الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (73)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة}، يعني الملكانيين، قالوا: الله والمسيح ومريم، يقول الله عز وجل تكذيبا لقولهم: {وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون} من الشرك {ليمسن}، يعني ليصيبن {الذين كفروا منهم عذاب أليم}، يعني وجيع، والقتل بالسيف، والجزية على من بقي منهم عقوبة.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وهذا أيضا خبر من الله تعالى ذكره عن فريق آخر من الإسرائيليين الذين وصف صفتهم في الآيات قبل أنه لما ابتلاهم بعد حسبانهم أنهم لا يتبلون ولا يفتنون، قالوا -كفرا بربهم وشركا-: الله ثالث ثلاثة. وهذا قول كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكانية والنسطورية، كانوا فيما بلغنا يقولون: الإله القديم جوهر واحد يعمّ ثلاثة أقانيم: أبا والدا غير مولود، وابنا مولودا غير والد، وزوجا متتبعة بينهما. يقول الله تعالى ذكره مكذّبا لهم فيما قالوا من ذلك:"وما مِنْ إلهٍ إلاّ إلهٌ وَاحِدٌ" يقول: ما لكم معبود أيها الناس إلا معبود واحد، وهو الذي ليس بوالد لشيء ولا مولود، بل هو خالق كلّ والد ومولود. "وإنْ لم يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ "يقول: إن لم ينتهوا قائلو هذه المقالة عما يقولون من قولهم: الله ثالث ثلاثة، "لَيَمَسّنّ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ" يقول: ليمسنّ الذين يقولون هذه المقالة، والذين يقولون المقالة الأخرى: هو المسيح ابن مريم، لأن الفريقين كلاهما كفرة مشركون، فلذلك رجع في الوعيد بالعذاب إلى العموم. ولم يقل: «ليمسنهم عذاب أليم»، لأن ذلك لو قيل كذلك صار الوعيد من الله تعالى ذكره خاصّا لقائل القول الثاني، وهم القائلون: الله ثالث ثلاثة، ولم يدخل فيهم القائلون: المسيح هو الله. فعمّ بالوعيد تعالى ذكره كل كافر، ليعلم المخاطبون بهذه الآيات أن وعيد الله وقد شمل كلا الفريقين من بني إسرائيل ومن كان من الكفار على مثل الذي هم عليه.

فإن قال قائل: وإن كان الأمر على ما وصفت فعلى من عادت الهاء والميم اللتان في قوله: «مِنْهُمْ»؟ قيل: على بني إسرائيل.

فتأويل الكلام إذ إن الأمر على ما وصفنا: وإن لم ينته هؤلاء الإسرائيليون عما يقولون في الله من عظيم القول، ليمسنّ الذين يقولون منهم إن المسيح هو الله والذين يقولون إن الله ثالث ثلاثة وكلّ كافر سلك سبيلهم عذابٌ أليم بكفرهم بالله.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

قوله:"وإن لم ينتهوا عما يقولون" أي إن لم يرجعوا ويتوبوا عما يقولون من القول بالتثليث أقسم "ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم "يعني الذين يستمرون على كفرهم والمس -هاهنا – ما يكون معه إحساس وهو حلوله فيه، لأن العذاب لا يمس الحيوان إلا أحس به، ويكون المس بمعنى اللمس، لأن في اللمس طلبا لإحساس الشيء، فلهذا اختير هاهنا المس. واللمس: ملاصقة معها إحساس، وإنما قال "ليمسن الذين كفروا منهم" لأمرين: أحدهما- ليعم الوعيد الفريقين الذين قالوا إن الله: هو المسيح ابن مريم، والذين قالوا: هو ثالث ثلاثة، والضمير عائد إلى أهل الكتاب. الثاني -أنه من أقام منهم على الكفر لزمه هذا الوعيد.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

"من" في قوله: {وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد} للاستغراق وهي القدرة مع (لا) التي لنفي الجنس في قولك {لاَ إله إِلاَّ الله} والمعنى: وما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له، وهو الله وحده لا شريك له: و (من) في قوله: {لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ} للبيان كالتي في قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [الحج: 30].

فإن قلت: فهلا قيل: ليمسنهم عَذَابٌ أَلِيمٌ. قلت: في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله: {لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ} وفي البيان فائدة أخرى وهي الإعلام في تفسير (الذين كفروا منهم) أنهم بمكان من الكفر. والمعنى: ليمسنّ الذين كفروا من النصارى خاصة {عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي نوع شديد الألم من العذاب.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

هذه الآية إخبار مؤكد كالذي قبله، وهو عن هذه الفرقة الناطقة بالتثليث وهي- فيما يقال- الملكية، وهم فرق منهم النسطورية وغيرهم، ولا معنى لذكر أقوالهم في كتاب تفسير، إنما الحق أنهم على اختلاف أحوالهم كفار من حيث جعلوا في الألوهية عدداً ومن حيث جعلوا لعيسى عليه السلام حكماً إلهياً، وقوله تعالى {ثالث ثلاثة} لا يجوز فيه إلا الإضافة وخفض {ثلاثةٍ} لأن المعنى... وقوله تعالى {وما من إله إلا إله واحد} خبر صادع بالحق، وهو الخالق المبتدع المتصف بالصفات العلى تعالى عما يقول المبطلون، ثم توعد تبارك وتعالى هؤلاء القائلين هذه العظيمة بمس العذاب، وذلك وعيد بعذاب الدنيا من القتل والسبي، وبعذاب الآخرة بعد، لا يفلت منه أحد منهم.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} أكد تعالى بالقسم أيضا كفر الذين قالوا إن الله هو خالق السماوات والأرض وما بينهما ثالث أقانيم ثلاثة، وهي الأب والابن وروح القدس، قال ابن جرير: وهذا قول كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكانية والنسطورية. كانوا فيما بلغنا يقولون: الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم – أبا والدا غير مولود، وابنا مولودا غير والد، وزوجا متتبعة بينهما. اه فكان هو وكثير من المفسرين والمؤرخين المتقدمين يرون – بحسب معرفتهم بحال نصارى زمنهم وما يروون عمن قبلهم – أن الذين يقولون من النصارى إن إلههم ثالث ثلاثة؛ هم غير الفرقة التي تقول منهم: إن الله هو المسيح ابن مريم. وأن ثم فرقة ثالثة تقول: إن المسيح هو ابن الله وليس هو الله، ولا ثالث ثلاثة. وأما النصارى المتأخرون فالذي نعرفه منهم وعنهم أنهم يقولون بالثلاثة الأقانيم، بأن كل واحد منها عين الآخر. فالأب عين الابن وعين روح القدس، ولما كان المسيح هو الابن كان عين الأب وروح القدس أيضا. ومن العجيب أن بعض متأخري المفسرين ينقلون أقوال من قبلهم في أمثال هذه المسائل ويقرونها، ولا يبحثون عن حال أهل زمنهم، ولا يشرحون حقيقة عقيدتهم. وقد سبق لنا بيان عقيدة التثليث، وكون النصارى أخذوها عن قدماء الوثنين، فارجع إلى تفسير {ولا تقولوا ثلاثة} في أواخر سورة النساء (ج 6 تفسير) وبينا قبليها عقيدة الصلب والفداء (ج6 تفسير) ثم بينا عقيدة التثليث في تفسير الآية ال 19 من السورة (ج 6 تفسير).

قال تعالى ردا عليهم {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ} أي قالوا قولهم هذا بلا روية ولا بصيرة، والحال أنه ليس في الوجود ثلاثة آلهة ولا اثنان ولا أكثر من ذلك – لا يوجد إله ما إلا إله متصف بالوحدانية. وهو الله الذي لا تركيب في ذاته ولا تعدد.

وهذه العبارة أشد تأكيدا لنفي تعدد الإله من عبارة: لا إله إلا إله واحد. لأن (من) بعد (ما) تفيد استغراق النفي وشموله لكل نوع من أنواع المتعدد كل فرد من أفراده؛ فليس ثم تعداد ذوات وأعيان، ولا تعدد الأجناس والأنواع، ولا تعدد جزئيات أو أجزاء. والنصارى قد اقتبسوا عقيدة التثليث عمن قبلهم ولم يفهموها، وعقلاؤهم يتمنون لو يقدرون على التفصي منها، ولكنهم إذا أنكروها بعد هذه الشهرة تبطل ثقة العامة بالنصرانية كلها. كما قال أحد عقلاء القسوس لبعض أهل العلم العصري من الشبان السوريين.

ومن الغريب أنهم يعترفون بأن هذه العقيدة لا تعقل، ولكن بعضهم يحاول تأنيس النفوس بها، بضرب أمثلة لا تصدق عليها، ككون الشمس مركبة من الجرم المشتعل والنور والحرارة...

{لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي وإن لم ينتهوا عن قولهم بالتثليث ويتركوه، ويعتصموا بعروة التوحيد الوثقى ويعتقدوه، فوالله ليصيبنهم بكفرهم عذاب شديد الألم في الآخرة. فوضع (الذين كفروا) موضع الضمير ليثبت أن ذلك القول كفر بالله، وإن الكفر سبب العذاب الذي توعدهم به، ويبين أن هذا العذاب لا يمس إلا الذين كفروا منهم خاصة بالتثليث أو غيره، دون من تاب وأناب إلى الله تعالى، إذ ليس عذاب الآخرة كعذاب الأمم في الدنيا يشترك فيه المذنبون وغيرهم. وقيل إن (من) بيانية.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

استئناف قصد منه الانتقال إلى إبطال مقالة أخرى من مقالات طوائف النّصارى، وهي مقالة (المَلْكَانِيَّةِ المُسَمَّيْن بالجِعاثليقِيَّة)، وعليها معظم طوائف النّصارى في جميع الأرض. وقد تقدّم بيانها عند قوله تعالى: {فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة} من سورة النّساء (171)، وأنّ قوله فيها {ولا تقولوا ثلاثة} يجمَع الردّ على طوائف النّصارى كلّهم. والمراد ب {قالوا} اعتقدوا فقالوا، لأنّ شأن القول أن يكون صادراً على اعتقاد، وقد تقدّم بيان ذلك.

ومعنى قولهم: {إنّ الله ثالث ثلاثة} أنّ ما يعرفُه النّاسُ أنّهُ اللّهُ هو مجموع ثلاثةِ أشياء، وأنّ المستحقّ للاسم هو أحد تلك الثّلاثة الأشياء. وهذه الثّلاثة قد عبّروا عنها بالأقانِيم وهي: أقنوم الوجود، وهو الذات المسمّى الله، وسمّوه أيضاً الأبَ؛ وأقنوم العِلم، وسمَّوه أيضاً الابنَ، وهو الّذي اتّحد بعيسى وصار بذلك عيسى إلهاً؛ وأقنوم الحياة وسَمَّوه الرّوحَ القُدُس. وصار جمهورهم، ومنهم الرَّكُوسية طائفة من نصارى العرب، يقولون: إنّه لمّا اتّحد بمريم حينَ حمْلها بالكلمة تألَّهَتْ مريم أيضاً، ولذلك اختلفوا هل هي أمّ الكلمة أم هي أمّ الله.

فقوله: {ثالث ثلاثة} معناه واحد من تلك الثّلاثة، لأنّ العرب تصوغ من اسم العدد من اثنين إلى عشرة، صيغة فاعِل مضافاً إلى اسم العدد المشتقّ هُو منه لإرادة أنّه جزء من ذلك العَدد نحو {ثاني اثنين} [التوبة: 40]، فإن أرادوا أنّ المشتقّ له وزنُ فاعل هو الّذي أكْمَلَ العدد أضافوا وزنَ فاعل إلى اسم العدد الّذي هو أرقَى منه فقالوا: رابِعُ ثلاثة، أي جَاعل الثلاثة أربعة.

وقوله: {وما من إله إلاّ إله واحد} عطف على جملة {لقد كفر} لبيان الحقّ في الاعتقاد بعد ذكر الاعتقاد الباطل.

ويجوز جعل الجملة حالاً من ضمير {قالوا}، أي قالوا هذا القول في حال كونه مخالفاً للواقع، فيكون كالتّعليل لكفرهم في قولهم ذلك، ومعناه على الوجهين نفي عن الإله الحقّ أن يكون غير واحد فإنّ (مِن) لتأكيد عموم النّفي فصار النّفي ب {ما} المقترنة بها مساوياً للنّفي ب (لا) النّافية للجنس في الدلالة على نفي الجنس نصّاً.

وعدل هنا عن النّفي بلا التبرئة فلم يُقل (ولا إله إلاّ إله واحد) إلى قوله: {وما من إله إلاّ إله واحد} اهتماماً بإبراز حرف (مِن) الدالّ بعد النّفي على تحقيق النّفي، فإنّ النّفي بحرف (لا) ما أفاد نفي الجنس إلاّ بتقدير حرف (من)، فلمّا قصدت زيادة الاهتمام بالنّفي هنا جيء بحرف (مَا) النّافية وأظهر بعده حرف (من). وهذا ممّا لم يتعرّض إليه أَحدٌ من المفسّرين.

وقوله: {إلاّ إله واحد} يفيد حصر وصف الإلهيّة في واحد فانتفى التثليث المحكي عنهم. وأمّا تعيين هذا الواحد مَن هو، فليس مقصوداً تعيينه هنا لأنّ القصد إبطال عقيدة التثليث فإذا بطل التثليث، وثبتت الوحدانيّة تعيّن أنّ هذا الواحد هو الله تعالى لأنّه متّفق على إلهيّته، فلمّا بطلت إلهيّة غيره معه تمحّضت الإلهيّة له فيكون قوله هنا {وما من إله إلاّ إله واحد} مساوياً لقوله في سورة آل عمران (62) وما من إله إلاّ الله}، إلاّ أنّ ذكر اسم الله تقدّم هنا وتقدّم قول المبطلين (إنّه ثالث ثلاثة) فاستغني بإثبات الوحدانيّة عن تعيينه. ولهذا صرّح بتعيين الإله الواحد في سورة آل عمران (62) في قوله تعالى: {وما من إله إلاّ الله} إذ المقام اقتضى تعيين انحصار الإلهيّة في الله تعالى دون عيسى ولم يجر فيه ذكر لتعدّد الآلهة.

وقوله: {وإن لم ينتهوا عمّا يقولون لَيَمَسَّنّ الّذين كفروا منهم عذاب أليم} عطف على جملة {لقد كفر الّذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة}، أي لقد كفروا كفراً إن لم ينتهوا عنه أصابهم عذاب أليم. ومعنى {عمّا يقولون} أي عن قولهم المذكور آنفاً وهو {إنّ الله ثالث ثلاثة}. وقد جاء بالمضارع لأنّه المناسب للانتهاء إذ الانتهاء إنّما يكون عن شيء مستمرّ كما ناسب قوله {قَالوا} قولَهُ {لقد كفر}، لأنّ الكفر حصل بقولهم ذلك ابتداء من الزّمن الماضي. ومعنى {عمّا يقولون} عمّا يعتقدون، لأنّهم لو انتهوا عن القول باللّسان وأضمروا اعتقاده لما نفعهم ذلك، فلمّا كان شأن القول لا يصدر إلاّ عن اعتقاد كان صالحاً لأن يكون كناية عن الاعتقاد مع معناه الصّريح. وأكّد الوعيد بلام القسم في قوله {ليمسّنّ} ردّاً لاعتقادهم أنّهم لا تمسّهم النّار، لأنّ صلب عيسى كان كفّارة عن خطايا بني آدم.

والمسّ مجاز في الإصابة، لأنّ حقيقة المسّ وضع اليد على الجسم، فاستعمل في الإصابة بجامع الاتّصال، كقوله تعالى: {والّذين كذّبوا بآياتنا يمسّهم العذاب بما كانوا يفسقون} [الأنعام: 49]، فهو دالّ على مطلق الإصابة من غير تقييد بشدّة أو ضعف، وإنّما يُرجع في الشدّة أو الضعف إلى القرينة، مثل {أليم} هنا، ومثل قوله {بما كانوا يفسقون} [الأنعام: 49] في الآية الأخرى...

... والمراد ب {الّذين كفروا} عينُ المراد ب {الّذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة} فعُدل عن التّعبير عنهم بضميرهم إلى الصّلة المقرّرة لمعنى كفرهم المذكور آنفاً بقوله: {لقد كفر الّذين قالوا} إلخ، لقصد تكرير تسجيل كفرهم وليكون اسم الموصول مومئاً إلى سبب الحكم المخبر به عنه. وعلى هذا يكون قوله {مِنْهم} بياناً للّذين كفروا قصد منه الاحتراس عن أن يتوهّم السامع أنّ هذا وعيد لكفّار آخرين.

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (73)

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (73)

ولما انقضى هذا النقض ، وقدمه لأنه كما مضى أشد ، أتبعه إبطال دعوى التثليث بقوله مبدلاً من تلك النتيجة نتيجة أخرى : { لقد كفر الذين قالوا } بجرأة على الكلام المتناقض وعدم حياء { إن الله } أي على ما له من العظمة التي منها الغنى المطلق { ثالث } أي واحد { ثلاثة } أي كلهم آلهة{[27079]} ، وأما القائل بأنه ثالث بالعلم فلا يكفر .

ولما أعلم بكفرهم ، أشار إلى إبطاله كما أشار إلى إبطال الأول كما سلف بما لا يخفى على أحد ، تحقيقاً لتلبسهم بمعنى الكفر الذي هو ستر ما هو ظاهر فقال : { وما } وأغرق في النفي كما هو الحق واقتضاه المقام فقال : { من إله إلا إله واحد } أي قالوا ذلك والحال أنه لا يصح ولا يتصور في العقل أن يكون الإله متعدداً لا تحقيقاً ولا تقديراً بوجه من الوجوه ، لا يكون إلا واحداً بكل اعتبار ، وهو الله تعالى لا غيره ، وقد بين عيسى عليه السلام في الإنجيل الذي بين أظهرهم أنه{[27080]} لا يصح أن يكون الإله إلا واحداً - بالمعتمد من أدلة ذلك عند محققي أهل الأصول وهو برهان التمانع المشار إليه في كتابنا بقوله تعالى{ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا{[27081]} }[ الأنبياء : 22 ] فقال مترجمهم في إنجيل متى : حينئذ أتى إليه - أي عيسى عليه السلام - بأعمى أخرس{[27082]} به شيطان ، فأبرأه حتى أنه تكلم وأبصر ، فبهت الجمع كلهم وقالوا : لعل هذا هو ابن داود ! فسمع الفريسيون فقالوا : هذا لا يخرج الشياطين إلا بباعل زبول رئيس الشياطين ، فلما علم مكرهم قال لهم : كل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب ، وكل مدينة أو بيت ينقسم لا يثبت{[27083]} ، فإن كان الشيطان يخرج{[27084]} الشيطان فقد انقسم فكيف يقوم ملكه ؟ فإن كنت أنا أخرج الشياطين{[27085]} بباعل زبول فأبناؤكم بما{[27086]} تخرجونهم ! من أجل هذا هم يكونون{[27087]} عليكم ، وإن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد قربت منكم ملكوت الله ، وكيف يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي ويخطف متاعه إلا أن يربط القوي{[27088]} أولاً ، حينئذ ينهب بيته . وقال مرقس{[27089]} : وأما{[27090]} الكتبة الذين{[27091]} أتوا من يروشليم فقالا : إن بعل زبول معه ، وباركون{[27092]} الشياطين يخرج الشياطين ؛ فدعاهم وقال لهم : كيف يقدر شيطان أن يخرج شيطاناً ! وكل مملكة تنقسم لا تثبت تلك المملكة ، فإذا اختلف أهل البيت لا يثبت ذلك البيت ، وإن كان الشيطان الذي يقاوم بقيته وينقسم فلن يقدر أن يثبت ، لكن له انقضاء ، لا يقدر أحد أن يدخل بيت{[27093]} القوي وينتهب بيته إلا أن يربطه{[27094]} أولاً ، وينتهب متاعه ، الحق أقول لكم !{[27095]} إن كل{[27096]} شيء يغفر{[27097]} لبني الناس من الخطايا والتجديف الذي يجدفونه{[27098]} ، والمجدفين على روح القدس ليس يغفر لهم إلى لأبد ، بل يحل بهم العقاب الدائم ، لأنهم يقولون : إن معه روحاً نجساً . قال متى : من ليس معي فهو{[27099]} عليّ ، ومن لا يجمع معي فهو{[27100]} يفرق ، من أجل هذا أقول لكم : إن كل خطيئة وتجديف يترك للناس ، والتجديف على روح{[27101]} القدس لا يترك ، و{[27102]} من يقل كلمة على ابن الإنسان يترك{[27103]} له ، والذي يقول على روح القدس لا يترك له في هذا الدهر ولا في الآتي ، إما{[27104]} أن تصيروا الشجرة الجيدة وثمرتها جيدة ، وإما أن تصيروا الشجرة الرديئة وثمرتها رديئة ، لأن من الثمرة تعرف الشجرة ، يا أولاد الأفاعي ! كيف{[27105]} تقدرون أن تتكلموا{[27106]} بالصلاح وأنتم أشرار ! إنما يتكلم الفم من فضل ما في القلب ، الرجل الصالح من كنزه الصالح{[27107]} يخرج الصلاح ، والرجل الشرير من كنزه الشرير يخرج الشر ، أقول لكم{[27108]} : إن كل{[27109]} كلمة يتكلم بها الناس بطالة يعطون عنها جواباً في يوم الدين ، لأنك من كلامك تبرّر ، ومن كلامك يحكم عليك .

وفي إنجيل لوقا : وفيما هو يتكلم إذ{[27110]} رفعت امرأة من الجمع صوتها وقالت : طوبى لبطن التي حملتك ، ولثدي التي أرضعتك ، فقال لها{[27111]} : مهلاً ! طوبى لمن يسمع كلام الله ويحفظه - انتهى . حينئذ{[27112]} أجابه قوم من الكتبة والفريسين قائلين : نريد يا معلم أن ترينا آية ، أجابهم وقال لهم : الجيل الشرير الفاسق يطلب آية فلا يعطي آية إلا آية يونان النبي ؛ قال لوقا : فكما{[27113]} كان في يونان آية لأهل نينوى ، كذلك يكون ابن الإنسان لهذا الجيل آية - انتهى . رجال نينوى يقومون في الحكم ويحاكمون هذا الجيل ، لأنهم تابوا بكريزة يونان - وقال لوقا : بإنذار يونان - وهاهنا أفضل من يونان ، ملكة التيمن تقوم{[27114]} في الحكم مع هذا الجيل وتحاكمه ، لأنها أتت من أقصى الأرض لتسمع من حكمة سليمان ، {[27115]} وههنا أفضل من سليمان{[27116]} ، إن الروح النجس إذا خرج من الإنسان يأتي أمكنة ليس فيها{[27117]} ماء ، يطلب راحة فلا يجد ، فيقول حينئذ : أرجع إلى بيتي الذي خرجت منه ، فيأتي فيجد المكان فارغاً مكنوساً مزيناً ، فيذهب حينئذ ويأخذ معه سبعة أرواح أخر شراً منه ويأتي ويسكن هناك ، فتصير آخرة ذلك الإنسان شراً{[27118]} من أوليته{[27119]} ، وهكذا يكون لهذا{[27120]} الجيل{[27121]} الشرير - انتهى . والتجديف هو الكفر بالنعم ، ويونان : يونس عليه السلام ، والكريزة - بينها لوقا بأنها الإنذار ، والتيمن : اليمن ، والأركون - بضم الهمزة والكاف بينهما راء مهملة ساكنة : الكبير ، ويروشليم - بفتح التحتانية وضم{[27122]} المهملة ثم شين معجمة : بيت المقدس ، وباعل زبول{[27123]} -بموحدة وعين مهملة وزاي وموحدة . هذا الدليل على التوحيد وأن الشركة في الإلاهية لا تصح أصلاً ، وأما الدليل على عدم شركة كل من عيسى وأمه عليهما السلام بخصوصهما فسيأتي تقريره بقوله تعالى{ كانا يأكلان الطعام }[ المائدة : 75 ] والمراد من ذلك كله أنه متى دخلت الشركة أتى النقص فعلاً أو إمكاناً{[27124]} ، ومن اعترته شائبة نقص لم يصح كونه إلهاً .

ولما أخبر أنهم كفروا ، وأشار إلى نقض قولهم ، كان أنسب الأشياء بعده{[27125]} أن يعطف عليه ترهيبهم ثم ترغيبهم فقال تعالى : { وإن لم ينتهوا } أي الكفرة بجميع أصنافهم{[27126]} { عما يقولون } أي من هاتين المقالتين وما داناهما{[27127]} { ليمسن } أي مباشرة من غير حائل { الذين كفروا } أي داموا على الكفر ، وبشر سبحانه بأنه يتوب على بعضهم بقوله : { منهم عذاب أليم } .


[27079]:في ظ، وفي الأصل: إله.
[27080]:في ظ: لأنه.
[27081]:سورة 21 آية 22.
[27082]:من ظ، وفي الأصل: أخر- كذا.
[27083]:في ظ: لا يثبت.
[27084]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27085]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27086]:في ظ: بماذا.
[27087]:في ظ: يحكمون.
[27088]:سقط من ظ.
[27089]:من ظ، وفي الأصل: قش.
[27090]:في ظ: الكهنة الذي.
[27091]:في ظ: الكهنة الذي.
[27092]:بمعنى الرئيس والكبير، وقد يأتي تفسيره بعد.
[27093]:سقط من ظ.
[27094]:في ظ: تربطه.
[27095]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27096]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27097]:زيد بعده في ظ: لكم.
[27098]:من ظ، وفي الأصل: تجدفونه.
[27099]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27100]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27101]:في ظ: الروح.
[27102]:سقط من ظ.
[27103]:في الأصل و ظ: لا يترك، ومبنى التصحيح نص الإنجيل.
[27104]:في ظ: إلا.
[27105]:في ظ: يقدرون أن يتكلموا.
[27106]:في ظ: يقدرون أن يتكلموا.
[27107]:سقط من ظ.
[27108]:سقط من ظ.
[27109]:زيد من ظ.
[27110]:في الأصل: إذا، وسقط من ظ.
[27111]:زيد من ظ.
[27112]:في ظ: صعيد- كذا.
[27113]:من الإنجيل، وفي الأصل و ظ: فلما.
[27114]:في ظ: يقوم.
[27115]:سقط من ظ.
[27116]:سقط من ظ.
[27117]:زيد من ظ.
[27118]:زيد بعده في ظ: منه.
[27119]:في الأصل و ظ: اولته- كذا.
[27120]:في ظ: هذا.
[27121]:زيد من ظ.
[27122]:من ظ، وفي الأصل: بضم.
[27123]:في ظ: ذيلول.
[27124]:في ظ: مكانا.
[27125]:من ظ، وفي الأصل: بعد.
[27126]:في ظ: أوضاعهم.
[27127]:في ظ: دناهما.