الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ} (67)

قوله : { مُسْتَكْبِرِينَ } : حالٌ مِنْ فاعل " تَنْكِصُون " . قوله : " به " فيه قولان ، أحدُهما : أنَّه يتعلقُ ب " مُسْتكْبرين " . والثاني أنه متعلقٌ ب " سامِراً " . وعلى الأولِ فالضميرُ للقرآن أو للبيتِ شَرَّفه اللهُ تعالى ، أو للرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم أو للنُكوصِ المدلولِ عليه ب " تَنْكِصون " ، كقوله : { اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ } [ المائدة : 8 ] . والباءُ في هذا كلِّه للسببية ؛ لأنه استكبروا بسببِ القرآنِ لَمَّا تُلِيَ عليهم ، وبسببِ البيتِ لأنَّهم يقولون : نحن وُلاتُه وبالرسولِ لأنهم يقولون : هو مِنَّا دونَ غيرِه ، أو بالنُّكوصِ لأنه سببُ الاستكبارِ . وقيل : ضَمَّنَ الاستكبارَ معنى التكذيبِ ؛ فلذلك عُدِّيَ بالباءِ ، وهذا يَتَأَتَّى على أن يكونَ الضميرُ للقرآنِ أو للرسولِ .

وأمَّا على الثاني وهو تَعَلُّقُه ب " سامِراً " فيجوزُ أن يكونَ الضميرُ عائداً على ما عادَ عليه فيما تقدَّم ، إلاَّ النكوصَ لأنهم كانوا يَسْمُرُون بالقرآن وبالرسول أي : يجعلونَهما حديثاً لهم يَخُوضون في ذلك كما يُسْمَرُ بالأحاديث ، وكانوا يَسْمُرُون في البيتِ ، فالباء ظرفيةٌ على هذا ، و " سامِراً " / نصبٌ على الحالِ : إمَّا مِنْ فاعل " تَنْكِصُون " ، وإمَّا مِنَ الضمير في " مُسْتَكْبرين " .

وقرأ ابنُ مسعود وابنُ عباس وأبو حيوة وتُروى عن أبي عمرٍو " سُمَّراً " بضمِّ الفاءِ وفتحِ العين مشددةً . وزيد بن علي وأبو رجاء وابن عباس أيضاً " سُمَّاراً " كذلك ، إلاَّ أنَّه بزيادةِ ألفٍ بين الميمِ والراء ، وكلاهما جمعٌ ل " سامِِر " . وهما جمعان مَقيسان ل " فاعِل " الصفةِ نحو : ضُرَّب وضُرَّاب في ضارِب . والأفصحُ الإِفرادُ ؛ لأنه يقعُ على ما فوق الواحِد بلفظ الإِفرادِ تقول : قومٌ سامِرٌ . والسَّامِرُ مأخوذٌ من السَّمَرِ وهو سَهَرُ الليلِ ، مأخوذٌ من السَّمَرِ وهو ما يقعُ على الشجر من ضوءِ القمر ، فيجلِسُون إليه يتحدثون مُسْتَأْنِسين به . قال الشاعر :

كأَن لم يكُنْ بين الحَجونِ إلى الصَّفا *** أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكةَ سامِرُ

وقال الراغب : " السَّامِرُ : الليلُ المظلم ، ولا آتِيْكَ ما سَمَر ابنا سَمِيرٍ ، يَعْنُون الليل والنهار . والسُّمْرة : أحدُ الألوان ، والسَّمْراء : كُني بها عن الحِنْطة " .

قوله : { تَهْجُرُونَ } قرأ العامَّةُ بفتح التاءِ وضمِّ الجيمِ ، وهي تحتمل وجهين ، أحدهما : أنَّها مِن الهَجْرِ بسكونِ الجيمِ ، وهو القطع والصَّدُ ، أي : تهجُرُون آياتِ الله ورسولَه وتَزْهَدون فيهما ، فلا تَصِلُونهما . الثاني : أنها من الهَجَرِ بفتحها وهو الهَذَيانُ . يقال : هَجَر المريضُ هَجَراً أي هَذَى فلا مفعولَ له . ونافع وابن محيصن بضم التاءِ وكسرِ الجيم مِنْ أهجر إهْجاراً أي : أَفْحَشَ في مَنْطِقِه . قال ابن عباس : " يعني سَبَّ الصحابةِ " . زيد بن علي وابن محيصن وأبو نهيك بضمِّ التاءِ وفتحِ الهاء وكسرِ الجيمِ مشددةً مضارعَ هَجَّر بالتشديد . وهو محتمِلٌ لأَنْ يكونَ تضعيفاً للهَجْر أو الهَجَر أو الهُجْر . وقرأ ابن أبي عاصم كالعامَّةِ ، إلاَّ أنَّه بالياءِ من تحتُ وهو التفاتٌ .