الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (26)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{يريد الله ليبين لكم}: أن يبين لكم، {ويهديكم سنن الذين من قبلكم}: شرائع هدى من كان قبلكم من المؤمنين من تحريم النسب والصهر، {ويتوب عليكم}: ويتجاوز عنكم من نكاحكم، يعني تزويجكم إياهن من قبل التحريم، {والله عليم حكيم}...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ} حلاله وحرامه. {وَيهْدِيَكُمْ سُنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}: وليسددكم سنن الذين من قبلكم، يعني: سبل من قبلكم من أهل الإيمان بالله وأنبيائه ومناهجهم، فيما حرم عليكم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات، وسائر ما حرم عليكم في الآيتين اللتين بيّن فيهما ما حرم من النساء. {ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ}: يريد الله أن يرجع بكم إلى طاعته في ذلك مما كنتم عيه من معصيته في فعلكم ذلك قبل الإسلام، وقبل أن يوحي ما أوحى إلى نبيه من ذلك عليكم، ليتجاوز لكم بتوبتكم عما سلف منكم من قبيح ذلك قبل إنابتكم وتوبتكم. {وَاللّهُ عَلِيمٌ}: والله ذو علم بما يصلح عباده في أديانهم ودنياهم، وغير ذلك من أمورهم، وبما يأتون ويذرون ما أحلّ أو حرّم عليهم حافظ ذلك كله عليهم، حكيم بتدبيره فيهم في تصريفهم فيما صرفهم فيه.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{يريد الله ليبين لكم} يحتمل قوله: {يريد الله} أن يبين لكم ما تؤتون وما تتقون، وما لكم وما عليكم، ويبين ما به صلاحكم ومعاشكم في أمر دينكم... {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} يحتمل وجوها: أي يبين لكم سبيل الذين من قبلكم، أي سبيل الأنبياء والرسل عليهم السلام وهم أهل الهدى والطاعة منهم، ليعملوا ما عملوا هم وينتهوا عما انتهوا... ويحتمل: قوله: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: أمر الرسالة والنبوة؛ ليهديكم مُحَمَّد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- وهو رسول؛ إذ أمر الرسالة والنبوة ليس ببديع، قد كان في الأمم السالفة رسل وأنبياء -عليهم السلام- فأمر رسالة مُحَمَّد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- ونبوته ليس ببديع ولا حادث؛ كقوله -تعالى -: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) (الأحقاف 9) ويحتمل قوله تعالى: {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} أي يبين لكم أن كيف كانت سنته في الذين خلوا من قبل في إهلاك من عاند الله ورسوله واستئصال من استأصلهم بتكذيب الرسل والأنبياء عليهم السلام والخلاف لهم كقوله تعالى: {سنة الله في الذين خلوا من قبل} (الأحزاب 38) وقوله تعالى: {فقد مضت سنت الأولين} (الأنفال 38) وقيل: {سنن الذين من قبلكم} شرائع {الذين من قبلكم} من المحرمات والمحللات من أهل التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب...

وقوله تعالى: {ويتوب عليكم} يريد أن يتوب عليكم...

وقوله تعالى: {والله عليم} بما يؤتى ويتقي {عليم} بما به معاشكم وصلاحكم وما به فسادكم وفساد معاشكم ونحوه: {حكيم} وضع كل شيء موضعه، والله أعلم...

أحكام القرآن للجصاص 370 هـ :

قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} يعني والله أعلم: يريد ليبين لنا ما بنا الحاجة إلى معرفته. والبيان من الله تعالى على وجهين: أحدهما بالنصّ والآخر بالدلالة، ولا تخلو حادثة صغيرة ولا كبيرة إلا ولله فيها حكم إما بنصّ وإما بدليل، وهو نظير قوله: {ثم إن علينا بيانه} [القيامة: 19]، وقوله: {هذا بيان للناس} [آل عمران: 138]، وقوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38]. وقوله: {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} من الناس من يقول:"إن هذا يدل على أن ما حرّمه علينا وبيّن لنا تحريمه من النساء في الآيتين اللتين قبل هذه الآية كان محرَّماً على الذين كانوا من قبلنا من أمم الأنبياء المتقدمين". وقال آخرون: "لا دلالة فيه على اتفاق الشرائع، وإنما معناه أنه يهديكم سُنن الذين من قبلكم في بيان ما لكم فيه من المصلحة كما بيّنه لهم، وإن كانت العبادات والشرائع مختلفة في أنفسها، إلا أنها وإن كانت مختلفة في أنفسها فهي متفقة في باب المصالح". وقال آخرون: "يبيّن لكم سُنَنَ الذين من قبلكم من أهل الحق وغيرهم لتجتنبوا الباطل وتحبّوا الحق"...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}: طريقة الأنبياء والأولياء وهو التفويض والرضاء، والاستسلام للحكم والقضاء. وقيل: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ}: يتقَبَّلُ توبتكم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ} أصله يريد الله أن يبين لكم فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبين كما زيدت في: لا أبالك، لتأكيد إضافة الأب. والمعنى: يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم، وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم. {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} ويرشدكم إلى طاعات إن قمتم بها كانت كفارات لسيآتكم فيتوب عليكم ويكفر لكم...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{ويهديكم}: يرشدكم، لا يتوجه غير ذلك، بقرينة السنن، وال {سنن}: الطرق ووجوه الأمور وأنحاؤها.

ويظهر من قوة هذا الكلام أن شرعتنا في المشروعات كشرعة من قبلنا، وليس ذلك كذلك، وإنما هذه الهداية في أحد أمرين؛ إما في أنّا خوطبنا في كل قصة نهياً وأمراً، كما خوطبوا هم أيضاً في قصصهم، وشرع لنا كما شرع لهم، فهدينا سننهم في ذلك، وإن اختلفت أحكامنا وأحكامهم.

والأمر الثاني: أنّا هدينا سننهم في أن أطعنا وسمعنا كما سمعوا وأطاعوا، فوقع التماثل من هذه الجهة.

والذين من قبلنا: هم المؤمنون في كل شريعة. وتوبة الله على عبده هي رجوعه به عن المعاصي إلى الطاعات وتوفيقه له، وحسن {عليم} هنا بحسب ما تقدم من سنن الشرائع وموضع المصالح و {حكيم} أي مصيب بالأشياء مواضعها بحسب الحكمة والإتقان.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

قال بعض المفسرين: قوله: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم} معناهما شيء واحد، والتكرير لأجل التأكيد، وهذا ضعيف، والحق أن المراد من قوله: {ليبين لكم} هو أنه تعالى بين لنا هذه التكاليف، وميز فيها الحلال من الحرام والحسن من القبيح. ثم قال: {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} وفيه قولان: أحدهما: أن هذا دليل على أن كل ما بين تحريمه لنا وتحليله لنا من النساء في الآيات المتقدمة، فقد كان الحكم أيضا كذلك في جميع الشرائع والملل، والثاني: أنه ليس المراد ذلك، بل المراد أنه تعالى يهديكم سنن الذين من قبلكم في بيان ما لكم فيه من المصلحة كما بينه لهم، فإن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها، إلا أنها متفقة في باب المصالح، وفيه قول ثالث: وهو أن المعنى: أنه يهديكم سنن الذين من قبلكم من أهل الحق لتجتنبوا الباطل وتتبعوا الحق...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما أتم سبحانه الحلال والحرام من هذه الحدود والأحكام، وختمها بصفة الرحمة بين ما أراد بها من موجبات الرحمة تذكيراً بالنعمة لتشكر، وتحذيراً من أن تنسى فتكفر فقال تعالى: {يريد الله} أي الملك الأعظم إنزال هذه الأحكام على هذا النظام {ليبين لكم} أي ليوقع لكم البيان الشافي فيما لكم وعليكم من شرائع الدين {ويهديكم} أي يعرفكم {سنن} أي طرق {الذين} ولما كان المراد بعض الماضين قال: {من قبلكم} أي من أهل الكتاب: الأنبياء وأتباعهم {ويتوب عليكم} أي يرجع بكم عن كل ما لا يرضيه، لا سيما ما يجر إلى المقاطعة -مثل منع النساء والأطفال الإرث، ومثل نكاح ما يحرم نكاحه وغير ذلك، فأعلمهم بهذا أنهم لم يخصهم بهذه التكاليف، بل يسلك بهم فيها صراط الذين أنعم عليهم ليكون ذلك أدعى لهم إلى القبول وأعون على الامتثال، وليتحققوا أن إلقاء أهل الكتاب الشبه إليهم وتذكيرهم بالأضغان لإرادة إلقاء العداوة محض حسد لمشاركتهم لهم في مننهم إذ هدوا لسننهم، وما أحسن ختم ذلك بقوله: {والله} أي المحيط بأوصاف الكمال {عليم حكيم} فلا يشرع لكم شيئاً إلا وهو في غاية الإحكام. فاعملوا به يوصلكم إلى دار السلام...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

مضت سنة القرآن الحكيم بأن يعلل الأحكام الشرعية ويبين حكمها بعد بيانها، وفي هذه الآيات تعليل بيان لما تقدم من أحكام النكاح. قال الأستاذ الإمام: قوله تعالى: {يريد الله ليبين لكم} الخ استئناف بياني، كأن قائلا يقول: ماهي حكمة هذه الأحكام وفائدتها لنا؟ وهل كلف الله تعالى أمم الأنبياء السابقين إياها أو مثلها فلم يبح لهم أن يتزوجوا كل امرأة؟ وهل كان ما أمرنا به ونهانا عنه تشديدا علينا أم تخفيفا عنا؟؟ فجاءت الآيات مبينة أجوبة هذه الأسئلة التي من شأنها أن تخطر بالبال بعد العلم بتلك الأحكام. وقوله: {ليبين} معناه أن يبين فاللام ناصبة بمعنى أن المصدرية كما قال الكوفيون، ومثله {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم} [التوبة:32] أقول ويجعل البصريون متعلق الإرادة محذوفا واللام للتعليل أو العاقبة، أي يريد الله ذلك التحريم والتحليل لأجل أن يبين لكم به ما فيه مصلحتكم وقوام فطرتكم. ولهم في هذه اللام أقوال أخرى. وقد حذف مفعول "ليبين "لتتوجه العقول السليمة، إلى استخراجه من ثنايا الفطرة القويمة، وقد أشار الأستاذ الإمام إلى بعض الحكم في تحريم تلك المحرمات عقب سردها ورأينا أن نؤخر ذكرها فنجعله في هذا الموضع ليكون بيانا لما وجهت إليه النفوس هنا بحذف المفعول، وإنما كتبنا عنه في مذكرتنا بيان عاطفة الأب السائقة إلى تربية ولده وهي تذكير بغيرها من مراتب صلات القرابة وإننا نذكر ما يتعلق بهذا المقام بالإيجاز، ومحل الإسهاب فيه كتب الأخلاق. إن الله تعالى جعل بين الناس ضروبا من الصلة يتراحمون بينها ويتعاونون على دفع المضار وجلب المنافع، وأقوى هذه الصلات صلة القرابة وصلة الصهر، ولكل واحدة من هاتين الصلتين درجات متفاوتة، فأما صلة القرابة فأقواها ما يكون بين الأولاد والوالدين من العاطفة والأريحية، فمن اكتنه السر في عطف الأب على ولده يجد في نفسه داعية فطرية تدفعه إلى العناية بتربيته إلى أن يكون رجلا مثله، فهو ينظر إليه كنظره إلى بعض أعضائه، ويعتمد عليه في مستقبل أيامه، ويجد في نفس الولد شعورا بأن أباه كان منشأ وجوده وممد حياته، وقوام تأديبه وعنوان شرفه، وبهذا الشعور يحترم الابن أباه، وبتلك الرحمة والأريحية يعطف الأب على ابنه ويساعده.

هذا ما قاله الأستاذ. ولا يخفى على إنسان أن عاطفة الأم الوالدية أقوى من عاطفة الأب، ورحمتها أشد من رحمته، وحنانها أرسخ من حنانه، لأنها أرق قلبا وأدق شعورا، وأن الولد يتكون جنينا من دمها الذي هو قوام حياتها، ثم يكون طفلا يتغذى من لبنها، فيكون له مع كل مصة من ثديها، عاطفة جديدة يستلها من قلبها، والطفل لا يحب أحدا في الدنيا قبل أمه، ثم إنه يحب أباه ولكن دون حبه لأمه، وإن كان يحترمه أشد مما يحترمها، أفليس من الجناية على الفطرة أن يزاحم هذا الحب العظيم بين الوالدين والأولاد حب استمتاع الشهوة فيزحمه ويفسده وهو خير ما في هذه الحياة؟ بلى، ولأجل هذا كان تحريم نكاح الأمهات هو الأشد المقدم في الآية ويليه تحريم البنات، ولولا ما عهد في الإنسان من الجناية على الفطرة والعبث بها والإفساد فيها لكان لسليم الفطرة أن يتعجب من تحريم الأمهات والبنات، لأن فطرته تشعر بأن النزوع إلى ذلك من قبيل المستحيلات.

وأما الإخوة والأخوات فالصلة بينهما تشبه الصلة بين الوالدين والأولاد من حيث أنهم كأعضاء الجسم الواحد فإن الأخ والأخت من أصل واحد يستويان في النسبة إليه من غير تفاوت بينهما ثم إنهما ينشآن في حجر واحد على طريقة واحدة في الغالب، وعاطفة الأخوة بينهما متكافئة ليست أقوى في أحدهما منها في الآخر كقوة عاطفة الأمومة والأبوة على عاطفة البنوة فلهذه الأسباب يكون أنس أحدهما بالآخر أنس مساواة لا يضاهيه أنس آخر إذ لا يوجد بين البشر صلة أخرى فيها هذا النوع من المساواة الكاملة، وعواطف الود والثقة المتبادلة، ويحكى أن امرأة شفعت عند الحجاج في زوجها وابنها وأخيها وكان يريد قتلهم فشفعها في واحد مبهم منهم وأمرها أن تختار من يبقى فاختارت أخاها فسألها عن سبب ذلك فقالت إن الأخ لا عوض عنه وقد مات الوالدان وأما الزوج والولد فيمكن الاعتياض عنهما بمثلهما. فأعجبه هذا الجواب وعفا عن الثلاثة وقال لو اختارت الزوج لما أبقيت لها أحدا. وجملة القول إن صلة الأخوة صلة فطرية قوية وإن الإخوة والأخوات لا يشتهي بعضهم التمتع ببعض لأن عاطفة الأخوة تكون هي المستولية على النفس بحيث لا يبقى لسواها معها موضع ما سلمت الفطرة فقضت حكمة الشريعة بتحريم نكاح الأخت حتى لا يكون لمعتلي الفطرة منفذ استبدال داعية الشهوة بعاطفة الأخوة.

وأما العمات والخالات فهن من طينة الأب والأم وفي الحديث "عم الرجل صنو أبيه" أي هما كالصنوان يخرجان من أصل النخلة وتقدم هذا في تفسير {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} [البقرة:133] فعدوا إسماعيل من آبائه لأنه أخ لإسحاق فكأنه هو. ولهذا المعنى الذي كانت به صلة العمومة من صلة الأبوة وصلة الخؤولة من صلة الأمومة قالوا إن تحريم الجدات مندرج في تحريم الأمهات وداخل فيه فكان من محاسن دين الفطرة المحافظة على عاطفة صلة العمومة والخؤولة والتراحم والتعاون بها وأن لا تنزو الشهوة عليها وذلك بتحريم نكاح العمات والخالات.

وأما بنات الأخ وبنات الأخت فهما من الإنسان بمنزلة بناته من حيث إن أخاه وأخته كنفسه وصاحب الفطرة السليمة يجد لهما هذه العاطفة من نفسه وكذا صاحب الفطرة السقيمة إلا أن عاطفة هذا تكون كفطرته في سقمها، نعم إن عطف الرجل على بنته يكون أقوى لكونها بضعة منه نمت وترعرعت بعنايته ورعايته، وأنسه بأخيه وأخته يكون أقوى من أنسه ببناتهما لما تقدم. وأما الفرق بين العمات والخالات، وبين بنات الإخوة والأخوات، فهو أن الحب لهؤلاء حب عطف وحنان، والحب لأولئك حب تكريم واحترام، فهما من حيث البعد عن مواقع الشهوة متكافئان، وإنما قدم في النظم الكريم ذكر العمات والخالات، لأن الإدلاء بهما من الآباء والأمهات، فصلتهما أشرف وأعلى من صلة الإخوة والأخوات.

هذه هي أنواع القرابة القريبة التي يتراحم الناس بها ويتعاطفون، ويتوادون ويتعاونون، بما جعل الله لها في النفوس من الحب والحنان، والعطف والاحترام، فحرم الله فيها النكاح لأجل أن تتوجه عاطفة الزوجية ومحبتها إلى من ضعفت الصلة الطبيعية أو النسبية بينهم كالغرباء والأجانب، والطبقات البعيدة من سلالة الأقارب، كأولاد الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وبذلك تتجدد بين البشر قرابة الصهر، التي تكون في المودة والرحمة كقرابة النسب، فتتسع دائرة المحبة والرحمة بين الناس، فهذه حكمة الشرع الروحية في محرمات القرابة.

ثم أقول: إن هنالك حكمة جسدية حيوية عظيمة جدا وهي أن تزوج الأقارب بعضهم ببعض يكون سببا لضعف النسل فإذا تسلسلت واستمرت يتسلسل الضعف والضوى فيه إلى أن ينقطع. ولذلك سببان أحدهما وهو الذي أشار إليه الفقهاء أن قوة النسل تكون على قدر قوة داعية التناسل في الزوجين وهي الشهوة وقد قالوا إنها تكون ضعيفة بين الأقارب، وجعلوا ذلك علة لكراهة تزوج بنات العم وبنات العمة الخ وسبب ذلك أن هذه الشهوة شعور في النفس يزاحمه شعور عواطف القرابة المضاد له فإما أن يزيله وإما أن يزلزله ويضعفه كما علم مما بيناه آنفا.

والسبب الثاني يعرفه الأطباء وإنما يظهر للعامة بمثال تقريبي معروف عند الفلاحين وهو أن الأرض التي يتكرر زرع نوع واحد من الحبوب فيها يضعف هذا الزرع فيها مرة بعد أخرى إلى أن ينقطع لقلة المواد التي هي قوام غذائه وكثرة المواد الأخرى التي لا يتغذى منها ومزاحمتها لغذائه أن يخلص له، ولو زرع ذلك الحب في أرض أخرى وزرع في هذه الأرض نوع آخر من الحب لنمى كل منهما. بل ثبت عند الزراع أن اختلاف الصنف من النوع الواحد من أنواع البذار يفيد فإذا زرعوا حنطة في أرض وأخذوا بذرا من غلتها فزرعوه في تلك الأرض يكون نموه ضعيفا وغلته قليلة وإذا أخذوا البذر من حنطة أخرى وزرعوه في تلك الأرض نفسها يكون أنمى وأزكى. كذلك النساء حرث كالأرض يزرع فيهن الولد وطوائف الناس كأنواع البذار وأصنافه فينبغي أن يتزوج أفراد كل عشيرة من أخرى ليزكو الولد وينجب فإن الولد يرث من مزاج أبويه ومادة أجسامهما ويرث من أخلاقهما وصفاتهما الروحية ويباينهما في شيء من ذلك، فالتوارث والتباين سنتان من سنن الخليقة ينبغي أن تأخذ كل واحدة منهما حظها لأجل أن ترتقي السلائل البشرية ويتقارب الناس بعضهم من بعض، ويستمد بعضهم القوة والاستعداد من بعض، والتزوج من الأقربين ينافي ذلك فثبت بما تقدم كله أنه ضار بدنا ونفسا، مناف للفطرة مخل بالروابط الاجتماعية عائق لارتقاء البشر.

وقد ذكر الغزالي في الإحياء أن من الخصال التي تطلب مراعاتها في المرأة أن لا تكون من القرابة القريبة، قال فإن الولد يخلق ضاويا أي نحيفا وأورد في ذلك حديثا لا يصح. ولكن روى إبراهيم الحربي في غريب الحديث أن عمر قال لآل السائب: "اغتربوا لا تضووا" أي تزوجوا الغرائب لئلا تجيء أولادكم نحافا ضعافا. وعلل الغزالي ذلك بقوله: إن الشهوة إنما تنبعث بقوة الإحساس بالنظر أو اللمس وإنما يقوى الإحساس بالأمر الغريب الجديد فأما المعهود الذي دام النظر إليه فإنه يضعف الحس عن تمام إدراكه والتأثر به ولا تنبعث به الشهوة. اه. وتعليله لا ينطبق على كل صورة والعمدة ما قلناه.

وأما حكمة التحريم بالرضاعة فقد بيناها في تفسير {وأخواتكم من الرضاعة ويزيده ما قلناه آنفا في حكمة محرمات النسب تبيانا فمن رحمته تعالى بنا أن وسع لنا دائرة القرابة بإلحاق الرضاع بها وقد ذكرنا أن بعض بدن الرضيع يتكون من لبن المرضع وفاتنا أن نذكر هناك أنه بذلك يرث منها كما يرث ولدها الذي ولدته.

وأشرنا أيضا إلى حكمة تحريم محرمات المصاهرة بما ذكرناه في حكمة تحريم الربيبة وهي بنت الزوجة، وأمها أولى بالتحريم لأن زوجة الرجل شقيقة روحه بل مقومة ماهيته الإنسانية ومتممتها فينبغي أن تكون أمها بمنزلة أمه في الاحترام، ويقبح جدا أن تكون ضرة لها فإن لحمة المصاهرة كلحمة النسب فإذا تزوج الرجل من عشيرة صار كأحد أفرادها وتجددت في نفسه عاطفة مودة جديدة لهم. فهل يجوز أن يكون سببا للتغاير والضرار بين الأم وبنتها؟ كلا إن ذلك ينافي حكمة المصاهرة والقرابة، ويكون سبب فساد العشيرة، فالموافق للفطرة الذي تقوم به المصلحة، هو أن تكون أم الزوجة كأم الزوج وبنتها التي في حجره، كبنته من صلبه، وكذلك ينبغي أن تكون زوجة ابنه بمنزلة ابنه، يوجه إليها العاطفة التي يجدها لبنته، كما ينزل الابن امرأة أبيه منزلة أمه، وإذا كان من رحمة الله وحكمته أن حرم الجمع بين الأختين وما في معناهما لتكون المصاهرة لحمة مودة، غير مشوبة بسبب من أسباب الضرار والنفرة، فكيف يعقل أن يبيح نكاح من هي أقرب إلى الزوجة كأمها أو بنتها أو زوجة الوالد للولد وزوجة الولد للوالد؟ وقد بين لنا أن حكمة الزواج هي سكون نفس كل من الزوجين إلى الآخر والمودة والرحمة بينهما وبين من يلتحم معهما بلحمة النسب فقال: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم:21] فقيد سكون النفس الخاص بالزوجية ولم يقيد المودة والرحمة لأنها تكون بين الزوجين ومن يلتحم معهما بلحمة النسب، وتزداد وتقوى بالولد، كما بينا ذلك بالإسهاب في مقالات (الحياة الزوجية) التي نشرناها في المجلد الثامن من المنار.

فهذا ما فتح الله به علينا في بيان المراد من قوله تعالى: {يريد الله ليبين لكم} من حيث إنه لم يذكر معمول {ليبين} لنلتمسه من سنن الفطرة بمعونة إرشادنا إلى كون ديننا دين الفطرة بقوله: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم:30] فقد جاءت هذه الآية بعد آية الزوجية بثمان آيات. وقال تعالى: {وفي الأرض آيات للموقنين* وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات:20 21] وقد هدانا بذلك جلت حكمته إلى الاستقلال في طلب العلم والحكمة، وتزكية النفس بالأدب والفضيلة، ولا غرو فالقرآن هدى للمتقين، لا قوانين وضعية للمتكلفين، ولا رسوم عرفية للجامدين.

بعد كتابة ما تقدم ذهبت إلى إحدى دور الكتب (في القسطنطينية) حيث أنا فراجعت كتاب حجة الله البالغة للشيخ أحمد المعروف بشاه ولي الله الدهلوي، فإذا هو يقول في حكم محرمات النكاح: "والأصل في التحريم أمور: منها: جريان العادة بالاصطحاب والارتباط وعدم إمكان لزوم الستر فيما بينهم وارتباط الحاجات من الجانبين على الوجه الطبيعي دون الصناعي، فإنه لو لم تجر السنة بقطع الطمع عنهن والإعراض عن الرغبة فيهن لهاجت مفاسد لا تحصى، وأنت ترى الرجل يقع بصره على محاسن امرأة أجنبية فيتوله بها، ويقتحم في المهالك لأجلها، فما ظنك فيمن يخلو معها وينظر إلى محاسنها ليلا ونهارا. وأيضا لو فتح باب الرغبة فيهن ولم يسد ولم تقم اللائمة عليهم فيه أفضى ذلك إلى ضرر عظيم عليهن فإنه سبب عضلهم إياهن عمن يرغبن فيه لأنفسهم فإنه بيدهم أمرهن وإليهم إنكاحهن، وأن لا يكون لهم إن نكحوهن من يطالبهم عنهن بحقوق الزوجية مع شدة احتياجهن إلى من يخاصم عنهن". ونظر لذلك بمسألة عضلهم لليتامى الغنيات كما تقدم في أوائل السورة.

قال ومنها: الرضاعة فإن التي أرضعت تشبه الأم من حيث إنها سبب اجتماع أمشاج بنيته وقيام هيكله غير أن الأم جمعت خلقته في بطنها وهذه درت عليه سد رمقه من أول نشأته فهي أم بعد الأم وأولادها إخوة بعد الإخوة، وقد قاست في حضانته ما قاست، وقد ثبت في ذمته من حقوقها ما ثبت، وقد رأت منه في صغرها ما رأت، فيكون تملكها والوثوب عليها مما تمجه الفطرة السليمة، وكم من بهيمة عجماء لا تلتفت إلى أمها أو إلى مرضعتها هذه اللفتة، فما ظنك بالرجال (وأيضا) فإن العرب كانوا يسترضعون أولادهم في حي من الأحياء فيشب فيهم الولد ويخالطهم كمخالطة المحارم ويكون عندهم للرضاعة لحمة كلحمة النسب" ثم ذكر الحديث في هذا المعنى والرضاع المحرم وكون الأصل في مقداره عشر رضعات والخمس للاحتياط.

قال ومنها: الاحتراز عن قطع الرحم بين الأقارب فإن الضرتين تتحاسدان وينجر البغض إلى أقرب الناس منهما والحسد بين الأقارب أخنع وأشنع. وقد كره جماعة من السلف ابنتي العم والخال لذلك فما بالك بامرأتين أيهما فرض ذكرا حرمت عليه الأخرى كالأختين والمرأة وعمتها أو خالتها "ثم ذكر ما ورد في الجمع.

قال ومنها: المصاهرة فإنه لو جرت السنة بين الناس أن يكون للأم رغبة في زوج بنتها وللرجال في حلائل الأبناء وبنات نسائهم لأفضى إلى السعي في فك ذلك الربط أو قتل من يشح به، وإن أنت تسمعت إلى قصص قدماء الفارسيين واستقرأت حال أهل زمانك من الذين لم يتقيدوا بهذه السنة الراشدة وجدت أمورا عظاما ومهالك ومظالم لا تحصى (وأيضا) فإن الاصطحاب في هذه القرابة لازم، والستر متعذر، والتحاسد شنيع، والحاجات من الجانبين متنازعة، فكان أمرها بمنزلة الأمهات والبنات أو بمنزلة الأختين".

قال: ومنها:"العدد الذي يمكن الإحسان إليه في العشرة الزوجية "ولم يأت بشيء جديد في التعدد إلا قوله في بيان حكمة الأربع:"ذلك أن الأربع عدد يمكن لصاحبه أن يرجع إلى كل واحدة بعد ثلاثة ليال وما دون ليلة لا يفيد فائدة القسم ولا يقال في ذلك بات عندها، وثلاث أول حد الكثرة وما فوقها زيادة الكثرة "اه. وقد وفينا هذا المقام حقه في تفسير الآية التي تبيح التعدد من جزء التفسير الرابع.

قال: ومنها: اختلاف الدين وهو قوله: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} [البقرة:221] وذكر أن ذلك مفسدة للدين وهي تخف في الكتابية فرخص فيها. وتقدم إيضاح ذلك في الجزء الثاني. وقد نقل ابن جرير عن بعض مفسري السلف أن المشركين والمشركات المحرم على المؤمنين التناكح معهم هم المشركون والمشركات من العرب. وقد كان من حكمة الإسلام أن يكون عرب الجزيرة كلهم مسلمين فشدد في معاملتهم ما لم يشدد في معاملة غيرهم كما بينا في المنار.

قال: ومنها: كون المرأة أمة لآخر فإنه لا يمكن تحصين فرجها بالنسبة إلى سيدها ولا اختصاصه بها بالنسبة إليه إلا من جهة التفويض إلى دينه وأمانته، ولا جائز أن يصد سيدها عن استخدامها والتخلي بها فإن ذلك ترجيح أضعف الملكين على أقواهما، فإن هنالك ملكين ملك الرقبة وملك البضع والأول هو الأقوى المشتمل على الآخر المستتبع له، والثاني هو الضعيف المندرج، وفي اقتضاب الأدنى للأعلى قلب الموضوع، وعدم الاختصاص بها وعدم إمكان ذب الطامع فيها هو أصل الزنا. وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل في تحريم الأنكحة التي كان الجاهلية يتعاملونها كالاستبضاع كما بينته عائشة رضي الله عنها. فإذا كانت فتاة مؤمنة بالله محصنة فرجها واشتدت الحاجة إلى نكاحها لمخافة العنت وعدم طول الحرة خف الفساد وكانت الضرورة والضرورات تبيح المحظورات" اه.

ثم ذكر كون المرأة مشغولة بنكاح مسلم أو كافر وقال في حكمته: "فإن أصل الزنا هو الازدحام على الموطوءة من غير اختصاص أحدهما وغير قطع طمع الآخر فيها".

وأما قوله تعالى: {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} فمعناه أنه يريد أيضا بما شرعه لكم من الأحكام الموافقة لمصالحكم ومنافعكم أن يهديكم سنن الذين أنعم عليهم من قبلكم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين أي طرقهم في العمل بمقتضى الفطرة السليمة؛ وهداية الدين والشريعة، كل بحسب حال الاجتماع في زمانه، كما قال: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة:48] وإنما كان دين جميع الأنبياء واحدا في التوحيد وروح العبادة وتزكية النفس بالأعمال التي تقوم الملكات وتهذب الأخلاق.

ثم قال: {ويتوب عليكم} أي ويريد بتلك الأحكام أن يجعلكم بالعمل بها تائبين مما سلف في زمن الجاهلية وأول الإسلام إذ كنتم منحرفين عن سنة الفطرة تنكحون ما نكح آباؤكم، وتقطعون أرحامكم، ولا تراعون ما في الزوجية من تجديد قرابة الصهر، بدون تنكيت لقوى روابط النسب، وقيل المراد بالتوبة ما هي سبب له من الغفران {والله عليم حكيم} أي أنه ذو العلم والحكمة الثابتين اللذين تصدر عنهما أحكامه فتكون موافقة لمصالحكم ومنافعكم لأن علمه الواسع محيط بها وحكمته البالغة تقضي بها.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

يخبر تعالى بمنته العظيمة ومنحته الجسيمة، وحسن تربيته لعباده المؤمنين وسهولة دينه فقال: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} أي: جميع ما تحتاجون إلى بيانه من الحق والباطل، والحلال والحرام، {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أي: الذين أنعم الله عليهم من النبيين وأتباعهم، في سيرهم الحميدة، وأفعالهم السديدة، وشمائلهم الكاملة، وتوفيقهم التام. فلذلك نفذ ما أراده، ووضح لكم وبين بيانا كما بين لمن قبلكم، وهداكم هداية عظيمة في العلم والعمل. {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} أي: يلطف لكم في أحوالكم وما شرعه لكم حتى تمكنوا من الوقوف على ما حده الله، والاكتفاء بما أحله فتقل ذنوبكم بسبب ما يسر الله عليكم فهذا من توبته على عباده. ومن توبته عليهم أنهم إذا أذنبوا فتح لهم أبواب الرحمة وأوزع قلوبهم الإنابة إليه، والتذلل بين يديه ثم يتوب عليهم بقبول ما وفقهم له. فله الحمد والشكر على ذلك...

وقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: كامل الحكمة، فمن علمه أن علمكم ما لم تكونوا تعلمون، ومنها هذه الأشياء والحدود. ومن حكمته أنه يتوب على من اقتضت حكمته ورحمته التوبة عليه، ويخذل من اقتضت حكمته وعدله من لا يصلح للتوبة...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

فهذا المنهج هو منهج الله الذي سنه للمؤمنين جميعا. وهو منهج ثابت في أصوله، موحد في مبادئه، مطرد في غاياته وأهدافه.. هو منهج العصبة المؤمنة من قبل ومن بعد. ومنهج الأمة الواحدة التي يجمعها موكب الإيمان على مدار القرون. بذلك يجمع القرآن بين المهتدين إلى الله في كل زمان ومكان؛ ويكشف عن وحدة منهج الله في كل زمان ومكان؛ ويربط بين الجماعة المسلمة والموكب الإيماني الموصول، في الطريق اللاحب الطويل. وهي لفتة تشعر المسلم بحقيقة أصله وأمته ومنهجه وطريقه.. إنه من هذه الأمة المؤمنة بالله، تجمعها آصرة المنهج الإلهي، على اختلاف الزمان والمكان، واختلاف الأوطان؛ والألوان وتربطها سنة الله المرسومة للمؤمنين في كل جيل، ومن كل قبيل...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

تذييل يقصد منه استئناس المؤمنين واستنزال نفوسهم إلى امتثال الأحكام المتقدّمة من أوّل السورة إلى هنا، فإنّها أحكام جمّة وأوامر ونواه تفضي إلى خلع عوائدَ ألفوها، وصرفِهم عن شهوات استباحوها، كما أشار إليه قوله بعد هذا {ويريد الذين يتبعون الشهوات} [النساء: 27]، أي الاسترسال على ما كانوا عليه في الجاهلية، فأعقب ذلك ببيان أنّ في ذلك بيانا وهُدى. حتّى لا تكون شريعة هذه الأمّة دون شرائع الأمم التي قبلها، بل تفوقُها في انتظام أحوالها، فكان هذا كالاعتذار على ما ذكر من المحرّمات. فقوله: {يريد الله ليبين لكم} تعليل لتفصيل الأحكام في مواقع الشبهات كي لا يضلّوا كما ضلّ من قبلهم، ففيه أنّ هذه الشريعة أهدى ممّا قبلها...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

بين سبحانه في الآيات السابقة المحرمات، ونبه إلى ما كان يقع فيه أهل الجاهلية من استباحة بعض هذه المحرمات، كزواجهم ممن كانوا أزواجا لآبائهم، وكاستباحتهم الجمع بين المرأة وأختها. وفي هذه النص الكريم يبين سبحانه أن ما قرره هو الهداية، وهو سنة الفطرة، وهو شريعة النبيين أجمعين. ثم بين سبحانه بالإشارة والعبارة أن تحصين الفروج مطلب ديني سام، وأن الإحصان حماية لمعنى الإنسانية وترفع عن الحيوانية.

وفي هذا النص بأهل الإيمان الخير، ولكن يريدون أن تتحكم الأهواء والشهوات لا يريدون بأهل الإيمان الخير، ولكن يريدون أن تتحكم الأهواء والشهوات، وتسيطر وتدفع إلى العبث والحيوانية ويريد سبحانه أن يبين سنن الذين من قبلكم، أي الطريقة المثلى التي كانت تسير عليها المجتمعات الفاضلة قبلكم، وما جاء به النبيون، وهدى إليه المرسلون، فيبين أن هذا هو سنن الذين من قبلكم وهو سنة الفطرة. ولم يصرح بأن ذلك هو ما جاء به النبيون، وإن كان ذلك مفهوما، بل صرح بأن هذا هو سنن الذين من قبلكم للإشارة إلى أنه أمر مشتق من الفطرة الإنسانية. وأن من يخالفه إنما يشذ عن مقتضى الفطرة وحكم العقل، وسنة الإنسانية. فبعض الملوك أو الأمم الذين استباحوا المحرمات كانوا في حكم الأجيال الإنسانية من شذاذ؛ لأنهم خرجوا عن سنة الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

في هذا الربع آيات كريمة أخرى من المناسب أن نقف عندها وقفة خاصة، إذ لها علاقة وثيقة بما حدده الله من الحلال والحرام في موضوع الزواج الذي هو أساس تكوين الأسرة وكل ما يتفرع عنها، وما هو حرام في هذا الموضوع الخطير، إرشادا للمؤمنين من عباده وهداية لهم إلى أحسن الطرق وأفضل النظم، حتى يقفوا عند حدودها ولا يتجاوزوها. كما أنه مهد طريق التوبة وفتح باب العفو في وجه أولئك الذين عرفوا انحراف الجاهلية وفوضاها الاجتماعية والخلقية، فلم يؤاخذهم على ما سلف قبل نزول القرآن الكريم. وفيها علاوة على ذلك تنبيه إلى أن عبيد الشهوات وأسراء اللذات سوف لا يرتاحون لهذا النظام الإلهي الأخلاقي وأحكامه الطاهرة، لأنه يقف في وجوههم، ويسد أمامهم طريق الفوضى والتلاعب بالأعراض، بل إنهم سيحاولون إغواء بقية المسلمين وإغراءهم على تعدي الحدود التي رسمها الحق سبحانه وتعالى، وسيدعونهم إلى نبذ أحكامه وتعاليمه ظهريا. وأخيرا في هذه الآيات امتنان من الله على عباده بأنه يريد أن يخفف عنهم، ولذلك أحل لهم ما فيه الخير والنفع، مما يفتح في وجوههم أبواب الفضائل، وحرم عليهم ما فيه الشر والأذى، ليقفل من خلفهم أبواب الرذائل. ثم سجل كتاب الله في نهاية هذا الموضوع حقيقة لا ينازع فيها إنسان، ألا وهي أن الإنسان مخلوق ضعيف أمام نداء الشهوة وإغراء الشيطان. وإذن فلا بد لتوجيهه وإنقاذه وحمايته من الأخذ بيده وحضه على الإيمان بالله، وأمره بالتزام شريعته...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

ماذا يبين لنا؟ إنه سبحانه يبين القوانين الحاكمة لانتظام الحياة.. وقلنا إنه لا يمكن أن يوجد تجريم إلا بنص ولا توجد عقوبة إلا بتجريم. فقبلما يعاقبك على أمر فهو يقول لك: هذه جريمة وينص عليها، إنه لا يأتي ليقول لك: فعلت الشيء الفلاني وهذه عقوبته؛ لأنك قد تقول له: فعلت هذا الفعل من قبل ولم أعرف أنه جريمة وعليه عقوبة. إذن فلا يمكن أن تعاقب إلا إذا أجرمت، ولا يمكن أن تجرم إلا بنص، فيريد الله أن يبصركم ببيان ما تصلح به حركة حياتكم، والله آمن عليكم من أنفسكم، لأنه هو سبحانه الذي خلق وهو يعلم من خلق. إن سبحانه وحده الذي يقنن ما يصلح مخلوقه، أما أن يخلق هو وأنت تقنن فهذا اعتداء؛ لأنه سبحانه يقنن لما يعلم ولله المثل الأعلى وقلنا سابقا: إن المهندس الذي يصنع التلفزيون هو الذي يضع له قانون الصيانة؛ لأنه هو الذي صمم الآلة، وهو الجدير بأن يضع لها قانون صيانتها، فيعلمنا: المفتاح هذا لكذا، وهذا للصورة، وهذا للصوت. إن الذي خلق الإنسان هو الذي يضع قانون صيانته المتمثل في "افعل ولا تفعل"، وترك سبحانه أمورا لم يرد فيها افعل ولا تفعل، وهي متروكة على الإباحة، تفعله أو لا تفعله، إنه سبحانه: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم}، والسنة هي الناموس الحاكم لحركة الحياة. والحق يقول: {سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا 62} (سورة الأحزاب). والرسل سبقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وعرفنا الذين أطاعوا رسلهم ماذا حدث لهم، والذين كذبوا رسلهم ماذا حدث لهم. لقد قال الحق في شأنهم: {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون 40} (سورة العنكبوت). فالله يريد أن يبين لنا سنن من قبلنا، أي الطرائق التي حكموا بها، وماذا حدث لأهل الحق وماذا حدث لأهل الباطل. إذن فهو ليس تقنينا أصم، بل هو تقنين مسبوق بوقائع تؤكده وتوثقه، {ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم} وهو سبحانه يبين ويوضح ويتوب، {والله عليم} لأنه خالق، "حكيم "يضع الأمر في موضعه والنهي في موضعه. فالحكمة هي: وضع الشيء في موضعه، وسبحانه يضعه عن علم، فالعلم يقتضي اتساع المعلومات، والحكمة هي وضع كل معلوم في موقعه...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

إنه اللطف الإلهي الذي يفيض بالرحمة والعطف والحنان والرعاية، في كل صغيرة وكبيرة من أمور المؤمنين؛ فهو يتعهدهم دائماً ببيان الوسائل التي يستطيعون من خلالها الانفتاح على الآفاق الواسعة للحياة، في كل ما تحمله من عناصر الخير والصلاح، ويلتقوا بالينابيع الصافية المتفجرة بالماء الذي ينساب في الأرض، لينشر فيها الخصب والرخاء؛ ويرتفعوا إلى القيم الروحية التي ترتفع بالإنسان عن الحدود الضيقة للمادة الجامدة، إلى الأجواء الروحية العالية التي يحدّق فيها في امتداد السماء...

{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} لينير لكم السبيل لأنكم لا تستطيعون معرفة الطريق الواضح المستقيم الذي يحفظ لكم خطواتكم من الضياع ويصونها من الانزلاق في منحدرات الهاوية؛ بل الله هو الذي يهديكم ذلك ويخرجكم من الظلمات إلى النور. ففي كلماته الوحي الذي يفتح القلوب، والضياء الذي يفتح العيون، والهدى الذي يشق الطريق إلى حيث الانطلاق الكبير في رحاب الله. وذلك بأن يفصّل الله لكم برنامج الحياة الذي يتضمن الخلاص في معاشكم ومعادكم بما يبيّنه من أحكام دينكم في دنياكم، باعتبار أنه وحده الذي يحقق السعادة للإنسان في دنياه وآخرته...

{وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} لأن الله يريد لكل أمة أن تكمل الطريق الذي بدأه الآخرون؛ فلا تبقى الأقدام دائماً متحركة في عملية تراجعية إلى بداية الطريق. فقد جعل الرسالات متتابعة في حياة الأمم، ليكون كل رسول متمّماً لما بدأه الرسول الذي قبله، ولتكون كل أمة امتداداً للأمة التي قبلها؛ ولهذا أراد الله سبحانه في كل كتاب جديد من كتبه أن يحدّث رسوله وأمته عن المناهج التي سارت عليها الأمم السابقة، ليعتبروا ويعرفوا حركة الساحة التي يعملون فيها، في ما عاشته من تجارب، وما واجهته من تحديات، وما بلغته من أهداف، لتكون الرؤية واضحة أمامهم، فلا يحتاجون إلى أن يبدؤوا التجربة من جديد، بل كل ما هناك أن يفهموا التجارب السابقة ويعتبروا بها، في ما يستقبلون من تجارب الحياة. وتلك هي قصة التاريخ في مفهوم الإسلام؛ فلسنا مسؤولين عن حركة التاريخ في كل مراحل فشله ونجاحه، أو استقامته وانحرافه، بل أن يمتد التاريخ في وحيه العملي في حركة المستقبل الجديد الذي نصنعه بإرادتنا وإيماننا...

{وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} هل التوبة التي هي إرادة الله لنا، هي المغفرة عما سلف من ذنوبنا، لتكون الكلمة توجيهاً للإنسان في أن يفتش عن طريق التوبة، فيحاسب نفسه على الأخطاء التي قد ارتكبها، ليقف بين يدي الله حاملاً مشاعر الندم، ويطلب منه التوبة على ذلك كله... أم هي أسلوب قرآني في التعبير عن المعنى الذي توحي به التوبة، وهو السير على الخط المستقيم الذي يؤدي إلى رضا الله، بكلمة التوبة، فكأنه يقول: إن الله يريد أن يرضى عنكم من خلال استقامتكم، من خلال ما يثيره أمامكم من فرص المعرفة والهداية التي تؤدي بكم إلى العمل الصالح؟...

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (26)

{ يريد الله ليبين لكم } قال الزمخشري : أصله يريد الله أن يبين لكم فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين كما زيدت في لا أبا لك لتأكيد إضافة الأب ، وقال الكوفيون : اللام مصدرية مثل أن .

{ ويهديكم سنن الذين من قبلكم } أي : يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (26)

ولما أتم سبحانه الحلال والحرام من هذه الحدود والأحكام ، وختمها بصفة الرحمة بين ما أراد بها من موجبات الرحمة تذكيراً بالنعمة لتشكر ، وتحذيراً من أن تنسى فتكفر{[21017]} فقال تعالى : { يريد الله } أي الملك الأعظم إنزال هذه الأحكام على هذا النظام { ليبين لكم } أي ليوقع لكم البيان الشافي فيما لكم وعليكم من شرائع الدين { ويهديكم } أي يعرفكم { سنن } أي طرق { الذين } ولما كان المراد بعض الماضين قال : { من قبلكم } أي من أهل الكتاب{[21018]} : الأنبياء وأتباعهم { ويتوب عليكم } أي يرجع بكم عن كل ما لا يرضيه ، لا سيما ما يجر إلى المقاطعة{[21019]} - مثل منع{[21020]} النساء والأطفال الإرث ، ومثل نكاح ما يحرم نكاحه وغير ذلك ، فأعلمهم بهذا أنهم لم يخصهم{[21021]} بهذه التكاليف ، بل يسلك بهم فيها صراط الذين أنعم{[21022]} عليهم ليكون ذلك أدعى لهم إلى القبول وأعون على الامتثال ، وليتحققوا أن إلقاء أهل الكتاب الشبه إليهم وتذكيرهم بالأضغان{[21023]} لإرادة إلقاء العداوة محض حسد لمشاركتهم لهم في مننهم إذ{[21024]} هدوا{[21025]} لسننهم{[21026]} ، وما أحسن ختم ذلك بقوله : { والله } أي المحيط بأوصاف الكمال { عليم حكيم * } فلا يشرع لكم شيئاً{[21027]} إلا وهو في غاية الإحكام . فاعملوا به يوصلكم إلى دار السلام{[21028]} .

بيان ذلك أن ما في هذه السورة الأمر بالتقوى والحث عليها ، وبيان الفرائض وأمر الزناة ، وما يحل ويحرم من النساء ، والتحري في الأموال ، والإحسان إلى الناس ، لا سيما الأيتام والوالدين ، والإذعان للأحكام ، وتحريم القتل ، والأمر بالعدل في الشهادة وغيرها ، وكل ذلك مبين أصوله في التوراة كما هو مبثوث{[21029]} في هذا الديوان عن نصوصها في المواضع اللائقة به ، لكن القرآن أحسن بياناً وأبلغ تبياناً وأبدع شأناً وألطف عبارة وأدق إشارة ، وأعجب{[21030]} ذلك أن سبب إنزال فرائض الميراث في شريعتنا النساء ، ففي الصحيحين وغيرهما عن جابر رضي الله عنه قال : " مرضت فعادني {[21031]}رسول الله{[21032]} صلى الله عليه وسلم ، فأتاني وقد أغمي عليّ " وفي رواية البخاري{[21033]} في التفسير : " عادني النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين ، فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل ، فدعا بماء فتوضأ فصب عليّ وضوءه فأفقت ، فقلت : يا رسول الله ! كيف أصنع في مالي ؟ " وفي رواية لمسلم : " إنما يرثني كلالة فلم يجبني بشيء " وفي رواية الترمذي : " وكانت لي {[21034]}تسع أخوات حتى نزلت آية الميراث " وفي رواية للبخاري : " فنزلت " وفي رواية للترمذي : " حتى نزلت ( يوصيكم الله في أولادكم ) " وفي رواية للترمذي : حتى نزلت آية الميراث { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } الآية ، وقال : حديث صحيح . ولأبي داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال :

" جاءت امرأة سعد بن ربيع بابنتيها من سعد رضي الله عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت{[21035]} : يا رسول الله ! هاتان ابنتا سعد بن الربيع ، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً ، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع{[21036]} لهما مالاً ، ولا تنكحان{[21037]} إلا ولهما مال ، قال : يقضي{[21038]} الله عز وجل في ذلك ، فنزلت آية الميراث " وفي رواية أبي داود : ونزلت الآية في سورة النساء ، { يوصيكم الله في {[21039]}أولادكم } وفي رواية الدارقطني : " فنزلت سورة النساء ، وفيها { يوصيكم الله في أولادكم{[21040]} } إلى آخر الآية - فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال : أعط{[21041]} ابنتي سعد الثلثين ، وأعط أمهما الثمن ، وما بقي فهو لك " وفي رواية للدارقطني{[21042]} : " إن امرأة سعد بن الربيع قالت : يا رسول الله ! إن سعداً هلك وترك ابنتين وأخاه ، فعمد أخوه{[21043]} فقبض ما ترك سعد ، وإنما تنكح النساء على أموالهن ، فلم يجبها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه{[21044]} ذلك ، ثم جاءته{[21045]} فقالت : يا رسول الله ! ابنتا سعد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادعي لي أخاه ! فجاء{[21046]} فقال : ادفع إلى ابنتيه الثلثين ، وإلى امرأته الثمن ، ولك ما بقي " وقال شيخنا حافظ عصره أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر في الإصابة في أسماء الصحابة : روى أبو الشيخ في تفسيره من طريق عبد الله بن الأجلح الكندي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " كان أهل الجاهلية {[21047]}لا يورثون{[21048]} البنات ولا الأولاد{[21049]} الصغار حتى يدركوا ، فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن ثابت ، وترك بنتين وابناً صغيراً ، فجاء ابنا عمه خالد وعرفطة فأخذا ميراثه ، فقالت امرأته للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك{[21050]} ، فأنزل الله تعالى { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون }[ النساء : 7 ] فأرسل إلى خالد وعرفطة فقال : لا تحركا{[21051]} من الميراث شيئاً{[21052]} " ورواه أبو الشيخ من وجه آخر فقال : قتادة وعرفطة ورواه الثعلبي في تفسيره{[21053]} فقال : سويد وعرفطة ، {[21054]}ووقع{[21055]} عنده أنهما أخوا{[21056]} أوس{[21057]} : ورواه مقاتل في تفسيره لفقال : إن أوس بن مالك توفي يوم أحد وترك امرأته أم كجة وبنتين فذكر القصة " وذكر شيخنا في تخريج أحاديث الكشاف أن الثعلبي والبغوي ساقا بلا سند أن أوس بن الصامت الأنصاري ترك امرأته أم كجة وثلاث بنات ، فزوى ابنا عمه سويد وعرفطه أو قتادة وعرفجة ميراثة عنهن ، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الأطفال ويقولون : لا يرث إلا من طاعن بالرماح ، وذاد عن الحوزة ، وحاز الغنيمة ، فجاءت أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفضيخ ، فشكت إليه ، فقال : ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله ، فنزلت

للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون }[ النساء : 7 ] فبعث إليهما : لا تفرقا من مال أوس شيئاً ، فإن الله قد جعل لهن نصيباً ، ولم يبين حتى نزلت { يوصيكم الله في أولادكم } الآية ، فأعطى أم كجة{[21058]} الثمن والبنات الثلثين والباقي لابني{[21059]} العم " ورواه الطبري من طريق ابن جريج عن عكرمة على غير هذا السياق ، ولفظه : " نزلت في أم كجة{[21060]} و{[21061]}ابنة أم كجة{[21062]} وثعلبة وأوس بن سويد ، وهم من الأنصار ، كان أحدهما زوجها والآخر عم ولدها ، فقالت : يا رسول الله ! توفي زوجي وتركني وابنته فلم نورث{[21063]} ، فقال عم ولدها : إن ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلاًّ ولا ينكأ عدواً ، فنزلت{ للرجال نصيب }[ النساء : 7 ] ، وروي من طريق السدي ، قال في قوله :{ يوصيكم الله في أولادكم }[ النساء : 11 ] " كان{[21064]} أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان ، ولا يورثون إلا من أطاق القتال ، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة يقال لها أم كجة{[21065]} ، وترك خمس أخوات ، فجاءت الورثة فأخذوا ماله ، فشكت أم كجة{[21066]} ذلك{[21067]} إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله{ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك }[ النساء : 11 ] ثم قال في أم كجة{[21068]}{ ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد }[ النساء : 12 ] " .

فجميع هذه الروايات - كما ترى - ناطقة بأن سبب نزول آيات الميراث النساء ، ويمكن أن يكون المجموع سبباً - والله أعلم ؛ وذلك كما أن سبب إنزال الفرائض في التوراة كان النساء أيضاً ، وذلك أنه{[21069]} جل{[21070]} أمره وعز اسمه وتعالى جده لما أمات من نكص عن أمره من بني إسرائيل ومن آلافهم في التيه{[21071]} وأخرج أبناءهم منه ؛ أمر موسى عليه الصلاة والسلام بقسمة أرض الكنعانيين بين بنيهم{[21072]} بعد معرفة عددهم على منهاج ذكره{[21073]} ، ولم يذكر البنات ، وكان فيهم بنات {[21074]}لا أب{[21075]} لهن{[21076]} فسألن ميراث أبيهن ، فأنزل الله حكمهن ؛ قال في السفر الرابع من التوراة ما نصه : ولما كان بعد{[21077]} الموت{[21078]} الفاشي{[21079]} قال الرب لموسى ولليعازر{[21080]} بن هارون الحبر : احفظا عدد جماعة بني إسرائيل من ابن عشرين سنة إلى فوق ، كل من خرج للمحاربة من بين بني إسرائيل فكلما{[21081]} الجماعة في {[21082]}عربات مؤاب{[21083]} التي عند أردن أريحا ، وأخبراهم بقول الرب ، ثم أحصياهم ، فكان عددهم{[21084]} ستمائة ألف وسبعمائة وثلاثين رجلاً غير اللاويين{[21085]} سبط موسى فإنهم{[21086]} كانوا لحفظ قبة الزمان وخدمتها ، وكانوا ثلاث{[21087]} قبائل : أحدهم فغث{[21088]} فولد له عمران{[21089]} ، وكان اسم امرأة عمران{[21090]} حنة{[21091]} ابنة لوى ، ولدت له بأرض مصر هارون وموسى ومريم ، وكان عددهم في هذا الوقت ثلاثة وعشرين ألفاً ، كل ذكر منهم ابن شهر فما فوق ، ولم يكن في هؤلاء ممن أحصاه موسى وهارون حيث عدا{[21092]} بني إسرائيل في برية سيناء ، لأن الرب قال لهم : يقتلون{[21093]} في هذه المفازة ، ولا يبقى منهم رجل ما خلا {[21094]}كلاب بن يوفنا{[21095]} ويوشع{[21096]} بن نون ، ودنا بنات{[21097]} صلفحد{[21098]} من قبيلة منشى{[21099]} بن يوسف وقلن : أبونا توفي في البرية ولم يخلف ابناً ، أعطنا{[21100]} ميراثنا ، فرفع موسى أمرهن إلى الرب فقال الرب لموسى : الحق قلن{[21101]} {[21102]}أعطهن ميراثاً{[21103]} مع أعمامهن ليتبين ميراث أبيهن ، وقلن لبني إسرائيل : أي رجل مات ولم يخلف ابناً{[21104]} يعطى ميراثه ابنته ، وإن لم يكن له{[21105]} ابنة{[21106]} يعطى ميراثه إخوته ، ومن لم يكن له إخوة يعطى ميراثه أعمامه ومن لم يكن له أعمام يعطى{[21107]} ميراثه لمن كان قرابته من أهل عشيرته ، وتكون هذه سنة لبني إسرائيل في أحكامهم كما أمر الرب موسى ؛ وقال في السفر الثالث منها ما نصه سنة الخطايا{[21108]} التي{[21109]} إذا ارتكبها إنسان عوقب بالموت : وكلم الرب موسى وقال له : كلم بني إسرائيل ، وقل لهم : أنا الله ربكم ! لا تعملوا مثل أعمالكم أهل مصر التي سكنتموها ، ولا تعملوا مثل أعمال أهل كنعان التي أدخلكم إليها ولا تسيروا سنتهم{[21110]} ولكن اعملوا بأحكامي ، واحفظوا وصاياي ، وسيروا بها ، أنا الله ربكم ! احفظوا شرائعي وأحكامي .

لأن الذي يعمل بها يعيش ، أنا الرب وليس إله غيري ! ولا يجسرن{[21111]} الرجل منكم أنيكشف عورة{[21112]} قرابته ، أنا الرب وليس إله{[21113]} غيري ! ولا تكشفن{[21114]} عورة أبيك {[21115]}ولا عورة أمك ، لأنها أمك ، ولا تفضح امرأة ابنك ولا تكشف عورتها ، لان عورتها عورة ابنك{[21116]} ، ولا تفضح أختك من أبيك ومن أمك التي ولدت من أبيك ، أو أختك من أمك لا من أبيك ، لا تكشف{[21117]} عورتها ، لأن فضيحتها فضيحتك ، ولا تكشف{[21118]} عورة بنت امرأة أبيك التي ولدت من أبيك ، لأنها أختك ، ولا تكشف عورة عمتك ، لإنها أخت أبيك ، ولا تكشف عورة خالتك ، لأنها أخت أمك ، ولا تكشف عورة امرأة عمك ولا تدن من امرأته ، لأنها امرأة عمك ، ولا تكشف

عورة كنتك{[21119]} ، لأنها {[21120]}امرأة ابنك{[21121]} ، ولا تكشف عورة امرأة أخيك ، لأن فضيحتها فضيحة أخيك ، ولا تكشف عورة امرأة وبنتها ، أي لا تتزوج بهما ، ولا تكشف عورة بنت الابن ولا بنت البنت ، لأن فضيحتهما فضيحتك ، ولا تكشف عورتهما ، هن{[21122]} قرابتك وارتكابهن إثم ، ولا تتزوج أخت امرأتك في حياتها فتحزنها{[21123]} ، ولا تكشف عورتهما جميعاً في حياة امرأتك ، والمرأة إذا حاضت وطمثت{[21124]} لا تدن لتكشف عورتها ، ولا تسفح بامرأة صاحبك ولا تنجس{[21125]} ، ولا تنجس{[21126]} اسم{[21127]} إلهك ، أنا الله ربكم ! لا تضاجعن {[21128]}الذكر{[21129]} ، ولا ترتكب من الذكر ما ترتكب من المرأة ، لأنه فعل{[21130]} نجس ، ولا بهيمة ، ولا تلق زرعك فيها فتنجس بها ، والمرأة أيضاً لا تقوم بين يدي بهيمة تطأها ، لأنه فعل نجس ، لا تنجسوا منها بشيء ، فبهذه كلها تنجست{[21131]} الشعوب التي أهلكتها من بين أيديكم ، وتنجست أرضهم بفعلهم ، وعاقبتها بإثمها{[21132]} ، وتعطلت الأرض من سكانها لحال{[21133]} خطاياهم ؛ احفظوا عهودي وأحكامي ، ولا ترتكبوا شيئاً من هذه الخطايا لأن أهل البلاد التي ترثونها فعلوا هذه الأفاعيل كلها وتنجست الأرض بهم ، ولا تنجسوا الأرض لئلا تعطل منكم كما تعطلت من الشعوب{[21134]} التي كانوا يها قبلكم ، لأن كل من يفعل هذه الخطايا{[21135]} يهلك{[21136]} ؛ احفظوا شرائعي ولا ترتكبوا{[21137]} شيئاً من سير{[21138]} الخطايا التي فعلها من كان قبلكم ، ولا تنجسوا بها ، أنا الله ربكم ! .

ثم كلم الرب موسى وقال له : كلم جميع بني إسرائيل وقل لهم : تقدسوا ، لأني قدوس{[21139]} ، أنا الله ربكم ! يهاب كل امرىء منكم والديه ويكرمهما ، واحفظوا وصاياي ، لأني أنا الله ربكم ! لا تقبلوا إلى الشيطان ولا تتخذوا آلهة مسبوكة ، أنا الله ربكم ، وقال في السفر الثاني{[21140]} : ولا تصدقن الخبر الكاذب ، لا توالِ الخبيث لتكون له شاهد زور ، و{[21141]}لا تتبعن هوى الكبير فتنسى ، ولا تشايعن الكبراء{[21142]} الذين يحيفون في القضاء فتحيف{[21143]} معهم ، ولا تعن المسكين على الظلم ، لا تحيفن{[21144]} في فضاء المسكين وتباعد عن القول الكاذب . وقال في السفر الخامس : ودعا موسى بجميع بني إسرائيل وقال لهم : اسمعوا يا بني إسرائيل السنن والأحكام التي أتلوا عليكم لتعلموها وتحفظوها وتعملوا بها ، وتعلمون أن الله ربنا عاهدنا عهداً{[21145]} بأرض حوريب ، ولم يعاهد الله آباءنا{[21146]} بهذا العهد ، بل إنما عاهدنا{[21147]} ، نحن الذين ها هنا أحياناً سالمين ، وجهاً قبل وجه كلمنا الرب في النار عن الجبل ، فأنا كنت قائماً بين يدي الرب وبينكم لأظهر لكم ذلك الزمان أقول الله ربكم ، حيث فرقتم من النار ولم تصعدوا إلى الجبل ، وقال الرب : أنا الله ربكم الذي أخرجتكم{[21148]} من أرض مصر وخلصتكم من العبودية ! لا يكون لكم إله غيري ، ولا تتخذوا أصناماً ولا أشباهاً ، ولا تقسم باسم ربك كذباً ، لأن الربّ لا يزكي {[21149]}من يحلف باسمه{[21150]} كذباً ، احفظوا يوم السبت وطهروه{[21151]} - إلى أن قال ؛ لا تعملوا فيه عملاً ليستريح عبيدكم وإماؤكم معكم ، واذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر فأخرجكم الله ربكم من هناك بيد{[21152]} منيعة وذراع عظيمة ، لذلك أمركم ربكم أن تحفظوا يوم السبت ، فيكرم كل امرىء منكم والديه كما أمركم{[21153]} الله ربكم لتطول {[21154]}أعماركم ، وينعم عليكم في الأرض التي يعطيكم ، لا تقتلوا ، لا تزنوا ، لا تسرقوا ، لا يشتهين الرجل منكم امرأة صاحبه - إلى أن قال : ولا شيئاً{[21155]} مما لصاحبك - هذه الآيات التي أمر بها الرب بني إسرائيل ، وكلمهم بها في الجبل من النار بالسحاب والضباب بصوت عظيم لا يوصف ولا يحد{[21156]} ، وهي التي كتبها على لوحي الحجارة ودفعها إلى موسى النبي - فما سمعتم صوتاً من الظلمة ورأيتم ناراً تشتعل{[21157]} في الجبل تقدم إليّ رؤساؤكم{[21158]} ، وقالوا : قد أرانا{[21159]} الله ربنا مجده وكرامته وعظمته ، اليوم رأينا أن كلم الله الناس وعاشوا ، إن عدنا نسمع صوت الله ربنا متنا ، تقدم أنت واسمع ما يقول الله ربنا وقص علينا فسمع الرب صوت كلامكم حين كلمتموني{[21160]} وقال لي{[21161]} الرب : قد سمعت صوت الشعب وما قالوا لك{[21162]} ، نعم ما تكلموا به و{[21163]}يا ليت تكون لهم قلوب هكذا{[21164]} ، فتكون تسمع وتطيع وتتقوى ، ويفزعون{[21165]} من قولي ، ويحفظون جميع وصاياي ، كلها احفظوا ، واعملوا بما{[21166]} أمركم الله ربكم ولا تحيدوا يمنة ولا يسرة ، بل سيروا في كل الطريق الذي{[21167]} أمركم ربكم لتعيشوا ، وينعم عليكم ، وتطول مدتكم في الأرض التي ترثون - هذه السنن والوصايا والأحكام التي أمرني{[21168]} الله ربكم أن أعلمكم لتعلموا وتتقوا الله ربكم أنتم وبنوكم كل {[21169]}أيام حياتكم{[21170]} فتطول أعماركم ، اسمعوا يا بني إسرائيل ! الله ربنا واحد ، أحبوا الله ربكم{[21171]} في كل قلوبكم ، ولتكن هذه الآيات التي أمركم في قلوبكم أبداً ، وعلموها بنيكم ، وتكلموا{[21172]} بها إذا حضرتم في منازلكم ، وإذا سافرتم ، وإذا رقدتم ، وإذا قمتم ، و{[21173]}شدوها علامة{[21174]} على أيديكم ، ويكون ميسماً بين أعينكم ، واكتبوها على قوائم{[21175]} بيوتكم وعلى أبوابكم ، ولا تنسوا الله ربكم ، وإياه فاعبدوا و{[21176]}باسمه فأقسموا{[21177]} ، ولا تتبعوا الآلهة الأخرى التي تعبدها{[21178]} الشعوب التي حولكم ، لأن الله ربكم الحالّ فيكم هو إله غيور فاتقوه ، لا يشتد{[21179]} غضبه عليكم ، ويهلككم عن حديد الأرض ، ولا تجربوا الله ربكم كما جربتموه بالبلايا ، ولكن احفظوا وصية الله ربكم وشهادته{[21180]} وسنته التي أمركم بها ، فاعملوا الحسنات ، وأنصفوا واعدلوا لينعم عليكم ، وتدخلوا وترثوا{[21181]} الأرض المخصبة التي أقسم الله لآبائكم ، ويكسر{[21182]} جميع أعدائكم ويهزمهم قدامكم{[21183]} كما قال الرب ، فإذا سألكم بنوكم غداً وقالوا : ما الشهادة والسنة والحكومة التي أمركم الله بها ؟ قولوا لبنيكم : إنا كنا عبيداً لفرعون بأرض مصر ، وأخرجنا الرب من أرض مصر بيد منيعة ، وأنزل بأهل مصر بلاء شديداً ، وفعل ذلك بفرعون وجميع أهل بيته تجاهنا{[21184]} ، وأخرجنا الرب من هناك ليدخلنا ويعطينا الأرض التي أقسم لآبائنا ، وأمرنا الرب أن نعمل هذه السنن كلها ، وأن نتقي الله ربنا لينعم كل أيامنا{[21185]} ، ويحيينا بالخير{[21186]} والنعم ، ويكون {[21187]}ربنا بنا براً{[21188]} إذا حفظنا هذه الوصية كلها ، وعلمناها{[21189]} أمام الله ربنا كما أمرنا .

وقال في السفر الخامس{[21190]} : ولا تكف{[21191]} يدك عن العطاء والصدقة على{[21192]} أخيك المسكين ، ولكن يصدق بعضكم على بعض ، ويعطي بعضكم بعضاً ، ولا يضيق قلبك ، ولا تحزن{[21193]} إذا صدقت على أخيك ، لأنك إذا فعلت هذا القول وأوسعت على أخيك يبارك الله{[21194]} لك{[21195]} في جميع أعمالك ، وفي كل ما تمد يدك إليه ، من أجل أن الأرض لا تعدم{[21196]} المساكين ، فلذلك آمرك - والعزم{[21197]} إليك - أن تمد يدك{[21198]} إلى أخيك المسكين ، وتصدق على الفقير في الأرض . وقال فيه : أنصفوا بين إخوتكم وأحكموا بالحق ولا تحيفوا في القضاء ، واسمعوا من الصغير كما تسمعون من الكبير ، ولا تهابوا الرجل ولو عظم شأنه وكثرت أمواله ، لأن القضاء لله .

وقال فيه : صيروا لكم قضاة{[21199]} وكتاباً في جميع قراكم ، وتقضون للشعب قضاء العدل والبر{[21200]} ، ولا تحيفن{[21201]} في القضاء ، ولا تحابوا ولا ترتشوا ، لأن الرشوة تعمي{[21202]} أعين الحكام في القضاء ، ولكن أقضي بالحق لتعيشوا وتبقوا{[21203]} وترثوا الأرض التي يعطيكم الله ربكم - فقد علم من هذا أصول غالب ما ذكره تعالى في هذه السورة مع ما تقدم من أشكاله في البقرة عند قوله تعالى :

{ وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله{[21204]} }[ البقرة : 83 ] وغيرها من الآيات ، وفي آل عمران أيضاً ، وأما حد الزاني وأمر القتل والجراح فسيذكر إن شاء الله تعالى في المائدة .


[21017]:في ظ: فتفكر.
[21018]:زيد من مد.
[21019]:في ظ: العاطفة.
[21020]:سقط من ظ.
[21021]:في مد: لم يختصهم.
[21022]:في مد: أنعمت.
[21023]:من ظ ومد، وفي الأصل: بالإحصان.
[21024]:زيد من ظ ومد.
[21025]:من ظ ومد، وفي الأصل: وا، كذا.
[21026]:من مد، وفي الأصل: لسنتهم، وفي ظ: ألسنتهم.
[21027]:زيد من ظ ومد.
[21028]:في ظ: الإسلام.
[21029]:من ظ ومد، وفي الأصل: مثبوت.
[21030]:في ظ: أعب ـ كذا.
[21031]:في ظ: النبي.
[21032]:في ظ: النبي.
[21033]:من مد، وفي الأصل وظ: في.
[21034]:في ظ: البخاري.
[21035]:من مد والترمذي ـ الفرائض، وفي الأصل وظ: فقال ـ كذا.
[21036]:من مد والترمذي ، وفي الأصل وظ: ولم يدع.
[21037]:في ظ: لا ينكحان.
[21038]:من ظ ومد، والترمذي، ووقع في الأصل: يعني ـ كذا مصحفا.
[21039]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[21040]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[21041]:من ظ ومد، والترمذي، وفي الأصل: أعطى.
[21042]:في مد: الدارقطني.
[21043]:في مد: عمهما.
[21044]:من سنن الدارقطني ـ الفرائض، وفي الأصول: مجلسها.
[21045]:من ظ ومد والسنن، وفي الأصل: جاءت.
[21046]:في مد: فجاءه.
[21047]:من ومد والإصابة 1/81، وفي الأصل: يورثون.
[21048]:من ومد والإصابة 1/81، وفي الأصل: يورثون.
[21049]:من الإصابة، وفي الأصول: الموالي.
[21050]:زيد من الإصابة.
[21051]:العبارة من هنا إلى "قتادة وعرفطة" سقطت من مد.
[21052]:سقط من ظ.
[21053]:من ظ ومد والإصابة، وفي الأصل: تفسير.
[21054]:في ظ: فوقع.
[21055]:في ظ: أجزا ـ كذا.
[21056]:من الإصابة، وفي الأصول: وين ـ كذا، وزيد بعده في الإصابة: وذكر ابن منده في ترجمته أنه أوس بن ثابت أخو حسان، وهو خطأ لأن أوسا ليس له أحد من إخوته ولا من أعمامه يسمى عرطفة ولا خالدا.
[21057]:في الأصل ومد: أم كحة، وفي ظ: أم لحه ـ كذا، والتصحيح من ترجمتها في الإصابة 8/270، وأما هنا فقد ثبت في الإصابة أيضا: أم كحة.
[21058]:من الإصابة، وفي الأصل ومد: أم كحة، وفي ظ: أم لجه ـ كذا.
[21059]:زوى الشيء عنه: منعه، وفي الأصول: فروى، والتصحيح من الكشاف 1/192.
[21060]:زيد بعده في ظ: للذكر.
[21061]:في الكشاف: ابني.
[21062]:في الأصول: ابنه كجه، والتصحيح من الإصابة 8/271، حيث سيقت هذه الرواية إحالة على الطبري بفرق يسير.
[21063]:من مد والإصابة، وفي الأصل: فلم ترث، وفي ظ: فلم نرث.
[21064]:من مد والإصابة، وفي الأصل وظ: قال.
[21065]:من الإصابة، وفي الأصول: أم كحة.
[21066]:من الإصابة، وفي الأصول: أم كحة.
[21067]:زيد من الإصابة، والعبارة من بعده إلى "عليه وسلم" ساقطة من مد.
[21068]:من الإصابة، وفي الأصول: أم كحة.
[21069]:من مد، وفي الأصل وظ: آية.
[21070]:في ظ: حلى.
[21071]:من مد، وفي الأصل وظ: النية ـ كذا.
[21072]:من مد، وفي الأًصل وظ: بينهم.
[21073]:من ظ ومد، وفي الأصل: ذكرهم.
[21074]:من ظ ومد، وفي الأصل: لأب.
[21075]:من ظ ومد، وفي الأصل: لأب.
[21076]:زيد من ظ ومد.
[21077]:من ظ ومد، وفي الأصل: بعض.
[21078]:سقط من ظ.
[21079]:سقط من ظ.
[21080]:من ظ ومد، وفي الأصل: الفاسي ـ كذا.
[21081]:من مد وتاريخ اليعقوبي 1/41، وفي الأصل: للعادر، وفي ظ: اللعازر.
[21082]:من مد، وفي الأصل وظ: أحفظ.
[21083]:من ظ ومد، وفي الأصل: فكما.
[21084]:في الأصل: عربية مواب، وفي ظ: عربته مرات، وفي مد: عزنية مواب، والتصحيح من كتاب أسفار موسى الخمسة المطبوعة ببيروت سنة 1862م ـ الإصحاح الثاني والعشرون من السفر الرابع.
[21085]:زيد في الأصل ومد: إحدى و، وفي ظ: أحدا و ـ كذا.
[21086]:من مد، وفي الأصل: الأوبين، وفي ظ: اثنين ـ كذا.
[21087]:من مد، وفي الأصل وظ: بأنهم.
[21088]:في الأصول: ثلاثة.
[21089]:من تاريخ اليعقوبي 1/33، وفي الأصل: فافات، وفي ظ ومد: فاهاث.
[21090]:من التاريخ، وفي الأصل ومد: عمرم، وفي ظ: عموم ـ كذا.
[21091]:من التاريخ 7/68، وفي الأصل وظ: يوحان، وفي مد: يوحانا.
[21092]:من ظ ومد، وفي الأصل: عد.
[21093]:من ظ ومد، وفي الأصل: تقتلون.
[21094]:من تاريخ الطبري 1/226، وفي الأصل ومد: كالأب بن يوفثا، وفي ظ: كالأب بن يوفشا.
[21095]:من تاريخ الطبري 1/226، وفي الأصل ومد: كالأب بن يوفثا، وفي ظ: كالأب بن يوفشا.
[21096]:من تاريخ الطبري ، وفي الأصل وظ: يسوع، وفي مد: يشوع.
[21097]:في ظ: بينات ـ كذا.
[21098]:في مد: صلفد.
[21099]:من ظ ومد وتاريخ اليعقوبي 1/31؛ وفي الأصل : سنا.
[21100]:في ظ: منشا ـ كذا.
[21101]:سقط من ظ.
[21102]:من ظ ومد، وفي الأصل: أعظمهن ميراث.
[21103]:من ظ ومد، وفي الأصل: أعظمهن ميراث.
[21104]:زيد من ظ ومد.
[21105]:سقط من ظ.
[21106]:في ظ: ابنه، وفي مد: بنت.
[21107]:من ظ ومد، وفي الأصل: فيعطى.
[21108]:في ظ: الخطأ.
[21109]:من ظ ومد، وفي الأصل: الذي.
[21110]:من ظ ومد، وفي الأصل: بينتهم ـ كذا.
[21111]:في ظ ومد: لا يخسرن.
[21112]:في ظ: عورته.
[21113]:سقط من ظ ومد.
[21114]:من ظ ومد، وفي الأصل: لا تكشف.
[21115]:من ظ ومد، وفي الأصل: لا تكشف.
[21116]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21117]:في ظ ومد: أبيك ـ كذا.
[21118]:في مد: لا تكشفن.
[21119]:في ظ: ابنتك.
[21120]:في ظ: ابنتك، والعبارة من بعده إلى "لا تتزوج بهما" ساقطة من ظ.
[21121]:في ظ: ابنتك، والعبارة من بعده إلى "لا تتزوج بهما" ساقطة من ظ.
[21122]:من مد، وفي الأصل وظ: من.
[21123]:من مد، وفي الأصل: فتحريمها، وفي ظ: تحرمها.
[21124]:في ظ: طمت.
[21125]:من مد، وفي الأصل: لا نتحسن، وفي ظ: لا تحسن ـ كذا.
[21126]:في ظ: لا تنحس ـ كذا.
[21127]:من ظ ومد، وفي الأصل: أم.
[21128]:في ظ: لا يضاجعن.
[21129]:في مد: الذكور.
[21130]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21131]:من ظ ومد، وفي الأصل: تنجس.
[21132]:من مد، وفي الأصل وظ: باسمها.
[21133]:في ظ: بحال.
[21134]:ليس في ظ.
[21135]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21136]:من مد، وفي الأصل وظ: يملك.
[21137]:في مد: لا تركبوا.
[21138]:من ظ ومد، وفي الأصل: مسير.
[21139]:في الأصول: قدس، والتصحيح من كتاب أسفار موسى الخمسة ـ الإصحاح التاسع عشر من السفر الثالث.
[21140]:في ظ: الرابع.
[21141]:سقطت الواو من مد.
[21142]:من مد، وفي الأصل: الكبير، وفي ظ: الكثير.
[21143]:من مد، وفي الأصل: فيحيف، وفي ظ: فنحيف ـ كذا.
[21144]:في ظ: لا تحفين.
[21145]:زيد بعده في الأصل: رض ـ كذا، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[21146]:من ظ ومد، وفي الأصل: أمانا.
[21147]:من ظ ومد، وفي الأصل: يعاهدنا.
[21148]:في مد: أخرجكم.
[21149]:من ظ ومد، وفي الأصل: حلف بأحد ـ كذا.
[21150]:من ظ ومد، وفي الأصل: حلف بأحد ـ كذا.
[21151]:في ظ: ظهوره ـ كذا.
[21152]:من ظ ومد، وفي الأصل: بيد ـ كذا.
[21153]:في ظ: أمر.
[21154]:من مد، وفي الأصل وظ: ليطول.
[21155]:من ظ ومد، وفي الأصل: سببا.
[21156]:من مد، وفي الأصل وظ: لا يجحد.
[21157]:في ظ: تشعل.
[21158]:من مد، وفي الأصل وظ: روساوه.
[21159]:في ظ: رانا.
[21160]:زيد ما بين الحاجزين من كتاب أسفار موسى الخمسة لتستقيم العبارة ـ الإصحاح الخامس من السفر الخامس.
[21161]:في ظ: في .
[21162]:من ظ ومد، وفي الأصل: ذلك.
[21163]:في الأصول: أنت تكون لهم ـ كذا، ومبنى التصحيح ما ورد في أسفار موسى: يا ليت قلبهم كان هكذا فيهم.
[21164]:في الأصول: أنت تكون لهم ـ كذا، ومبنى التصحيح ما ورد في أسفار موسى: يا ليت قلبهم كان هكذا فيهم.
[21165]:من ظ ومد، وفي الأصل: يفزعن، وفي مد: تفزعون ـ كذا.
[21166]:من ظ ومد، وفي الأصل: مما.
[21167]:من ظ ومد، وفي الأصل: الذين.
[21168]:من مد، وفي الأصل وظ: أمركم.
[21169]:في ظ: يوم جاتكم.
[21170]:في ظ: يوم جاتكم.
[21171]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21172]:في ظ: تعلموا.
[21173]:من ظ ومد، وفي الأصل: سدوها طلامة ـ كذا.
[21174]:من ظ ومد، وفي الأصل: سدوها طلامة ـ كذا.
[21175]:من أسفار موسى الإصحاح السادس من السفر الخامس، وفي الأصول: معاقم ـ كذا.
[21176]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21177]:في ظ: اقتسموا.
[21178]:في ظ: يعبدها.
[21179]:في مد: لا تشتد.
[21180]:من ظ ومد، وفي الأصل: شهادة.
[21181]:من ظ ومد، وفي الأصل: تزلوا ـ كذا.
[21182]:من ظ ومد، وفي الأصل: تكسر.
[21183]:من ظ ومد، وفي الأصل: إقدامكم.
[21184]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[21185]:من مد، وفي الأصل وظ: أباينا.
[21186]:من ظ ومد، وفي الأصل: بخير ـ كذا.
[21187]:في ظ: تنايرا ـ كذا.
[21188]:في ظ: تنايرا ـ كذا.
[21189]:من ظ ومد، وفي الأصل: عملناها.
[21190]:في ظ: السادس.
[21191]:في ظ: لا نطلت ـ كذا.
[21192]:من ظ ومد، وفي الأصل: عن.
[21193]:في ظ: لا يحزن.
[21194]:في ظ: اللهم.
[21195]:من ظ ومد، وفي الأصل: لكم.
[21196]:من مد، وفي الأصل وظ: لا تقدم.
[21197]:في ظ: انفدم.
[21198]:في ظ: يديك.
[21199]:من مد، وفي الأصل وظ: قضاه.
[21200]:في ظ: الأمير ـ كذا.
[21201]:من مد، وفي الأصل: لا تخيفن، وفي ظ: لا يحفن ـ كذا.
[21202]:في ظ: يعمى.
[21203]:من ظ ومد، وفي الأصل: تتبعوا.
[21204]:آية 83.