تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا}: يعني مما حرموا من الحرث والأنعام، نزلت في ثقيف، وفي بني عامر بن صعصعة، وخزاعة، وبني مدلج، وعامر والحارث ابني عبد مناة.
{ولا تتبعوا خطوات الشيطان}: يعني تزيين الشيطان في تحريم الحرث والأنعام.
{إنه لكم عدو مبين}، يعني بيّن...
47- القرطبي: قال مالك: الطيب: الحلال...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يا أيها الناس كلوا مما أحللت لكم من الأطعمة على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم فطيبته لكم مما تحرّمونه على أنفسكم من البحائر والسوائب والوصائل، وما أشبه ذلك مما لم أحرّمه عليكم، دون ما حرّمته عليكم من المطاعم والمآكل فنجسته من ميتة ودم ولحم خنزير وما أهلّ به لغيري، ودعوا خطوات الشيطان الذي يوبقكم فيهلككم ويوردكم موارد العطب ويحرّم عليكم أموالكم فلا تتبعوها ولا تعملوا بها، "إنه": إن الشيطان، "لَكُمْ "أيها الناس "عَدُوّ مُبِين": يعني أنه قد أبان لكم عداوته بإبائه عن السجود لأبيكم وغروره إياه حتى أخرجه من الجنة واستزله بالخطيئة، وأكل من الشجرة.
يقول تعالى ذكره: فلا تنتصحوه أيها الناس مع إبانته لكم العداوة، ودعوا ما يأمركم به، والتزموا طاعتي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه مما أحللته لكم وحرّمته عليكم، دون ما حرّمتموه أنتم على أنفسكم وحللتموه طاعة منكم للشيطان واتباعا لأمره.
ومعنى قوله "حَلالاً ": طِلْقا، وهو مصدر من قول القائل: قد حلّ لك هذا الشيء، أي صار لك مطلقا.
وأما قوله: "طَيّبا" فإنه يعني به طاهرا غير نجس ولا محرّم.
وأما الخطوات فإنه جمع خطوة، والخطوة: بُعْدُ ما بين قدمي الماشي، والمعنى في النهي عن اتباع خطواته، النهي عن طريقه وأثره فيما دعا إليه مما هو خلاف طاعة الله تعالى ذكره.
واختلف أهل التأويل في معنى الخطوات؛
فقال بعضهم: خطوات الشيطان: عمله.
وقال بعضهم: خطوات الشيطان: خطاياه.
وقال آخرون: خطوات الشيطان: النذور في المعاصي.
وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه في تأويل قوله خطوات الشيطان قريب معنى بعضها من بعض لأن كل قائل منهم قولاً في ذلك فإنه أشار إلى نهي اتباع الشيطان في آثاره وأعماله. غير أن حقيقة تأويل الكلمة هو ما بينت من أنها بعد ما بين قدميه ثم تستعمل في جميع آثاره وطرقه على ما قد بينت.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
وقيل: خلق في الأرض ما هو حلال، وما هو حرام، وأباح التناول من الحلال، ونهى عن الحرام، وقيل: إن قوما يحرمون التناول من الرفيع من الطعام والرفيع من الملبوس، ويتناولون من الدرن والرثة، فنهوا عن ذلك. ولا يحتمل أن يراد بالطيبات الحلال منها، ولكن ما تطيب النفس من التناول، لأن النفس لا تتلذذ بالتناول من كل حلال، ولكن وإنما تطيب مما هو لها ألذ وأوفق، والله أعلم.
وعلى ذلك قوله: {قل من حرم زينة الله} الآية [الأعراف: 32]، فيكون: كان الذي في الأرض حلالا وحراما، ثم مما حل طيب ودون، فأمر بأكل ما طاب من ذلك إذ قدر عليه؛ لأنه على قدر طيبه يعظم محله في القلب، وعلى ذلك يرغب نفسه بالشكر لمن أنعم به عليه والتعظيم لمن أكرمه بالذي طابت له به النفس، والله أعلم...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
الطيب: هو الخالص من شائب ينغص، وهو على ثلاثة أقسام: الطيب المستلذ، والطيب الجائز، والطيب الطاهر، كقوله تعالى:"فتيمموا صعيدا طيبا" أي طاهرا. والأصل واحد، وهو المستلذ، إلا أنه يوصف به الطاهر، والجائز تشبيها إذ ما يزجر عنه العقل أو الشرع، كالذي تكرهه النفس في الصرف عنه، وما تدعو إليه بخلاف ذلك...، والطيب: الحلال والنظيف، والطهور، من الطيب. وأصل الباب: الطيب خلاف الخبيث...
وإنما قال: "حلالا طيبا "فجمع الوصفين، لاختلاف الفائدتين: إذ وصفه بأنه حلال يفيد بأنه طلق. ووصفه بأنه طيب مفيد أنه مستلذ إما في العاجل وإما في الآجل والإذن في الحلال يدل على حظر الحرام على اختلاف ضروبه وأنواعه، فحملها على العموم أولى.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
كلُّ ما يحملك على نسيان الحق أو عصيان الحق فهو من خطوات الشيطان...
تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :
حكى عن أبي محمد سفيان بن عيينة الهلالي أنه سئل عن أكل الطين فقال: لا تأكل لأن الله تعالى قال: (كلوا مما في الأرض) ولم يقل: كلوا من الأرض (حلالا طيبا) فالحلال: كل ما أحله الشرع...
اعلم أنه تعالى لما بين التوحيد ودلائله، وما للموحدين من الثواب وأتبعه بذكر الشرك ومن يتخذ من دون الله أندادا، ويتبع رؤساء الكفر أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين وإحسانه إليهم وأن معصية من عصاه وكفر من كفر به لم تؤثر في قطع إحسانه ونعمه عنهم، فقال: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض}...
وقوله {طيبا} المراد منه لا يكون متعلقا به حق الغير فإن أكل الحرام وإن استطابه الأكل فمن حيث يفضي إلى العقاب يصير مضرة ولا يكون مستطابا، كما قال تعالى {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا}.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
والمعنى على قراءة الجمهور: ولا تقفوا أثر الشيطان وعمله، وما لم يرد به الشرع فهو منسوب إلى الشيطان...
قلت: والصحيح أن اللفظ عام في كل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
لما بين تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق، شرع يبين أنه الرزاق لجميع خلقه، فذكر [ذلك] في مقام الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالا من الله طيبًا، أي: مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، وهي: طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البَحَائر والسوائب والوصائل ونحوها مما زَينه لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمَار الذي في صحيح مسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يقول الله تعالى: إن كل ما أمنحُه عبادي فهو لهم حلال" وفيه: "وإني خلقت عبادي حُنَفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم".
وقوله: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} تنفير عنه وتحذير منه، كما قال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] وقال تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا} [الكهف: 50].
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
قال الحرالي: لما استوفى سبحانه وتعالى ذكر أمر الدين... دين الإسلام الذي رضيه، وكان الدين هو غذاء القلوب وزكاة الأنفس، نظم به ذكر غذاء الأبدان من الأقوات، ليتم بذكر النماءين؛ نماء الذوات ظاهرها البدني وباطنها الديني، لما بين تغذي الأبدان وقوام الأديان من التعاون على جمع أمري صلاح العمل ظاهراً وقبوله باطناً... وكما قيل: ملاك الدين الورع، وهلاكه الترف، ونقصه السرف؛ فكما انتظم الكتاب قصر الخلق على أفضل متصرفاتهم في التدين اتصل به قصرهم على أفضل مأكلهم في التقوت، ولما ذكر الدين في رتبتي صنفين من الناس والذين آمنوا انتظم به ذكر المأكل في صنفيهما فقال {يا أيها الناس} فانتظم بخطاب قوله تعالى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} لما بين العبادة والمأكل من الالتزام -انتهى.
ولما كانت رتبة الناس من أدنى المراتب في خطابهم أطلق لهم الإذن تلطفاً بهم ولم يفجأهم بالتقييد فقال مبيحاً لهم ما أنعم به عليهم {كلوا} ولما كان في الأرض ما لا يؤكل قال: {مما في الأرض} أي مما بينا لكم أنه من أدلة الوحدانية.
ولما كان في هذا الإذن تنبيه على أن الكل له والانتفاع به يتوقف على إذن منه دلهم على أن فيه ما أباحه وفيه ما حظره فقال: {حلالاً}
قال الحرالي: وهو ما انتفى عنه حكم التحريم فينتظم بذلك ما يكره وما لا يكره، فهو يبعدهم- كما قال الحرالي -عن وطن ما هم عليه من الائتمار في مآكلهم إلى التناول بشهواتهم ليستدرجهم لذلك من خطوة الأكل بالشهوة إلى الأكل بالهوى فيتداعى منها إلى المحرمات- انتهى.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
ذكر الجلال أن الآية الأولى نزلت فيمن حرم السوائب ونحوها، ولكنه يذكر ذلك في أسباب النزول وقد كان في طوائف من العرب كمدلج وبني صعصعة وقال الأستاذ الإمام: لو صح أن الآية نزلت في ذلك لما كان مقتضيا فصل الآية مما قبلها وجعلها مستأنفا لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على أن الظاهر من السياق أن الكلام متصل بما قبله أتم الاتصال، فإن الآيات الأولى بينت حال متخذي الأنداد وما سيلاقون من عذاب الله تعالى، وقد قلنا في تفسيرها إن الأنداد قسمان قسم يتخذ شرعا يؤخذ برأيه في التحليل والتحريم من غير أن يكون بلاغا عن الله ورسوله، بل يجعل قوله وفعله حجة بذاته لا يسأل من أين أخذه وهل هو فيه على هدي من ربه أم لا، وقسم يعتمد عليه ويدعي في دفع المضار وجلب المنافع من طريق السلطة الغيبية لا من طريق الأسباب، ثم أنهم ليعتمدون على إغاثة هؤلاء الأنداد للناس بعد موتهم وخروجهم من عالم الأسباب، ثم بينت أن الناس يتبع بعضهم بعضا في ذلك، وأن سيتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا عند رؤية العذاب وتقطع الأسباب بينهم، وقلنا في تفسيرها هي المنافع التي يجنيها الرؤساء من المرؤوسين والمصالح الدنيوية التي تصل بعضهم ببعض. وفي هذه الآيات يبين تعالى أن تلك الأسباب محرمة لأنها ترجع إلى أكل الخبائث واتباع خطوات الشيطان ونهى عنها، وبين سبب جمودهم على الباطل والضلال وهو الثقة بما كان عليه الآباء من غير عقل ولا هدى، فالكلام متمم لما قبله قطعا. والمعنى لا تتبعوا سيرته في الإغواء، ووسوسته في الأمر بالسوء والفحشاء، وهو ما بينه في الآية التالية. وعلل النهي بكونه عدوا للناس بين العداوة. والعلم بعدوانه لنا لا يتوقف على معرفة ذاته، وإنما يعرف الشيطان بهذا الأثر الذي ينسبه إليه وهو وحي الشر، وخواطر الباطل والسوء في النفس، فهو منشأ هذا الوحي والخواطر الرديئة، قول تعالى: {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} (الأنعام: 112) ولا أبين وأظهر من عداوة داعية الشر والضلال، فعلى الإنسان أن يلتفت إلى خواطره ويضع لها ميزانا، فإذا مالت نفسه إلى بذل المال لمصلحة عامة، أو عرض له سبب معاونة عامل على خير أو صدقة على بائس فقير، فعارضه خاطر التوفير والاقتصاد، فليعلم أنه من وحي الشيطان، ولا ينخدع لما يسوله له من إرجاء هذا العطاء ووضعه في موضع أنفع، أو بذله لفقير أحوج، وإذا هم بدفاع عن حق أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر فخطر له ما يثبط عزمه أو يمسك لسانه، فليعلم أنه من وسواس الشيطان. وأظهر وحي الشياطين ما يجرئ على التحريم والتحليل لأجل المنافع التي تلبس على المتجرئ عليها بالمصلحة وسياسة الناس، كأنه قال لا تتبعوا وحي الباطل والشر وخواطرهما تلم بكم وتطوف بنفوسكم، فإنها من إغواء الشيطان عدوكم...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
لما بين الله -سبحانه- أنه الإله الواحد، وأنه الخالق الواحد -في الفقرات السابقة- وأن الذين يتخذون من دون الله أندادا سينالهم ما ينالهم.. شرع يبين هنا أنه الرازق لعباده، وأنه هو الذي يشرع لهم الحلال والحرام.. وهذا فرع عن وحدانية الألوهية... فالجهة التي تخلق وترزق هي التي تشرع فتحرم وتحلل. وهكذا يرتبط التشريع بالعقيدة بلا فكاك. وهنا يبيح الله للناس جميعا أن يأكلوا مما رزقهم في الأرض حلالا طيبا -إلا ما شرع لهم حرمته وهو المبين فيما بعد- وأن يتلقوا منه هو الأمر في الحل والحرمة، وألا يتبعوا الشيطان في شيء من هذا، لأنه عدوهم؛ ومن ثم فهو لا يأمرهم بخير، إنما يأمرهم بالسوء من التصور والفعل؛ ويأمرهم بأن يحللوا ويحرموا من عند أنفسهم، دون أمر من الله، مع الزعم بأن هذا الذي يقولونه هو شريعة الله.. كما كان اليهود مثلا يصنعون، وكما كان مشركو قريش يدعون...
وهذا الأمر بالإباحة والحل لما في الأرض -إلا المحظور القليل الذي ينص عليه القرآن نصا- يمثل طلاقة هذه العقيدة، وتجاوبها مع فطرة الكون وفطرة الناس. فالله خلق ما في الأرض للإنسان، ومن ثم جعله له حلالا، لا يقيده إلا أمر خاص بالحظر، وإلا تجاوز دائرة الاعتدال والقصد. ولكن الأمر في عمومه أمر طلاقة واستمتاع بطيبات الحياة، واستجابة للفطرة بلا كزازة ولا حرج ولا تضييق.. كل أولئك بشرط واحد، هو أن يتلقى الناس ما يحل لهم وما يحرم عليهم من الجهة التي ترزقهم هذا الرزق...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
الخطاب ب"يأيها الناس" موجه إلى المشركين كما هو شأن خطاب القرآن ب"يأيها الناس"، والأمر في قوله: {كلوا مما في الأرض} مستعمل في التوبيخ على ترك ذلك وليس للوجوب ولا للإِباحة، إذ ليس الكفار بأهل للخطاب بفروع الشريعة فقوله: {كلوا} تمهيد لقوله بعده {ولا تتبعوا خطوات الشيطان}. وقوله: {حلالاً طيباً} تعريض بتحميقهم فيما أعنتوا به أنفسهم فحرَموها من نعم طيبة افتراء على الله، وفيه إيماء إلى علة إباحته في الإِسلام وتعليم للمسلمين بأوصاف الأفعال التي هي مناط الحِل والتحريم...
ومِن في قوله: {مما في الأرض} للتبعيض، فالتبعيض راجع إلى كون المأكول بعضاً من كل نوع وليس راجعاً إلى كون المأكول أنواعاً دون أنواع، لأنه يفوت غرض الآية، فما في الأرض عام خصصه الوصف بقوله: {حلالاً طيباً} فخرجت المحرمات الثابت تحريمها بالكتاب أو السنة...
وقوله: {حلالاً طيباً} حالان من (ما) الموصولة، أولهما لبيان الحكم الشرعي والثاني لبيان علته لأن الطيب من شأنه أن تقصده النفوس للانتفاع به فإذا ثبت الطيب ثبتت الحلِّية لأن الله رفيق بعباده لم يمنعهم مما فيه نفعهم الخالص أو الراجح...
والمراد بالطيب هنا ما تستطيبه النفوس بالإدراك المستقيم السليم من الشذوذ وهي النفوس التي تشتهي الملائم الكامل أو الراجح بحيث لا يعود تناوله بضر جثماني أو روحاني...
وقوله: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} الضمير للناس لا محالة وهم المشركون المتلبسون بالمنهي عنه دوماً، وأما المؤمنون فحظهم منه التحذير والموعظة. واتباع الخطوات تمثيلية، أصلها أن السائر إذا رأى آثار خطوات السائرين تبع ذلك المسلك علماً منه بأنه ما سار فيه السائر قبله إلاّ لأنه موصل للمطلوب، فشبه المقتدي الذي لا دليل له سوى المقتدي به وهو يظن مسلكه موصلاً، بالذي يتبع خطوات السائرين وشاعت هاته التمثيلية حتى صاروا يقولون هو يتبع خُطا فلان بمعنى يقتدي به ويمتثل له...
والاقتداء بالشيطان إرسال النفس على العمل بما يوسوسه لها من الخواطر الشرية، فإن الشياطين موجودات مدركة لها اتصال بالنفوس البشرية لعله كاتصال الجاذبية بالأفلاك والمغناطيس بالحديد، فإذا حصل التوجه من أحدهما إلى الآخر بأسباب غير معلومة حدثت في النفس خواطر سيئة، فإن أرسل المكلف نفسه لاتباعها ولم يردعها بما له من الإرادة والعزيمة حققها في فاعله، وإن كبحها وصدها عن ذلك غلبها. ولذلك أودع الله فينا العقل والإرادة والقدرة وكمَّل لنا ذلك بالهدى الديني عوناً وعصمة عن تلبيتها لئلا تضلنا الخواطر الشيطانية حتى نرى حسناً ما ليس بالحسن، ولهذا جاء في الحديث « من هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة» لأنه لما هم بها فذلك حين تسلطت عليه القوة الشيطانية ولما عدل عنها فذلك حين غلب الإرادة الخيرية عليها، ومثل هذا يقال في الخواطر الخيرية وهي الناشئة عن التوجهات الملكية، فإذا تنازع الداعيان في نفوسنا احتجنا في التغلب إلى الاستعانة بعقولنا وآرائنا وقدرتنا، وهُدى الله تعالى إيانا وذلك...
ومعنى المبين الظاهر العداوة من أبان الذي هو بمعنى بان وليس من أبان الذي همزته للتعدية بمعنى أظهر لأن الشيطان لا يُظهر لنا العداوة بل يلبس لنا وسوسته في لباس النصيحة أو جلب الملائم، ولذلك سماه الله وليّاً فقال: {ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً} [النساء: 119]، إلاّ أن الله فضحه فلم يبق مسلم تروج عليه تلبيساته حتى في حال اتِّباعه لخطواته فهو يعلم أنها وساوسه المضرة إلاّ أنه تغلبه شهوته وضعف عزيمته ورقة ديانته...
أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للشنقيطي 1393 هـ :
لم يذكر هنا ما يترتب على اتباع خطواته من الضرر، ولكنه أشار إلى ذلك في سورة النور بقوله: {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنْكَرِ} الآية...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وقال تعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} الأمر هنا للإباحة من حيث الجزء، ولكنه للطلب المفروض من حيث الكل، فيباح الأكل بالجزء في الأوقات التي يتخيرها، وفي الطيبات التي يستحسنها، ولكن لا يباح أن يترك الأكل جملة، لأنه يؤدي إلى الهلاك وهذا منهي عنه...
إن من رحمة الله عز وجل على عباده أنه لم يقصّر الخطاب على الذين آمنوا؛ وإنما وسّع الدائرة لتشمل المؤمنين وغيرهم؛ فقال: (يا أيها الناس) فكأنه خلق ما في الأرض جميعا للناس جميعا، وهذا ما قلنا عنه: إنه عطاء الربوبية لكل البشر، من آمن منهم ومن لم يؤمن، فهو سبحانه خلق كل الخلق، مؤمنهم وكافرهم، ومادام قد خلقهم واستدعاهم إلى الوجود فهو يوجه الخطاب لهم جميعا؛ مؤمنهم وكافرهم؛ وكأن الخطاب يقول للكافرين: حتى ولو لم تؤمنوا بالله، فخذوا من المؤمنين الأشياء الحلال واستعملوها لأنها تفيدكم في ديناكم؛ وإن لم تؤمنوا بالله، لأن من مصلحتكم أن تأكلوا الحلال الطيب، فالله لم يحرّم إلا كل ضار، ولم يحلّل إلا كل طيب.
هنا موقف يقفه كثير من الذين أسرفوا على أنفسهم، ويحبون أن تكون قضية الدين وقضية التحريم وقضية التحليل، قضايا كاذبة؛ لأنه لا ينجيهم أمام أنفسهم إلا أن يجدوا أشياء يكذّبون بها الدين، لأنهم لم يستطيعوا أن يحملوا أنفسهم على مطلوبات الله، فلما لم يستطيعوا ذلك لم يجدوا منفذا لهم إلا أن يقولوا: إن قضايا الدين كاذبة بما فيها التحليل والتحريم. إنهم يقولون: مادام الله قد حرّم شيئا؟ فلماذا خلقه في الكون؟.
كأنهم يعتقدون أن كل مخلوق في الأرض قد خلق ليؤكل، وما علموا أن لكل مخلوق في الأرض مهمة، فهم الآن يمسكون الحيات والثعابين ليستخلصوا منها السموم؛ حتى يقتلوا بها الميكروبات التي تقتل الإنسان، وكانوا قبل اكتشاف فائدة السم في الثعبان يتساءلون (وما فائدة خلق مثل هذه الثعابين؟). فلما أحوجهم الله وألجأهم إلى أن يستفيدوا بما في الثعابين من سم؛ ليجعلوه علاجا أدركوا حكمة الله من خلق هذه الأنواع، لقد خلقها لا لنأكلها، وإنما لنعالج بها.
فأنت إذا رأيت شيئا محرّما لا تقل لماذا خلقه الله، لأنك لا تعرف ما هي مهمته، فليست مهمة كل مخلوق أن يأكله الإنسان، إنما لكل مخلوق مهمة قد لا تشعر بأدائها في الكون.
الأولى : قوله تعالى : " يا أيها الناس " قيل : إنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني مدلج فيما حرموه على أنفسهم من الأنعام ، واللفظ عام . والطيب هنا الحلال ، فهو تأكيد لاختلاف اللفظ ، وهذا قول مالك في الطيب . وقال الشافعي : الطيب المستلذ ، فهو تنويع ، ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر . وسيأتي بيان هذا في " الأنعام{[1392]} " و " الأعراف{[1393]} " إن شاء اللّه تعالى .
الثانية : قوله تعالى : " حلالا طيبا " " حلالا " حال ، وقيل مفعول . وسمي الحلال حلالا لانحلال عقدة الحظر عنه . قال سهل بن عبدالله : النجاة في ثلاثة : أكل الحلال ، وأداء الفرائض ، والاقتداء بالنبي صلى اللّه عليه وسلم . وقال أبو عبدالله الساجي واسمه سعيد بن يزيد : خمس خصال بها تمام العلم ، وهي : معرفة اللّه عز وجل ، ومعرفة الحق ، وإخلاص العمل لله ، والعمل على السنة ، وأكل الحلال ، فإن فقدت واحدة لم يرفع العمل . قال سهل : ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم ، ولا يكون المال حلالا حتى يصفو من ست خصال : الربا والحرام والسحت - وهو اسم مجمل - والغلول والمكروه والشبهة .
الثالثة : قوله تعالى : " ولا تتبعوا " نهي " خطوات الشيطان " " خطوات " جمع خطوة وخطوة بمعنى واحد . قال الفراء : الخطوات جمع خطوة ، بالفتح . وخطوة ( بالضم ) : ما بين القدمين . وقال الجوهري : وجمع القلة خطوات وخطوات وخطوات ، والكثير خطا . والخطوة ( بالفتح ) : المرة الواحدة ، والجمع خطوات ( بالتحريك ) وخطاء ، مثل ركوة وركاء ، قال امرؤ القيس :
لها وَثَبَاتٌ كَوَثْبِ الظِّبَاء *** فَوَادٍ خِطَاءٌ ووادٍ مَطَر{[1394]}
وقرأ أبو السمال العدوي وعبيد بن عمير " خطوات " بفتح الخاء والطاء . وروي عن علي بن أبي طالب وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون والأعمش " خطؤات " بضم الخاء والطاء والهمزة على الواو . قال الأخفش : وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع خطيئة ، من الخطأ لا من الخطو . والمعنى على قراءة الجمهور : ولا تقفوا أثر الشيطان وعمله ، وما لم يرد به الشرع فهو منسوب إلى الشيطان . قال ابن عباس : " خطوات الشيطان " أعماله . مجاهد : خطاياه . السدي : طاعته . أبو مجلز : هي النذور في المعاصي .
قلت : والصحيح أن اللفظ عام في كل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي . وتقدم القول في " الشيطان " مستوفى{[1395]} .
الرابعة : قوله تعالى : " إنه لكم عدو مبين " أخبر تعالى بأن الشيطان عدو ، وخبره حق وصدق . فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم ، وبذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم ، وقد أمر اللّه تعالى بالحذر منه فقال جل من قائل : " ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين " ، " إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " [ البقرة : 169 ] وقال : " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء{[1396]} " [ البقرة : 268 ] وقال : " ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا " [ النساء : 60 ] وقال : " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون{[1397]} " [ المائدة : 91 ] وقال : " إنه عدو مضل مبين{[1398]} " [ القصص :15 ] وقال : " إن الشيطان لكم عدو فاتخذه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير{[1399]} " [ فاطر : 6 ] . وهذا غاية في التحذير ، ومثله في القرآن كثير . وقال عبد الله بن عمر : إن إبليس موثق في الأرض السفلى ، فإذا تحرك فإن كل شر الأرض بين اثنين فصاعدا من تحركه . وخرج الترمذي من حديث أبي مالك الأشعري وفيه : ( وآمركم أن تذكروا اللّه فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر اللّه ) الحديث . وقال فيه : حديث حسن صحيح غريب .
قوله تعالى : ( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إله لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) .
وذلك إرشاد من الله للناس وتوجيه لهم أن يأكلوا من خيرات الأرض ( حلالا ) وسمي الحلال بذلك ؛ لانحلاله من عقدة الحظر ( المنع ) أما الطيب فمعناه الحلال .
وقد جاء المعنى مكررا للتأكيد . وقيل معناه المستطاب المستلذ في نفسه ، وهو ما كان غير ضار للأبدان أو العقول .
ومن أشد وجوه الشر التي يقارفها الإنسان في حياته أن يأكل غير الحلال من الطعام مما حرمه الشرع ، ونهى عنه كالربا والغلول والرُّشا وغير ذلك من أوجه المال الخبيث . وهو مال يثقل به كاهل الإنسان المعتدي ؛ لما يحمله من أوزار الاعتداء على أموال الناس بالباطل . وقد روي عن ابن عباس أنه لما تليت هذه الآية قام سعد بن أبي وقاص وقال : يا رسول الله ! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة ، فقال : " يا سعد أطبْ مطعمك تكن مستجاب الدعوة والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يُتقبل منه أربعين يوما ، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به " .
وقوله : ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) خطوات الشيطان هي طرقه ومسالكه التي تقود إلى الشر والمعصية وتفضي إلى النار . وما من شك أن الشيطان عدو ظاهر أكبر للإنسان يحرفه عن مسار الحق وعن صراط الله ومنهجه القويم السليم ، وهو كذلك الذي يزلقه إزلاقا ليبوء بالخسران الكبير في هذه الدنيا حيث الشقوة والمعاناة والمضانكة ، ثم ليهوي أخيرا في جهنم وذلكم هو الخسران المبين .