الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ} (67)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم نعتهم فقال سبحانه: {مستكبرين به} يعني: آمنين بالحرم بأن لهم البيت الحرام {سامرا} بالليل إضمار في الباطل، وأنتم آمنون فيه، ثم قال: {تهجرون}، القرآن فلا تؤمنون به.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 66]

يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش: لا تضجوا اليوم وقد نزل بكم سخط الله وعذابه، بما كسبت أيديكم واستوجبتموه بكفركم بآيات ربكم. "قَد كانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ "يعني: آيات كتاب الله، يقول: كانت آيات كتابي تقرأ عليكم فتكذّبون بها وترجعون مولّين عنها إذا سمعتموها، كراهية منكم لسماعها، وكذلك يقال لكلّ من رجع من حيث جاء: نكص فلان على عقبه...

عن مجاهد: "فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ" قال: تستأخرون... عن ابن عباس، قوله: "فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ" يقول: تدبرون... يعني أهل مكة...

وقوله: "مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ" يقول: مستكبرين بحرم الله، يقولون: لا يظهر علينا فيه أحد، لأنا أهل الحرم...

وقوله: "سامِرا" يقول: تَسْمُرون بالليل. ووحد قوله: سامِرا وهو بمعنى السّمّار، لأنه وضع موضع الوقت. ومعنى الكلام: وتهجُرون ليلاً، فوضع السامر موضع الليل، فوحّد لذلك... عن ابن عباس، قوله: "سامِرا" يقول: يَسْمُرون حول البيت... قال ابن زيد، في قوله: "سامِرا" قال: كانوا يسمرون ليلتهم ويلعبون: يتكلمون بالشعر والكهانة وبما لا يدرون...

وقال بعضهم في ذلك:... كانوا يقولون: نحن أهل الحرم لا يَخافون...

وقوله: "تَهْجُرُونَ" اختلفت القرّاء في قراءته؛ فقرأته عامة قرّاء الأمصار: "تَهْجُرُونَ" بفتح التاء وضم الجيم. ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان من المعنى: أحدهما أن يكون عنى أنه وصفهم بالإعراض عن القرآن أو البيت، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفضه. والآخر: أن يكون عنى أنهم يقولون شيئا من القول كما يهجُر الرجل في منامه، وذلك إذا هَذَى، فكأنه وصفهم بأنهم يقولون في القرآن ما لا معنى له من القول، وذلك أن يقولوا فيه باطلاً من القول الذي لا يضرّه... عن ابن عباس، قوله: "تَهْجُرُونَ" قال: يهجُرون ذكر الله والحقّ...

عن أبي صالح، في قوله: "سامرا تَهْجُرُونَ" قال: السبّ... كانوا يقولون الباطل والسيّئ من القول في القرآن...

وقرأ ذلك آخرون: «سامرا تُهْجِرُونَ» بضم التاء وكسر الجيم. وممن قرأ ذلك كذلك من قرّاء الأمصار نافع بن أبي نعيم، بمعنى: يُفْحِشون في المنطق، ويقولون الخَنَا، من قولهم: أهجر الرجل: إذا أفحش في القول. وذكر أنهم كانوا يسُبّون رسول الله صلى الله عليه وسلم... عن ابن عباس: «تُهْجِرُونَ» قال: تقولون هُجْرا... قال الحسن: «تُهْجِرُونَ» كتاب الله ورسوله.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{مستكبرين به} قال عامة من أهل التأويل: قوله: {به} أي بالبيت ووجه هذا أنهم لما رأوا أنفسهم آمنين بمقامهم عند البيت وفي حرم الله، وأهل سائر البقاع في خوف، ظنوا أن ذلك لهم لفضل كرامتهم ومنزلتهم عند الله. فحملهم ذلك إلى الاستكبار على رسول الله ومن تابعه. وقال بعضهم: {مستكبرين به} أي بالقرآن. وتأويله: أي استكبروا على الله ورسوله لما نزل القرآن. وإضافة الاستكبار إلى القرآن لأنهم بنزوله تكبروا على الله، فأضاف استكبارهم إليه لأنه كان سبب تكبرهم. وهو كقوله: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وما هم كافرون} التوبة 124 و 125، أضاف زيادة رجسهم إلى السورة لما بها يزداد رجسهم، وكانت سبب رجسهم، وإن كانت لا تزيد رجسا في الحقيقة.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

قالوا: الضمير في {بِهِ} للبيت العتيق أو للحرم، كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم. والذي سوّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت، وأنه لم تكن لهم مفخرة إلا أنهم ولاته والقائمون به. ويجوز أن يرجع إلى آياتي، إلا أنه ذكر لأنها في معنى كتابي، ومعنى استكبارهم بالقرآن: تكذيبهم به استكباراً. ضمن مستكبرين معنى مكذبين، فعدّي تعديته. أو يحدث لكم استماعه استكباراً وعتوّاً، فأنتم مستكبرون بسببه، أو تتعلق الباء ب" سامراً"، أي: يسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه، وكانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون. وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

تقديره: حال كونكم {مستكبرين به} أي بذلك النكوص، لا شيء غير الاستكبار من هرب أو غيره، ذوي سمر في أمرها [الآيات] بالقول الهجر، وهو الفاحش، ولعله إنما قال: {سامراً} بلفظ المفرد لأن كلاًّ منهم يتحدث في أمر الآيات مجتمعاً مع غيره ومنفرداً مع نفسه حديثاً كثيراً كحديث المسامر الذي من شأنه أن لا يمل؛ وقال: {تهجرون} أي تعرضون عنها وتقولون فيها القول الفاحش، فأسنده إلى الجمع لأن بعضهم كان يستمعها، ولم يكن يفحش القول فيها، أو تعجيباً من أن يجتمع جمع على مثل ذلك لأن الجمع جدير بأن يوجد فيه من يبصر الحق فيأمر به.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ولقد كانوا يطلقون ألسنتهم بهجر القول وفحشه في مجالسهم؛ وهم يتحلقون حول الأصنام في سامرهم بالكعبة. فها هو ذا القرآن يرسم لهم مشهد حسابهم على ما هم فيه؛ وهم يجأرون طالبين الغوث، فيذكرهم بسمرهم الفاحش، وهجرهم القبيح. وكأنما هو واقع اللحظة، وهم يشهدونه ويعيشون فيه! وذلك على طريقة القرآن الكريم في رسم مشاهد القيامة كانها واقع مشهود. والمشركون في تهجمهم على رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وعلى القرآن في نواديهم وفي سمرهم يمثلون الكبرياء الجاهلة، التي لا تدرك قيمة الحق لأنها مطموسة البصيرة عمياء، فتتخذ منه مادة للسخرية والهزء والاتهام. ومثل هؤلاء في كل زمان. وليست جاهلية العرب إلا نموذجا لجاهليات كثيرة خلت في الزمان؛ وما تزال تظهر الآن بعد الآن!...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

ضمير {به} يجوز أن يكون عائداً على الآيات لأنها في تأويل القرآن فيكون {مستكبرين} بمعنى معرضين استكباراً ويكون الباء بمعنى (عن)، أو ضمّن {مستكبرين} معنى ساخرين فعدي بالباء للإشارة إلى تضمينه.

ويجوز أيضاً أن يكون الضمير للبيت أو المسجد الحرام وإن لم يتقدم له ذكر لأنه حاضر في الأذهان فلا يسمع ضمير لم يتقدم له معاد إلا ويُعلم أنه المقصود بمعونة السياق لا سيما وقد ذكرت تلاوة الآيات عليهم. وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم آيات القرآن في المسجد الحرام إذ هو مجتمعهم، فتكون الباء للظرفية. وفيه إنحاء عليهم في استكبارهم. وفي كون استكبارهم في ذلك الموضع الذي أمر الله أن يكون مظهراً للتواضع ومكارم الأخلاق، فالاستكبار في الموضع الذي شأن القائم فيه أن يكون قانتاً لله حنيفاً أشنعُ استكبار.

وعن منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي قاضي قرطبة أن الضمير في قوله {به} للنبيء صلى الله عليه وسلم والباء حينئذٍ للتعدية، وتضمين {مستكبرين} معنى مكذبين لأن استكبارهم هو سبب التكذيب.

{وسامراً} حال ثانية من ضمير المخاطبين، أي حال كونكم سامرين. والسامر: اسم لجمع السامرين، أي المتحدثين في سمر الليل وهو ظلمته، أو ضوء قمره...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

وهذا الأسلوب أسلوب الجبناء وضعاف النفوس، الذين يلجؤون إلى ظلمة الليل، ليكيلوا السباب، حيث يفتقدون المنطق السليم الذي يمكنهم من التحدّث برجولة في وضح النهار. إنّهم اختاروا ظلام الليل بعيدين عن أنظار الناس، ليصلوا إلى أهدافهم المشؤومة، فلجؤوا إلى السباب والباطل من أجل التنفيس عن أحقادهم الجاهلية.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ} (67)

و " مستكبرين به " حال ، والضمير في " به " قال الجمهور : هو عائد على الحرم أو المسجد أو البلد الذي هو مكة ، وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته في الأمر ، أي يقولون نحن أهل الحرم فلا نخاف . وقيل : المعنى أنهم يعتقدون في نفوسهم أن لهم بالمسجد والحرم أعظم الحقوق على الناس والمنازل ، فيستكبرون لذلك ، وليس الاستكبار من الحق . وقالت فرقة : الضمير عائد عل القرآن من حيث ذكرت الآيات ، والمعنى : يحدث لكم سماع آياتي كبرا وطغيانا فلا تؤمنوا به . قال ابن عطية : وهذا قول جيد . النحاس : والقول الأول أولى ، والمعنى : أنهم يفتخرون بالحرم ويقولون نحن أهل حرم الله تعالى .

قوله تعالى : " سامرا تهجرون " فيه أربع مسائل :

الأولى-قوله تعالى : " سامرا تهجرون " " سامرا " نصب على الحال ، ومعناه سمارا ، وهو الجماعة يتحدثون بالليل ، مأخوذ من السمر وهو ظل القمر ، ومنه سمرة اللون . وكانوا يتحدثون حول الكعبة في سمر القمر ، فسمي التحدث به . قال الثوري : يقال لظل القمر السمر ، ومنه السمرة في اللون ، ويقال له : الفخت ، ومنه قيل : فاختة . وقرأ أبو رجاء " سُمَّارا " وهو جمع سامر ، كما قال :

ألستَ تَرَى السُّمَّارَ والناسَ أحوالِي{[11697]}

وفي حديث قيلة : إذا جاء زوجها{[11698]} من السامر ، يعني من القوم الذين يسمرون بالليل ، فهو اسم مفرد بمعنى الجمع ، كالحاضر وهم القوم النازلون على الماء ، والباقر جمع البقر ، والجامل جمع الإبل ، ذكورتها وإناثها ، ومنه قوله تعالى : " ثم نخرجكم طفلا " {[11699]} [ الحج : 5 ] أي أطفالا . يقال : قوم سَمْر وسُمَّر وسامر ، ومعناه سهر الليل ، مأخوذ من السَّمَر وهو ما يقع على الأشجار من ضوء القمر . قال الجوهري : السامر أيضا السمار ، وهم القوم الذين يسمرون ، كما يقال للحاج حُجَّاج ، وقول الشاعر :

وسامرٍ طال فيه اللهو والسَّمَرُ

كأنه سمى المكان الذي يجتمع فيه للسمر بذلك . وقيل : وحد سامرا وهو بمعنى السمار ؛ لأنه وضع موضع الوقت ، كقول الشاعر :

من دونهم إن جئتهم سَمَرًا *** عَزْفُ القيان ومجلسٌ غَمْرُ

فقال : سمرا لأن معناه : إن جئتهم ليلا وجدتهم وهم يسمرون . وابنا سمير : الليل والنهار ؛ لأنه يسمر فيهما ، يقال : لا أفعله ما سمر ابنا سمير أبدا . ويقال : السمير الدهر ، وابناه الليل والنهار . ولا أفعله السمر والقمر ، أي ما دام الناس يسمرون في ليلة قمراء . ولا أفعله سمير الليالي . قال الشنفرى :

هنالك لا أرجُو حياةً تسرني *** سميرَ الليالي مُبْسَلاً بالجرائر

والسمار ( بالفتح ) اللبن الرقيق . وكانت العرب تجلس للسمر تتحدث ، وهذا أوجب معرفتها بالنجوم ؛ لأنها تجلس في الصحراء فترى الطوالع من الغوارب . وكانت قريش تسمر حول الكعبة مجالس في أباطيلها وكفرها ، فعابهم الله بذلك . و " تهجرون " قرئ بضم التاء وكسر الجيم من أهجر ، إذا نطق بالفحش . وبنصب التاء وضم الجيم من هجر المريض إذا هدى . ومعناه : يتكلمون بهوس وسيء من القول في النبي صلى الله عليه وسلم وفي القرآن ، عن ابن عباس وغيره .

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية " مستكبرين به سامرا تهجرون " ، يعني أن الله تعالى ذم أقواما يسمرون في غير طاعة الله تعالى ، إما في هذيان وإما في إذاية . وكان الأعمش يقول : إذا رأيت الشيخ ولم يكتب الحديث فاصفعه فإنه من شيوخ القمر ، يعني يجتمعون في ليالي القمر فيتحدثون بأيام الخلفاء والأمراء ولا يحسن أحدهم أن يتوضأ للصلاة .

الثالثة-روى مسلم عن أبي برزة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها . قال العلماء : أما الكراهية للنوم قبلها فلئلا يعرضها للفوات عن كل وقتها أو أفضل وقتها ، ولهذا قال عمر : فمن نام فلا نامت عينه ، ثلاثا . وممن كره النوم قبلها عمر وابنه عبد الله وابن عباس وغيرهم ، وهو مذهب مالك . ورخص فيه بعضهم ، منه علي وأبو موسى وغيرهم ، وهو مذهب الكوفيين . وشرط بعضهم أن يجعل معه من يوقظه للصلاة . وروي عن ابن عمر مثله ، وإليه ذهب الطحاوي . وأما كراهية الحديث بعدها فلأن الصلاة قد كفرت خطاياه فينام على سلامة ، وقد ختم الكتاب صحيفته بالعبادة ؛ فإن هو سمر وتحدث فيملؤها بالهوس ويجعل خاتمتها اللغو والباطل ، وليس هذا من فعل المؤمنين . وأيضا فإن السمر في الحديث مظنة غلبة النوم آخر الليل فينام عن قيام آخر الليل ، وربما ينام عن صلاة الصبح . وقد قيل : إنما يكره السمر بعدها لما روى جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله : ( إياكم والسمر بعد هدأة الرجل فإن أحدكم لا يدري ما يبث الله تعالى من خلقه ، أغلقوا الأبواب ، وأوكوا السقاء ، وخمروا الإناء ، وأطفئوا المصابيح ) . وروي عن عمر أنه كان يضرب الناس على الحديث بعد العشاء ، ويقول : أسمرا أول الليل ونوما آخره ! أريحوا كتابكم . حتى أنه روي عن ابن عمر أنه قال : من قرض بيت شعر بعد العشاء لم تقبل له صلاة حتى يصبح . وأسنده شداد بن أوس إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وقد قيل : إن الحكمة في كراهية الحديث بعدها إنما هو لما أن الله تعالى جعل الليل سكنا ، أي يسكن فيه ، فإذا تحدث الإنسان فيه فقد جعله في النهار الذي هو متصرف المعاش ، فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى التي أجرى عليها وجوده فقال " وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا " {[11700]}[ الفرقان : 47 ] .

الرابعة-هذه الكراهة إنما تختص بما لا يكون من قبيل القرب والأذكار وتعليم العلم ، ومسامرة الأهل بالعلم وبتعليم المصالح وما شابه ذلك ، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف ما يدل على جواز ذلك ، بل على ندبيته . وقد قال البخاري : ( باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء ) وذكر أن قرة بن خالد قال : انتظرنا الحسن وراث{[11701]} علينا حتى جاء قريبا من وقت قيامه ، فجاء فقال : دعانا جيراننا هؤلاء . ثم قال أنس : انتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى كان شطر الليل فجاء فصلى ثم خطبنا فقال : ( إن الناس قد صلوا وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ) . قال الحسن : فإن القوم لا يزالون في خير ما انتظروا الخير . قال : ( باب السمر مع الضيف والأهل ) وذكر حديث أبي بكر بن عبد الرحمن أن أصحاب الصفة كانوا فقراء . . . الحديث . أخرجه مسلم أيضا . وقد جاء في حراسة الثغور وحفظ العساكر بالليل من الثواب الجزيل والأجر العظيم ما هو مشهور في الأخبار . وقد مضى من ذلك جملة في آخر " آل عمران " {[11702]} والحمد لله وحده .


[11697]:هذا عجز بيت لامرئ القيس: وصدره: *فقالت سباك الله إنك فاضحي*
[11698]:في ب و ك : زوجنا.
[11699]:راجع ص 6 من هذا الجزء.
[11700]:راجع ج 13 ص 38.
[11701]:راث: أبطأ.
[11702]:راجع ج 4 ص 323 فما بعد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ} (67)

قوله : { مستكبرين به سامرا تهجرون } ( مستكبرين ) و ( سامرا ) منصوبان على الحال{[3183]} . و ( مستكبرين به ) أي مكذبين به . و ( سامرا ) اسم جنس ، يعني سُمارا . من السمر والمسامرة وهي الحديث بالليل . والمسامر أو السُّمار ، هم القوم يسمرون بالليل{[3184]} ؛ فقد كانت قريش تسمر مجالس في كفرها وأباطيلها حول الكعبة . وهم يهجرون ؛ أي يخوضون في الباطل ويتكلمون بالفحش والمنكر والسيء من القول في القرآن وفي رسول الله ( ص ) .

والضمير في قوله ( به ) فيه ثلاثة أقوال :

القول الأول : إن المراد به الحرام ، أي مكة ؛ فقد ذم الله المشركين ؛ لأنهم كانوا يسمرون في الحرم بالهجر من الكلام الفاحش ، والمنكر من القول .

القول الثاني : إن المراد به القرآن ؛ فقد كانوا يسمرون ويذكرون القرآن الكريم بالهجر من الكلام الباطل . فيقول : إنه سحر ، إنه شعر ، إنه كهانة . . . إلى غير هذه الافتراءات والأباطيل التي كان المشركون يأتفكونها ائتفاكا .

القول الثالث : إن المراد به رسول الله ( ص ) ؛ فقد كان المشركون يذكرونه في سمرهم بفاحش الكلام والسوء من القول ، فيقولون : إنه شاعر ، إنه كاهن ، إنه ساحر . إنه مجنون ، إنه كذاب .

والأظهر من هذه الأقوال ، أولها . وهو قول الجمهور . وهو أن الضمير عائد على الحرم ؛ فقد كان المشركون يفتخرون بأنهم أولياء الحرم . وكانوا يقولون : نحن أهل حرم الله ونحن أولى الناس به فلا نخاف . وهم في الحقيقة ليسوا غير ظالمين مشركين سفهاء ، لا يدينون دين الحق ، ولا يذهبون غير مذهب الضلالة والباطل والسخف{[3185]} .


[3183]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 187.
[3184]:- مختار الصحاح ص 312.
[3185]:- تفسير الطبري جـ17 ص 28، 29 وتفسير ابن كثير جـ3 ص 249 وتفسير القرطبي جـ12 ص 136.