير الأمم وسيجعلها أكثر الأمم، ولا يهلكها كما أهلكهم؛ ومادة سجل -بأي ترتيب كان- تدور على العلو... ولما كان المعنى أنها من مكان هو في غاية العلو ليعظم وقعها، حسن كل الحسن اتباع ذلك قوله: {وما هي} على شدة بعد مكانها {من الظالمين} أي من أحد من العريقين في الظلم في ذلك الزمان ولا هذا ولا زمن من الأزمان {ببعيد} لئلا يتوهم الاحتياج في وصولها إلى المرمى بها إلى زمن طويل...
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :
وقد ذكر المفسرون روايات وقصصاً في كيفية هلاك قوم لوط طويلة متخالفة، وليس في ذكرها فائدة لا سيما وبين من قال بشيء من ذلك، وبين هلاك قوم لوط دهر طويل لا يتيسر له في مثله إسناد صحيح، وغالب ذلك مأخوذ عن أهل الكتاب، وحالهم في الرواية معروف. وقد أمرنا بأنا لا نصدّقهم ولا نكذبهم، فاعرف هذا، فهو الوجه في حذفنا لكثير من هذه الروايات الكائنة في قصص الأنبياء وقومهم...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{مسومة عند ربك} لها سومة، أي علامة خاصة في علم ربك أيها الرسول، أي أمطرناها خاصة بها لا تصيب غير أهلها، أو هي من قولهم: سومت فلانا في مالي أو في الأمر إذا حكمته فيه، وخليته وما يريد لا تثنى له يد في تصرفه، وقد ظهر لي هذا المعنى الآن من مراجعة المجاز الأساس، والمعنى أنه سخرها عليهم وحكمها في إهلاكهم لا يمنعها منه شيء، كما قال في الملائكة التي أمد الله المؤمنين في غزوة بدر: [مسومين].. {وما هي من الظالمين ببعيد} أي وما هذه العقوبة أو القرى أو الأرض التي حل بها العذاب المخزي بمكان بعيد المسافة من مشركي مكة الظالمين لأنفسهم بتكذيبك والتماري بنذرك أيها الرسول، بل هي قريبة منهم واقعة على طريقهم في رحلة الصيف إلى الشام كما قال: {فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم} [الحجر: 73، 76] أي في طريق ثابت معروف بين المدينة والشام، وقال في سورة الصافات بعد ذكر هلاكهم: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون} [الصافات: 137، 138] قال الجلال:"وإنكم لتمرون عليهم" على آثارهم ومنازلهم في أسفاركم. "مصبحين "أي وقت الصباح، يعني بالنهار، "وبالليل أفلا تعقلون" ما حل بهم فتعتبروا به اه. والتعبير بصفة الظالمين وكون العقوبة آية مرادة لا مصادفة، يجعل العبارة عبرة لكل الأقوام الظالمة في كل زمان، وإن كان العذاب يختلف باختلاف الأحوال من أنواع الظلم وكثرته وعمومه وما دونهما...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
هذه الحجارة.. (مسومة عند ربك).. كما تسوم الماشية أي تربى وتطلق بكثرة. فكأنما هذه الحجارة مرباة! ومطلقة لتنمو وتتكاثر! لوقت الحاجة.. وهو تصوير عجيب يلقي ظله في الحس، ولا يفصح عنه التفسير، كما يفصح عنه هذا الظل الذي يلقيه.. (وما هي من الظالمين ببعيد).. فهي قريبة وتحت الطلب، وعند الحاجة تطلق فتصيب! والصورة التي يرسمها السياق هنا لهذه النازلة التي أصابت قوم لوط هي أشبه شيء ببعض الظواهر البركانية التي تخسف فيها الأرض فتبتلع ما فوقها ويصاحب هذا حمم وحجارة ووحل وعند ربك للظالمين كثير!!! ولا نقول هذا الكلام لنقول: إنه كان بركان من تلك البراكين، ثار في ذلك الوقت، فوقع ما وقع. إننا لا ننفي هذا. فقد يكون هو الذي وقع فعلا. ولكننا لا نجزم به كذلك ولا نقيد قدر الله بظاهرة واحدة مألوفة.. وقوام القول في هذه القضية وأمثالها أنه جائز أن يكون في تقدير الله وقوع انفجار بركاني في موعده في هذا الموعد ليحقق قدر الله في قوم لوط كما قدر في علمه القديم. وهذا التوقيت والتوافق شأن من شؤون ألوهيته سبحانه وربوبيته للكون وتصريفه لكل ما يجري فيه متناسقا مع قدره بكل شيء وبكل حي فيه. وجائز كذلك أن تكون هذه الظاهرة وقعت بقدر خاص تعلقت به مشيئة الله سبحانه لإهلاك قوم لوط على هذه الصورة التي تم بها في ذلك الحين. وفهم علاقة مشيئة الله بالكون على النحو الذي بيناه قريبا في التعليق على حادثة امرأة إبراهيم، لا يبقى مجالا لمشكلة تقوم في التصوير الإنساني لمثل هذه الظواهر والأمور...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والمسوّمَة: التي لها سِيما، وهي العلامة. والعلامات توضع لأغراض، منها عدم الاشتباه، ومنها سهولة الإحضار، وهو هنا مكنّى به عن المُعدّة المهيّئة لأن الإعداد من لوازم التوسيم بقرينة قوله: {عند ربك} لأن تسويمها عند الله هو تقديره إياها لهم...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
لَمِ قلب الله عاليها سافلها؟ قلنا: إِنّ العذاب ينبغي أن يتناسب مع الإِثم، وحيث أنّ هؤلاء القوم قلبوا كل شيء عن طريق الانحراف الجنسي فإنّ الله جعل مدنهم عاليها سافلها أيضاً، وحيث كانوا دائماً يتقاذفون بالكلمات البذيئة فيما بينهم، فإنّ الله أمطرهم بحجارة لتتهاوى على رؤوسهم أيضاً.
{ مسومة عند ربك } معناه : معلمة بعلامة ، روي : أنه كان فيها بياض وحمرة ، وقيل : كان في كل حجر اسم صاحبه .
{ وما هي من الظالمين ببعيد } الضمير للحجارة والمراد بالظالمين كفار قريش ، فهذا تهديد لهم أي : ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم ، وقيل : الضمير للمدائن ، فالمعنى : ليست ببعيدة منهم أفلا يعتبرون بها كقوله :
{ ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء } [ الفرقان : 40 ] وقيل : إن الظالمين على العموم .
{ مسومة } أي معلمة بعلامات تدل على أنها معدة للعذاب من السيما والسومة{[39860]} وهي العلامة تجعل للإبل السائمة لتتميز إذا اختلطت في المرعى ، وفي الذاريات { حجارة من طين }{[39861]}[ الذاريات : 33 ] وذلك أن الحجارة أصلها تراب يجعل{[39862]} الله فيه بواسطة الماء {[39863]}قابلية للاستحجار{[39864]} كما جعل فيه قابلية التحول إلى المعدن من الذهب والفضة والحديد وغيرها ، فباعتبار أصله{[39865]} هو طين ، وباعتبار أوله حجر وكبريت ونار ، ولعل حجر الكبريت أثقل الحجارة مع ما فيه من قوة النار وقبح الريح ؛ ثم فخمها بقوله : { عند ربك } وعبر بالرب إشارة إلى كثرة إحسانه وإليه وأنه إنما أمره صلى الله عليه وسلم بالإنذار رحمة لأمته التي جعلها خير الأمم وسيجعلها أكثر الأمم ، ولا يهلكها كما أهلكهم ؛ ومادة سجل - بأي ترتيب كان - تدور على العلو ، من الجلس لما ارتفع عن{[39866]} الغور وهو النجد ، ويلزم منه الغلظ والعلو ، ومن الغلظ الجلس للغليظ من الأرض والجمل الوثيق ، ويلزم العلو التصويب ومنه جلس - إذا قعد ؛ والسجل للدلو العظيمة ، ويكون غالباً في مقابلتها أخرى ، كلما نزلت واحدة طلعت الأخرى ، فتاتي المساجلة {[39867]}بمعنى المباراة والمفاخرة{[39868]} ، والسجل : الضرع العظيم{[39869]} ، والسجل - بالكسر وشد{[39870]} اللام : الكتاب لأنه يذكر فيه ما يكون به المفاخرة والمغالبة ؛ وسلج الطعام : بلعه ، والسلجان : نبات رخو ، كأنه سمي بذلك لأن أغصانه تأخذ{[39871]} إلى أسفل لرخاوتها ، وقد دل على هذا المعنى في هذه الآية بثلاثة أشياء : الإمطار ، ولفظ " على " ، وسجيل .
ولما كان المعنى أنها من مكان هو في غاية العلو ليعظم{[39872]} وقعها ، حسن كل الحسن اتباع ذلك قوله : { وما هي } على شدة بعد مكانها { من الظالمين{[39873]} } أي من أحد من العريقين في الظلم في ذلك الزمان ولا هذا ولا زمن من الأزمان { ببعيد } لئلا يتوهم الاحتياج في وصولها إلى المرمى بها إلى زمن طويل .
ذكر هذه القصة من التوراة : قال في السفر الأول بعد ما مضى في قصة بشرى إبراهيم عليه السلام : فأتى الملكان إلى سدوم عشاء ، وكان لوط جالساً على باب سدوم ، فنظر إليهما لوط فتلقاهما ، ثم خرّ على وجهه ساجداً على الأرض وقال : إني طالب إليكما يا سيدي ، اعدلا إلى منزل عبدكما فبيتا فيه واغسلا أقدامكما وبكرا فانطلقا في طريقكما ، فقالا : كلا ! ولكنا نبيت في السوق ، فألح عليهما لوط إلحاحاً شديداً فانصرفا معه ودخلا منزله فأعد لهما طعاماً ، ومن قبل وقت الهجوع إذا أهل القرية أهل سدوم قد أحاطوا بالباب من الشبان إلى المشايخ جميع الشعب بأسره ، فدعوا بلوط وقالوا له : أين الرجلان اللذان أتياك ممسيين{[39874]} أخرجهما إلينا فنعرفهما - وفي نسخة : حتى نواقعهما - فخرج لوط إليهم وأغلق الباب خلفه ، فقال لهم لوط : لا تسيئوا بي يا إخوة ! هذا لي بنتان لم يمسهما رجل ، أخرجهما إليكم فاصنعوا بهما ما حسن في أعينكم ، ولا ترتكبوا من هذين الرجلين شيئاً لأنهما ولجا ظلال بيتي ، فقالوا له : تنح عنا ، إن واحداً أتى ليسكن بيتنا فصار يحكم فينا{[39875]} ، فالآن نسيء إليك أكثر منهما ، فجاهد لوط القوم جداً فدنوا ليكسروا الباب فمد الرجلان أيديهما فأدخلا لوطاً إليهما إلى منزله ، ثم إن القوم الذين كانوا بالباب ضربوا بالعشى من كبيرهم حتى صغيرهم فأعيوا في طلب الباب ، فقال الملكان للوط : ماتصنع هاهنا ؟ اعمد إلى أختانك وبنيك وبناتك وجميع ما لك في هذه القرية فأخرجهم من هذه البلدة {[39876]}لأنا نريد الخسف بالبلدة{[39877]} لأن فعالهم وخبث صنيعهم قد بلغ الرب ، فأرسلنا الرب لنفسدها ، فخرج لوط وكلم أختانه وأزواج بناته وقال لهم : قوموا فاخرجوا من هذه القرية فإن الرب مزمع لخرابها ، وكان عند أختانه كالمستهزىء بهم ، فلما كان عند طلوع الصبح{[39878]} ألح الملكان على لوط وقالا له : قم فأخرج امرأتك وابنتيك اللتين معك لكيلا{[39879]} تبتلى بخطايا أهل هذه{[39880]} القرية ، فابطأ لوط فأخذ الملكان بيده وبيد امرأته وابنتيه{[39881]} لأن الله رحمه فأخرجاه وصيراه خارجاً عن القرية ، فلما أخرجاهم خارجاً قالا له : انج بنفسك ولا تلتفتن إلى خلفك ولا تقف{[39882]} في شيء من جميع القاع ، والتجىء إلى الجبل وخلص نفسك ، فقال لهما لوط : أطلب إليكما يا سيدي أن أظفر الآن لأن{[39883]} عبدكما {[39884]}برحمة ورأفة{[39885]} وكثرت{[39886]} نعماكما إليّ لتحيي{[39887]} نفسي ، لست أقدر أن أنجو إلى الجبل ، لعل الشر يرهقني فأموت ، وهذه القرية هي قريبة للهرب إليها وهي صغيرة ، أتأذنان لي بالهرب إليها لأنها حقيرة ، فلتحييا نفسي ، فقال له : قد شفعتك في هذا{[39888]} أيضاً فلا أقلب هذه القرية التي سألت ، أسرع فانج نفسك إلى هناك ، لأنا لسنا نقدر أن نعمل شيئاً حتى تدخلها ، ولذلك سميت تلك القرية صاغار - وفي نسخة : زغر - فشرقت الشمس على الأرض وقد دخل لوط صاغار ، وفي نسخة : زغر - فأهبط الرب على سدوم وعامورا ناراً وكبريتاً من بين يدي الرب {[39889]}من السماء{[39890]} فقلب{[39891]} هذه القرى والقاع{[39892]} بأسره ، وأهلك جميع سكانها وجميع من فيها وجميع نبت الأرض ، فالتفتت امرأته إلى خلفها لتنظر فصارت{[39893]} نصبة ملح ، فأدلج إبراهيم باكراً إلى الموضع الذي كان يقف فيه بين يدي{[39894]} الرب ؛ فمد بصره نحو سدوم وعامورا وإلى جميع أرض القاع فنظر فإذا دخان القرية يرتفع كدخان الأخدود ، فلما خسف الله قرى القاع ذكر الله إبراهيم فأرسل لوطاً من المأفوكة إذ قلب الله القرى التي كان{[39895]} ينزلها لوط فطلع لوط{[39896]} من صاغار - وفي نسخة : زغر - فسكن الجبل هو {[39897]}وابنتاه معه لأنه{[39898]} تخوف أن يسكن صاغار ، فجلس في مغارة{[39899]} .