الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّـٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ} (141)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

قوله: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات}، يعنى الكروم وما يعرش، {وغير معروشات}، يعني قائمة على أصولها، {والنخل والزرع مختلفا أكله}، يعني طعمه، منه الجيد، ومنه الدون، ثم قال: {والزيتون والرمان متشابها}، ورقها في النظير يشبه ورق الزيتون ورق الرمان، {وغير متشابه} ثمرها وطعمها، وهما متشابهان في اللون، مختلفان في الطعم، يقول الله: {كلوا من ثمره إذا أثمر}، حين يكون غضا، ثم قال: {وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}، يقول: ولا تشركوا الآلهة في تحريم الحرث والأنعام...

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

..ابن رشد: وسئل مالك عن تفسير قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} يقول: أيها الزارع اتق الله وأد حق ما رفعت. وأنت أيها الوالي لا تأخذ أكثر من حقك، فتكون من المسرفين.

- ابن العربي: روى ابن وهب، وابن القاسم، عن مالك في تفسير هذه الآية، أنه: الصدقة المفروضة...

تفسير الشافعي 204 هـ :

231- قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا بلغ ما أخرجت الأرض ما يكون فيه الزكاة أخذت صدقته ولم ينتظر بها حول لقول الله عز وجل: {وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حِصَادِهِ} ولم يجعل له وقتا إلا الحصاد، واحتمل قول الله عز وجل: {يَوْمَ حِصَادِهِ}: إذا صلح بعد الحصاد، واحتمل: يوم يحصد وإن لم يصلح. فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تأخذ بعدما يجف، لا يوم يحصد النخل والعنب، والأخذ منهما زبيبا وتمرا، فكان كذلك كل ما يصلح بجفوف ودرس مما فيه الزكاة مما أخرجت الأرض. وهكذا زكاة ما أخرج من الأرض من معدن، لا يؤخذ حتى يصلح فيصير ذهبا أو فضة، ويؤخذ يوم يصلح. قال الشافعي: وزكاة الركاز يوم يؤخذ لأنه صالح بحاله لا يحتاج إلى إصلاح، وكله مما أخرجت الأرض. (الأم: 2/36-37. ون مختصر المنزني ص: 130 و ص: 48. وأحكام الشافعي: 1/103.)...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

هذا إعلام من الله تعالى ذكره ما أنعم به عليهم من فضله، وتنبيه منه لهم على موضع إحسانه، وتعريف منه لهم ما أحلّ وحرّم وقسمَ في أموالهم من الحقوق لمن قسم له فيها حقّا. يقول تعالى ذكره: وربكم أيها الناس "أنْشَأ": أي أحدث وابتدع خلقا، لا الآلهة والأصنام، "جَنّاتٍ "يعني: بساتين، "مَعْرُوشاتٍ" وهي ما عرش الناس من الكروم، "وغيرَ مَعْرُوشاتٍ": غير مرفوعات مبنيات، لا ينبته الناس ولا يرفعونه، ولكن الله يرفعه وينبته وينميه... عن ابن عباس، قوله: مَعْرُوشاتٍ يقول: مسموكات...فالمعروشات: ما عَرَش الناس وغير معروشات: ما خرج في البرّ والجبال من الثمرات...

"والنّخْلَ وَالزّرْعَ مُخْتَلِفا أُكُلُهُ والزّيْتُونَ والرّمّانَ مُتَشابها وغيرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَره إذَا أثْمَرَ" يقول جلّ ثناؤه: وأنشأ النخل والزرع مختلفا أكله، يعني بالأُكل: الثمر، يقول: وخلق النخل والزرع مختلفا ما يخرج منه مما يؤكل من الثمر والحبّ والزيتون والرمان، متشابها وغير متشابه في الطعم، منه الحلو والحامض والمزّ... وأما قوله: "كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أْثمَرَ" فإنه يقول: كلوا من رطبه ما كان رطبا ثمره... "وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ" اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: هذا أمر من الله بإيتاء الصدقة المفروضة من الثمر والحبّ... عن الحسن، في قوله: "وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَاده" قال: الزكاة...

وقال آخرون: بل ذلك حقّ أوجبه الله في أموال أهل الأموال، غير الصدقة المفروضة...

وقال آخرون: كان هذا شيئا أمر الله به المؤمنين قبل أن تفرض عليهم الصدقة المؤقتة، ثم نسخته الصدقة المعلومة، فلا فرض في مال كائنا ما كان زرعا كان أو غرسا، إلا الصدقة التي فرضها الله فيه... وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: كان ذلك فرضا فرضه الله على المؤمنين في طعامهم وثمارهم التي تخرجها زروعهم وغروسهم، ثم نسخه الله بالصدقة المفروضة، والوظيفة المعلومة من العشر ونصف العشر وذلك أن الجميع مجمعون لا خلاف بينهم أن صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدياس والتنقية والتذرية، وأن صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجفاف. فإذا كان ذلك كذلك، وكان قوله جلّ ثناؤه: "وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ" ينبئ عن أنه أمر من الله جلّ ثناؤه بإيتاء حقه يوم حصاده، وكان يوم حصاده هو يوم جدّه وقطعه والحبّ لا شكّ أنه في ذلك اليوم في سنبله، والثمر وإن كان ثمر نخل أو كرم غير مستحكم جفوفه ويبسه، وكانت الصدقة من الحبّ إنما تؤخذ بعد دياسه وتذريته وتنقيته كيلاً، والتمر إنما تؤخذ صدقته بعد استحكام يبسه وجفوفه كيلاً، عُلم أن ما يؤخذ صدقة بعد حين حصده غير الذي يجب إيتاؤه المساكين يوم حصاده.

فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون ذلك إيجابا من الله في المال حقا سوى الصدقة المفروضة؟ قيل: لأنه لا يخلو أن يكون ذلك فرضا واجبا أو نفلاً، فإن يكن فرضا واجبا فقد وجب أن يكون سبيله سبيل الصدقات المفروضات التي من فرّط في أدائها إلى أهلها كان بربه آثما ولأمره مخالفا، وفي قيام الحجة بأن لا فرض لله في المال بعد الزكاة يجب وجوب الزكاة سوى ما يجب من النفقة لمن يلزم المرء نفقته ما ينبئ عن أن ذلك ليس كذلك. أو يكون ذلك نفلاً، فإن يكن ذلك كذلك فقد وجب أن يكون الخيار في إعطاء ذلك إلى ربّ الحرث والثمر، وفي إيجاب القائلين بوجوب ذلك ما ينبئ عن أن ذلك ليس كذلك. وإذا خرجت الآية من أن يكون مرادا بها الندب، وكان غير جائز أن يكون لها مخرج في وجوب الفرض بها في هذا الوقت، علم أنها منسوخة. ومما يؤيد ما قلنا في ذلك من القول دليلاً على صحته، أنه جلّ ثناؤه أتبع قوله: "وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إنّهُ لا يُحِبّ المُسْرِفِينَ" ومعلوم أن من حكم الله في عباده مذ فرض في أموالهم الصدقة المفروضة المؤقتة القدر، أن القائم بأخذ ذلك ساستهم ورعاتهم. وإذا كان ذلك كذلك، فما وجه نهي ربّ المال عن الإسراف في إيتاء ذلك، والآخذ مجبرٌ، وإنما يأخذ الحقّ الذي فرض الله فيه؟.

فإن ظنّ ظانّ أن ذلك إنما هو نهي من الله القّيمَ بأخذ ذلك من الرعاة عن التعدّي في مال ربّ المال والتجاوز إلى أخذ ما لم يبح له أخذه، فإن آخر الآية، وهو قوله: "وَلا تُسْرِفُوا" معطوف على أوّله وهو قوله: "وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ"، فإن كان المنهي عن الإسراف القيم بقبض ذلك، فقد يجب أن يكون المأمور بإيتائه المنهي عن الإسراف فيه، وهو السلطان. وذلك قولٌ إن قاله قائل، كان خارجا من قول جميع أهل التأويل ومخالفا المعهود من الخطاب، وكفى بذلك شاهدا على خطئه...

"وَلا تُسْرِفُوا إنّهُ لا يُحِبّ المُسْرِفِينَ" اختلف أهل التأويل في الإسراف الذي نهى الله عنه بهذه الآية، ومن المنهي عنه؛ فقال بعضهم: المنهيّ عنه: ربّ النخل والزرع والثمر، والسرف الذي نهى الله عنه في هذه الآية، مجاوزة القدر في العطية إلى ما يجحف بربّ المال...

وقال آخرون: الإسراف الذي نهى الله عنه في هذا الموضع: منع الصدقة والحقّ الذي أمر الله ربّ المال بإيتائه أهله بقوله: "وآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ"...

وقال آخرون: إنما خوطب بهذا السلطان: نهي أن يأخذ من ربّ المال فوق الذي ألزم الله ماله...

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى بقوله: "ولاَ تُسْرِفُوا" عن جميع معاني الإسراف، ولم يخصص منها معنى دون معنى. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الإسرف في كلام العرب: الإخطاء بإصابة الحقّ في العطية، إما بتجاوز حدّه في الزيادة وإما بتقصير عن حدّه الواجب، كان معلوما أن المفرق ماله مباراة، والباذله للناس حتى أجحفت به عطيته، مسرف بتجاوزه حدّ الله إلى ما كيفته له، وكذلك المقصر في بذله فيما ألزمه الله بذله فيه، وذلك كمنعه ما ألزمه إيتاءه منه أهل سهمان الصدقة إذا وجبت فيه، أو منعه من ألزمه الله نفقته من أهله وعياله ما ألزمه منها، وكذلك السلطان في أخذه من رعيته ما لم يأذن الله بأخذه. كل هؤلاء فيما فعلوا من ذلك مسرفون، داخلون في معنى من أتى ما نهى الله عنه من الإسراف بقوله: "وَلا تُسْرِفُوا" في عطيتكم من أموالكم ما يجحف بكم، إذ كان ما قبله من الكلام أمرا من الله بإيتاء الواجب فيه أهله يوم حصاده، فإن الآية قد كانت تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب خاص من الأمور والحكم بها على العامّ، بل عامة آي القرآن كذلك، فكذلك قوله: "وَلا تُسْرِفُوا إنّهُ لا يُحِبّ المُسْرِفِينَ"...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{وهو الذي أنشأ جنات معروشات} ذكر هذا، والله أعلم، مقابل ما كان منهم من تحريم ما أحل الله لهم، ورزقهم من الحرث والزرع والأنعام والانتفاع بها، فقال: {أنشأ جنات} وبساتين، من تأمل فيها، وتفكر، عرف أن منشئها مالك حكيم مدبر؛ لأنه ينبتها. ويخرجها من الأرض، في لحظة ما لو اجتمع الخلائق على تقديرها أن كيف خرج؟ وكم خرج؟ وأي قدر ثبت؟ ما قدروا على ذلك كقوله تعالى: {وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} [الحجر: 19]. ويخرج من الورد والثمار على ميزان واحد ما لو جهدوا كل الجهد أن يعرفوا الفضل والتفاوت بين الأوراق والثمار ما قدروا، وما وجدوا فيها تقاربا. ويخرج أيضا كل عام من الثمار والأوراق ما يشبه العام الأول. فدل ذلك كله أن منشئها ومحدثها مالك حكيم، وضع كل شيء موضعه، وأن ما أنشأ أنشأ لحكمة وتدبير لم ينشئها عبثا؛ فله الحكم والتدبير في الحل والحرمة والقسمة، ليس لأحد دونه حكم ولا تدبير في التحريم والتحليل: هذا حلال، وهذا حرام، وهذا لهذا، وهذا لهذا 1498؛ إنما ذلك إلى مالكها فخرج هذا، والله أعلم، يقابل ما كان منهم من قوله تعالى: {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر} [الأنعام: 138] [وقوله تعالى] 1499: {وهذا لشركائنا} [الأنعام: 136] وقوله تعالى {وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه} [الأنعام: 138] وغير ذلك من الآيات التي كانت فيها ذكر حكمهم 1500 على الله وإشراك أنفسهم في حكمهم. ثم اختلف في قوله: {معروشات} قيل: {معروشات} 1501 مبسوطات: ما تنبت منبسطا على وجه الأرض

{وغير معروشات}: ما يقوم بساقه، لا ينبسط على الأرض... {والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه} منها ما يكون متشابها في اللون مختلفا في الأكل والطعم، ومنها ما يكون مختلفا في اللون والمنظر متشابها في الطعم الأكل ليعلموا أن منشئها واحد وأنه حكيم؛ أنشأها على حكمة، وأنه مدبر؛ أنشأها عن تدبير؛ لم ينشئها عبثا... وقوله تعالى: {كلوا من ثمره إذا أثمر} ولا تحرموا؛ خرج على مقابلة ما كان منهم من التحريم؛ أي كلوا منها، ولا تحرموا ليضيع ويفسد...

وقيل في قوله تعالى: {ولا تسرفوا} أي: لا تمنعوا الأكل، ولكن كلوا من بعضه، وآتوا حقه من بعضه،... والإسراف هو الذي لا ينتفع به أحد، وما كانوا جعلوا لشركائهم لا ينتفعون به هم، ولا انتفع به أحد، يكون مقابل قوله تعالى: {هذه أنعام وحرث حجر} الآية [الأنعام: 138]...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى جعل مدار هذا الكتاب الشريف على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر، وأنه تعالى بالغ في تقرير هذه الأصول، وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة من أنكر البعث والقيامة، ثم أتبعه بحكاية أقوالهم الركيكة، وكلماتهم الفاسدة في مسائل أربعة. والمقصود التنبيه على ضعف عقولهم، وقلة محصولهم، وتنفير الناس عن الالتفات إلى قولهم، والاغترار بشبهاتهم فلما تمم هذه الأشياء عاد بعدها إلى ما هو المقصود الأصلي، وهو إقامة الدلائل على تقرير التوحيد فقال: {وهو الذى أنشأ جنات معروشات}. واعلم أنه قد سبق ذكر هذا الدليل في هذه السورة، وهو قوله: {وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} فالآية المتقدمة ذكر تعالى فيها خمسة أنواع، وهي: الزرع والنخل، وجنات من أعناب والزيتون والرمان، وفي هذه الآية التي نحن في تفسيرها ذكر هذه الخمسة بأعيانها لكن على خلاف ذلك الترتيب لأنه ذكر العنب، ثم النخل، ثم الزرع، ثم الزيتون ثم الرمان وذكر في الآية المتقدمة {مشتبها وغير متشابه} وفي هذه الآية {متشابها وغير متشابه} ثم ذكر في الآية المتقدمة {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} فأمر تعالى هناك بالنظر في أحوالها والاستدلال بها على وجود الصانع الحكيم، وذكر في هذه الآية {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} فأذن في الانتفاع بها، وأمر بصرف جزء منها إلى الفقراء، فالذي حصل به الامتياز بين الآيتين أن هناك أمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم. وههنا أذن في الانتفاع بها، وذلك تنبيه على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم مقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الاستدلال بها سعادة روحانية أبدية. والحاصل من الانتفاع بهذه سعادة جسمانية سريعة الانقضاء، والأول أولى بالتقديم، فلهذا السبب قدم الله تعالى الأمر بالاستدلال بها على الإذن بالانتفاع بها...

ثم قال تعالى: {كلوا من ثمره إذا أثمر} وفيه مباحث. البحث الأول: أنه تعالى لما ذكر كيفية خلقه لهذه الأشياء ذكر ما هو المقصود الأصلي من خلقها، وهو انتفاع المكلفين بها، فقال: {كلوا من ثمره} واختلفوا ما الفائدة منه؟ فقال بعضهم: الإباحة. وقال آخرون: بل المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق، لأنه تعالى لما أوجب الحق فيه، كان يجوز أن يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المساكين فيه، بل هذا هو الظاهر فأباح تعالى هذا الأكل، وأخرج وجوب الحق فيه من أن يكون مانعا من هذا التصرف. وقال بعضهم: بل أباح تعالى ذلك ليبين أن المقصد بخلق هذه النعم إما الأكل وإما التصدق، وإنما قدم ذكر الأكل على التصدق، لأن رعاية النفس مقدمة على رعاية الغير. قال تعالى: {ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك}...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

هذه الآيات إلى تمام العشر بعدها في تتمة سياق مسألة تحريم المشركين ما لم يحرم الله تعالى من الأنعام وغيرها من الأغذية وما يتعلق به، وقد قلنا إنه ذكر في هذه السورة المنزلة في أصول الدين وما يقابلها من أصول الشرك والكفر لأنه من هذه الأصول لا لمجرد كونه من جهالاتهم وضلالاتهم العملية. ذلك بأن أصل الدين الأعظم توحيد الله تعالى باعتقاد الألوهية والربوبية له وإفراده بالعبادة وحق التشريع بأن نؤمن بأنه لا رب ولا خالق غيره ولا إله يعبد معه أو من دونه ولا شارع سواه لعبادة ولا حلال ولا حرام، وفي هذه العقيدة منتهى تكريم الإنسان فتأمل ذلك كله في هذه الآيات البينات. {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ} الإنشاء: إيجاد الأحياء وتربيتها، وكذا كل ما يكمل بالتدريج كإنشاء السحاب وكتب العلم والشعر والدور. والجنات البساتين والكروم الملتفة الأشجار بحيث تجن الأرض وتسترها. والمعروشات: المسموكات على العرائش وهي ما يرفع من الدعائم ويجعل عليها مثل السقوف من العيدان والقصب. ومادة عرش تدل على الرفع ومنها عرش الملك.

والمعروشات معروفة عند العامة والخاصة يقال عرش دوالي العنب عرشا وعروشا وعرشها تعريشا إذا رفعه على العريش. ويقال عرشت الدوالي تعرش (بكسر الراء) إذا ارتفعت بنفسها. وعن ابن عباس أن المعروشات ما يعرش من الكرم وغيره وغير المعروشات ما لا يعرش منها. وفي رواية عنه أن الأول ما عرش الناس أي في الأرياف والعمران والثاني ما خرج في الجبال والبرية من الثمرات.

والمعهود أن الكرم منه ما يعرش ومنه ما يترك منبسطا على الأرض وكله من جنس المعروشات التي أودع الله فيها خاصية التسلق والاستمساك بما تتسلق عليه من عريش مصنوع أو شجر أو جدار ونحوه فالمتبادر من صيغة الجمع في القسمين أن المراد بالأول أنواع المعروشات بالقوة كالكرم وإن لم يوجد ما تعرش عليه بالفعل وبالثاني غير المعروشات من سائر أنواع الشجر الذي يستوي على سوقه ولا يتسلق على غيره، وخصهما بعضهم بالكرم، وعلى هذا يكون عطف النخل عليه وقرنه به لأنه قسيمه في كون ثمرها من أصول الأقوات وقرينه فيما سيأتي بيانه من الفوائد والشبه.

وأما على القول بأن النخل من قسم الجنات غير المعروشات فيكون ذكره تخصيصا له من أفراد العام لما فيه من المنافع الكثيرة ولا سيما للعرب فإن يسره ورطبه فاكهة وغداء، وتمره من أفضل الأقوات التي تدخر، وأيسرها تناولا في السفر والحضر ليس فيه مؤنة ولا يحتاج إلى طبخ ولا معالجة، ونواه علف للرواحل، ولهم منه شراب حلال لذيذ إذا نبذ في الماء زمنا قليلا وهو النبيذ أي النقوع وكان أكثر خمرهم منه ومن بسره (ولا منة في الرجس) دع ما في جريد النخل وليفه من المنافع والفوائد فهو بمجموع هذه المزايا يفضل الكرم الذي هو أقرب الشجر منه وأشبه به شكلا ولونا في عنبه وزبيبه ومنافعه تفكها وتغذيا وتحليا وشربا.

ثم عطف عليه الزرع وهو النبات الذي يكون بحرث الناس وهو عام لكل ما يزرع على القول بالعموم فيما قبله. وأما على القول بتخصيص الجنات بالكرم فينبغي أن يخص بما يأتي منه القوت كالقمح والشعير ويكون ترتيب المعطوفات على طريقة الترقي من الأدنى في التغذية واقتيات الناس إلى الأعلى والأعم فإن الحبوب هي التي عليها معول أكثر البشر في أقواتهم وهذا عكس الترتيب في قوله تعالى: {وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه} (الأنعام 98) فترتيب الأقوات في هذه الآية على طريق التدلي من الأعلى في الاقتيات إلى الأدنى فالأدنى، والفرق بينهما أن هذه جاءت في مقام سرد الآيات الكونية على وحدانية الله وقدرته وحكمته ورحمته بعباده. وقبلها آيات في آياته في العالم العلوي وفي خلق الإنسان وهو دونه وعالم النبات أدنى منهما فروعي التدلي في أنواعه كما روعي فيما بينه وبين ما قبله.

والمقام في الآية التي نفسرها وما بعدها مقام ذكر الأقوات لبيان شرع منشئها في إباحتها في مقابلة ضلال المشركين فيما ذكر قبلها من التحليل والتحريم بأهواء الشرك وهو قوله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا...} (الأنعام 136) فقدم هناك الحرث على الأنعام لأن ضلالهم فيه أقل من ضلالهم فيها وجرى هنا على الترتيب فذكر الحرث أولا لما ذكر وترقى إلى ذكر الأنعام لكثرة ضلالهم فيها وما يحتاج إليه من تفضيل القول الحق في ذلك، وهو انتقال من المهم إلى الأهم في المعنى المراد وتأخير لما اقتضت الحال إطالة القول فيه على الأصل. فحسن الترقي في ذكر أنواع الأقوات النباتية تفصيلا كما حسن فيها بينها بجملتها وبين الأقوات الحيوانية. ولما ذكرنا من اختلاف المقام في الآيتين قال في آية: {انظروا إلى ثمره} (الأنعام 99) وقال هنا {كلوا من ثمره} ولم أر أحدا تعرض لهذه النكت هنا.

أنشأ تعالى ما ذكر {مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ} الأكل: ما يؤكل... والضمير فيه قيل إنه راجع إلى الزرع ومنه يعلم حكم ما قبله وقيل بالعكس، والأرجح أنه راجع إلى كل ما قبله. والمعنى أنه أنشأ ما ذكر من الجنات والنخل والزرع حال كونه مختلفا ثمره الذي يؤكل منه في شكله ولونه وطعمه وريحه عندما يوجد أي قدر ذلك فيه عند إنشائه،...

{وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} أي وأنشأ الزيتون والرمان متشابها في المنظر وغير متشابه في المطعم، قاله ابن جريج، قيل إن المراد التشابه بين الزيتون والرمان في شكل الورق دون الثمر، وقيل بل المراد ما بين أنواع الرمان من التشابه في الشجر والثمر مع التفاوت في الطعم من حلو وحامض ومر وفي لون الحب من أحمر قاني قمد أو فقاعي وأبيض ناصع أو أزهر مشرب بحمرة. ويراجع في هذا وفي مكان الزيتون والرمان مما ذكر قبله تفسير الآية (98) من هذه السورة ومنه تعلم وجه تخصيص هذين النوعين بالذكر.

{كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} أي كلوا من ثمر ذلك الذي ذكر من أول الآية على ما اخترناه في قوله مختلفا أكله وسيأتي معنى هذا الشرط. وقد قالوا إن الأمر هنا للإباحة أي بعد أن آذن الله تعالى عباده بأنه هو الذي أنشأ لهم ما في الأرض من الشجر والنبات الذي يستغلون منه أقواتهم آذنهم بأنه أباحه كله لهم فليس لأحد غيره أن يحرم شيئا منه عليهم، لأن التحريم حق للرب الخالق للعباد والأقوات جميعا فمن انتحله لنفسه فقد جعل نفسه شريكا له تعالى، ومن أذعن لتحريم غير الله وأطاعه فيه فقد أشركه معه سبحانه وتعالى، كما علم من تفسير الآيات التي قبل هذه ويؤكده ما في الآيات بعدها والكلام في التحريم الديني كما هو ظاهر. وأما منع بعض الناس من بعض هذا الثمر لسبب غير التشريع الديني فلا شرك فيه، وقد يوافق بعض أدلة الشرع فيكون منعا شرعيا أي تحريما كمنع الطبيب بعض المرضى من أكل الخبز أو الثمر لأنه يضره، فمن ثبت عنده بشهادة الطبيب الثقة أن التمر يضره مثلا حرم عليه أن يأكله، وهذا التحريم ليس تشريعا من الطبيب بل الله تعالى هو الذي حرم كل ضار وإنما الطبيب معرف للمريض بأنه ضار فلا فرق بينه وبين من يخبر بأن هذا الطعام قد طبخ بلحم الخنزير أو لحم كبش أهل به لغير الله فيحرم على كل من صدقه أكله ما لم يكن مضطرا إليه. وكذلك منع السلطان من صيد بعض الطير في بعض الأحوال للمصلحة العامة كالحاجة إلى كثرته في حفظ بعض الزرع لأنه يأكل الحشرات المهلكة له مثلا. ولكن مثل هذين ليس تحريما ذاتيا لما ذكر يدوم بدوامه بل موقت بدوام سببه، ولا هو مبني على أن للسلطان أن يحرم بمحض إرادته وإنما هو مكلف شرعا بصيانة المصالح ودرء المفاسد فإذا أخطأ في اجتهاده بشيء من ذلك وجب على الأمة الإنكار عليه ووجب عليه الرجوع إلى الحق.

وقوله: {إذا أثمر} لإفادة أن أول وقت إباحة الأكل وقت اطلاع الشجر الثمر والزرع الحب لئلا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع، وفي آية أخرى كلوا من {ثمره إذا أثمر وينعه} (الأنعام 99} فالكرم ينتفع به بثمره حصرما فعنبا فزبيبا، والنخل يؤكل ثمره بسرا فرطبا فتمرا، والقمح يؤكل حبه فريكا قبل يبسه وأكله برا مطبوخا أو طحنه وجعله خبزا. وقيل إن المراد إباحة الأكل منه قبل أداء حقه الذي أمر به في قوله:

{وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} أي وأعطوا الحق المعلوم فيما ذكر من الزرع وغيره لمستحقيه من ذوي القربى واليتامى والمساكين زمن حصاده في جملته بحسب العرف، لا كل طائفة منه ولا بعد تنقيته وفيه تغليب الحصاد الخاص بالزرع في الأصل فيدخل فيه جني العنب وصرم النخل، كتغليب الثمر فيما قبله لإدخال حب الحصيد فيه وهو في الأصل خاص بالشجر، وهذه مقابلة تشبه الاحتباك جديرة بأن تعد نوعا خاصا من أنواع البديع...

يعني أن هذا الأمر في الصدقة المطلقة غير المحدودة المعينة ويؤيده أن السورة مكية والزكاة المحدودة فرضت بالمدينة في السنة الثانية من الهجرة. وقيل إنه في الزكاة المفروضة المحدودة في الأقوات التي هي العشر وربع العشر... ويرد عليه الإجماع على أن السورة مكية ولم يصح استثناء هذه الآية منها إلا أن يقال: مرادهم أن الإطلاق فيها قيد بعد الهجرة بالمقادير التي بينتها الزكاة كأمثالها من الآيات المكية التي ورد فيها الأمر بالزكاة، وقد صرح بعضهم بأن الزكاة المقيدة المعروفة نسخت فرضية الزكاة المطلقة والنسخ عند السلف أعم من النسخ في عرف الأصوليين فيدخل فيه تخصيص العام... وهذا هو الصواب ومعناه نسخ فرضيتها المطلقة فلم يبق بعد فرض الزكاة المحدودة إلا صدقة التطوع كما هو صريح قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما سأله بعد أن أخبره بالزكاة المفروضة: هل علي غيرها؟ قال صلى الله عليه وسلم "لا إلا أن تطوع "396 على أن الزكاة المحدودة المعينة لا يمكن أداؤها يوم الحصاد وما تأولوه في ذلك فهو تكلف. فإن قلت أليس إطعام المعدم المضطر واجبا على من علم بحاله؟ قلنا الكلام في الحق الواجب على الأعيان في الأموال بشروطها المعروفة، وإغاثة المضطر من الواجبات الكفائية العارضة لا العينية الثابتة. والحصاد بفتح الحاء وكسرها مصدر حصد الزرع إذا جزه أي قطعه كما قال في الأساس قرأه ابن كثير ونافع وحمزة بالكسر والباقون بالفتح...

وقوله: {وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} فيه ثلاثة أوجه تقدير الأول كلوا مما رزقكم الله ولا تسرفوا في الأكل كقوله تعالى في سورة الأعراف: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} (الأعراف 31) وهو في معنى ما تقدم في سورة المائدة: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} (المائدة 87) فالإسراف مجاوزة الحد والاعتداء كذلك والحد الذي ينهى عن تجاوزه إما شرعي كتجاوز الحلال من الطعام والشراب وما تعلق بهما إلى الحرام، وإما فطري طبعي وهو تجاوز حد الشبع إلى البطنة الضارة. والوجه الثاني: لا تسرفوا في الصدقة أي في أمرها،... وجعل بعضهم الإسراف في أمر الصدقة منعها فعن سعيد ابن المسيب في قوله: {ولا تسرفوا} قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا. وجعله بعضهم خاصا بالحكام الذين يأخذون الصدقات...

والوجه الثالث: أن النهي عام يشمل الإسراف في أكل الإنسان من ماله بغير سرف وفي إنفاقه على غيره من صدقة وغيرها، فالإسراف مذموم في كل شيء...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

...وهذه الآية تتضمن الإشارة إلى ما خلقه الله من أنواع النبات المختلفة، ما ينبت منها دون تدخل ولا عناية خاصة من جانب الإنسان، وما ينبت منها متوقفا على تجربة الإنسان التي هداه الله إليها، وعلى عنايته الخاصة {معروشات وغير معروشات} كما تتضمن نفس الآية الإشارة إلى ما أنشأه الله في النبات من مختلف الأنواع والأشكال والألوان والطعوم {مختلفا أكله} {متشابها وغير متشابه} مما هو دليل القدرة الواسعة، والنعمة السابغة، ثم قال تعالى: {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} فدعا خلقه أولا إلى تناول ما أنعم به عليهم من النبات والثمرات لفائدتهم ولتغذيتهم، ولقضاء حاجاتهم المتنوعة، والمتفرعة على نجاح عملية الإنبات والإثمار، ودعا خلقه ثانيا إلى القيام بأداء حق الله في نفس تلك النباتات ونفس تلك الثمرات و "حق الله "هو في الحقيقة حق الضعفاء من خلقه، من الفقراء والمساكين، وكافة المحتاجين، وإنما أطلق عليه "حق الله" ضمانا منه سبحانه وتعالى لحقوق الضعفاء والمحرومين، حتى يكون من ضيع حقهم إنما ضيع حق الله، ومن أهمل شأنهم إنما أهمل شأن الله، وهو سبحانه الذي يتولى حسابه العسير، على النقير والقطمير {وكفى بالله حسيبا}. ثم قال تعالى: في نفس السياق {ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين} تنبيها إلى أمرين اثنين: الأمر الأول هو إرشاد إلى عدم الإسراف في الأكل من الثمرات والنباتات، وهذا يتضمن إرشادا إلهيا صحيا متعلقا بصحة المؤمن العامة، وسلامة جسمه، وثقوب ذهنه، فمن لم يسرف في الأكل وتوابعه، ولم يأخذ منه أكثر من حاجته تمتع بجسم سليم وعقل سليم، ومن أسرف في الأكل وتوابعه أسرع بخطاه إلى العطب والهلاك جسما وعقلا، وهذا المعنى يؤكده قوله تعالى في آية أخرى {وكلوا واشربوا، إنه لا يحب المسرفين} وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (كلوا واشربوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة). والأمر الثاني هو الإرشاد إلى عدم الإسراف في الحقوق الاجتماعية التي جعلها الله للغير، وإلى عدم التوسع فيها أكثر من المطلوب، إذا كان ذلك على حساب الحقوق الأخرى التي جعلها الله للنفس والأهل والعيال، وهذا يتضمن إرشادا إلهيا له مساس بحياة الفرد الاقتصادية...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّـٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ} (141)

فيه ثلاث وعشرون مسألة :

الأولى - قوله تعالى : " أنشأ " أي خلق . " جنات معروشات " أي بساتين ممسوكات{[6759]} مرفوعات . " وغير معروشات " غير مرفوعات . قال ابن عباس : " معروشات " ما انبسط على الأرض مما يفرش مثل الكروم والزروع والبطيخ . " وغير معروشات " ما قام على ساق مثل النخل وسائر الأشجار . وقيل : المعروشات ما ارتفعت أشجارها . وأصل التعريش الرفع . وعن ابن عباس أيضا : المعروشات ما أثبته ورفعه الناس . وغير المعروشات ما خرج في البراري والجبال من الثمار . يدل عليه قراءة علي رضي الله عنه " مغروسات وغير مغروسات " بالغين المعجمة والسين المهملة .

الثانية - قوله تعالى : " والنخل والزرع " أفردهما بالذكر وهما داخلان في الجنات لما فيهما من الفضيلة ، على ما تقدم بيانه في " البقرة " عند قوله : " من كان عدوا{[6760]} لله وملائكته " [ البقرة : 98 ] الآية .

" مختلفا أكله " يعني طعمه منه الجيد والدون ، وسماه أكلا لأنه يؤكل . و " أكله " مرفوع بالابتداء . و " مختلفا " نعته ، ولكنه لما تقدم عليه وولي منصوبا نصب . كما تقول : عندي طباخا غلام . قال :

الشرُّ منتشرٌ يلقاك عن عُرُض *** والصالحات عليها مُغلقًا بابُ

وقيل : " مختلفا " نصب على الحال . قال أبو إسحاق الزجاج : وهذه مسألة مشكلة من النحو ؛ لأنه يقال : قد أنشأها ولم يختلف أكلها وهو ثمرها ، فالجواب أن الله سبحانه أنشأها بقول : " خالق كل شيء " [ الأنعام : 102 ] فاعلم أنه أنشأها مختلفا أكلها ؛ أي{[6761]} أنه أنشأها مقدرا فيه الاختلاف ، وقد بين هذا سيبويه بقوله : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا ، على الحال ، كما تقول : لتدخلن الدار آكلين شاربين ، أي مقدرين ذلك . جواب ثالث : أي لما أنشأه كان مختلفا أكله ، على معنى أنه لو كان له لكان مختلفا أكله . ولم يقل أكلهما ؛ لأنه اكتفى بإعادة الذكر على أحدهما ، كقوله : " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها{[6762]} " [ الجمعة : 11 ] أي إليهما . وقد تقدم هذا المعنى .

الثالثة - قوله تعالى : " والزيتون والرمان " عطف عليه " متشابها وغير متشابه " نصب على الحال ، وقد تقدم القول فيه . وفي هذه أدلة ثلاثة : أحدها ما تقدم من قيام الدليل على أن المتغيرات لا بدلها من مغير . الثاني على المنة منه سبحانه علينا ، فلو شاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا غذاء ، وإذا خلقه ألا يكون جميل المنظر طيب الطعم ، وإذ خلقه كذلك ألا يكون سهل الجني ، فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء ؛ لأنه لا يجب عليه شيء . الثالث على القدرة في أن يكون الماء الذي من شأنه الرسوب يصعد بقدرة الله الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها ، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأ فيها أوراق ليست من جنسها ، وثمر خارج من صفته الجرم الوافر ، واللون الزاهر ، والجنى الجديد ، والطعم اللذيذ ، فأين الطبائع وأجناسها ، وأين الفلاسفة وأناسها ، هل في قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان ، أو ترتب هذا الترتيب العجيب ! كلا ! لا يتم ذلك في العقول إلا لحي عالم قدير مريد . فسبحان من له في كل شيء آية ونهاية !ووجه اتصال هذا بما قبله أن الكفار لما افتروا على الله الكذب وأشركوا معه وحللوا وحرموا دلهم على وحدانيته بأنه خالق الأشياء ، وأنه جعل هذه الأشياء أرزاقا لهم .

الرابعة - قوله تعالى : " كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده " فهذان بناءان جاءا بصيغة أفعل : أحدهما مباح كقول : " فانتشروا في الأرض{[6763]} " [ الجمعة : 10 ] والثاني واجب .

وليس يمتنع في الشريعة اقتران المباح والواجب ، وبدأ بذكر نعمة الأكل قبل الأمر بإيتاء الحق ليبين أن الابتداء بالنعمة كان من فضله قبل التكليف .

الخامسة - قوله تعالى : " وآتوا حقه يوم حصاده " اختلف الناس في تفسير هذا الحق ، ما هو ؟ فقال أنس بن مالك وابن عباس وطاوس والحسن وابن زيد وابن الحنفية والضحاك وسعيد بن المسيب : هي الزكاة المفروضة ، العشر ونصف العشر . ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك في تفسير الآية ، وبه قال بعض أصحاب الشافعي . وحكى الزجاج أن هذه الآية قيل فيها إنها نزلت بالمدينة . وقال علي بن الحسين وعطاء والحكم وحماد وسعيد بن جبير ومجاهد : هو حق في المال سوى{[6764]} الزكاة ، أمر الله به ندبا . وروي عن ابن عمر ومحمد بن الحنفية أيضا ، ورواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال مجاهد : إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل ، وإذا جذذت فألق لهم من الشماريخ ، وإذا درسته ودسته{[6765]} وذريته فاطرح لهم منه ، وإذا عرفت{[6766]} كيله فأخرج منه زكاته . وقول ثالث هو منسوخ بالزكاة ؛ لأن هذه السورة مكية وآية الزكاة لم تنزل إلا بالمدينة : " خذ من أموالهم صدقة{[6767]} " [ التوبة : 103 ] ، " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة{[6768]} " [ البقرة : 43 ] . روي عن ابن عباس وابن الحنفية والحسن وعطية العوفي والنخعي وسعيد بن جبير . وقال سفيان : سألت السدي عن هذه الآية فقال . نسخها العشر ونصف العشر . فقلت عمن ؟ فقال عن العلماء .

السادسة - وقد تعلق أبو حنيفة بهذه الآية وبعموم ما في قوله عليه السلام : ( فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بنضح{[6769]} أو دالية نصف العشر " في إيجاب الزكاة في كل ما تنبت الأرض طعاما كان أو غيره . وقال أبو يوسف عنه : إلا الحطب والحشيش والقضب والتين والسعف{[6770]} وقصب الذريرة{[6771]} وقصب السكر . وأباه الجمهور ، معولين على أن المقصود من الحديث بيان ما يؤخذ منه العشر وما يؤخذ منه نصف العشر . قال أبو عمر : لا اختلاف بين العلماء فيما علمت أن الزكاة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب{[6772]} . وقالت طائفة : لا زكاة في غيرها . روي ذلك عن الحسن وابن سيرين والشعبي . وقال به من الكوفيين ابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح وابن المبارك يحيى بن آدم ، وإليه ذهب أبو عبيد . وروي ذلك عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو مذهب أبي موسى ، فإنه كان لا يأخذ الزكاة إلا من الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، ذكره وكيع عن طلحة بن يحيى عن أبي بردة عن أبيه . وقال مالك وأصحابه : الزكاة واجبة في كل مقتات مدخر ، وبه قال الشافعي . وقال الشافعي : إنما تجب الزكاة فيما ييبس يدخر في كل مقتات مأكولا . ولا شيء في الزيتون لأنه إدام . وقال أبو ثور مثله . وقال أحمد أقوالا أظهرها أن الزكاة إنما تجب في كل ما قال أبو حنيفة إذا كان يوسق ، فأوجبها في اللوز لأنه مكيل دون الجوز لأنه معدود . واحتج بقوله عليه السلام : ( ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر أو حب صدقة ) قال : فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن محل الواجب هو الوسق ، وبين المقدار الذي يجب إخراج الحق منه . وذهب النخعي إلى أن الزكاة واجبة في كل ما أخرجته الأرض ، حتى في عشر دساتج{[6773]} من بقل دستجة بقل . وقد اختلف عنه في ذلك ، وهو قول عمر بن عبدالعزيز فإنه كتب أن يؤخذ مما تنبت الأرض من قليل أو كثير العشر . ذكره عبدالرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل ، قال : كتب عمر{[6774]} . . . ؛ فذكره . وهو قول حماد بن أبي سليمان وتلميذه أبي حنيفة . وإلى هذا مال ابن العربي في أحكامه فقال : وأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق ، وأخذ يعضد مذهب الحنفي ويقويه . وقال في كتاب ( القبس بما عليه الإمام مالك بن أنس ) فقال : قال الله تعالى : " والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه " [ الأنعام : 141 ] . واختلف الناس في وجوب الزكاة في جميع ما تضمنته أو بعضه ، وقد بينا ذلك ، في ( الأحكام ) لبابه ، أن الزكاة إنما تتعلق بالمقتات كما بينا دون الخضراوات ، وقد كان بالطائف الرمان والفرسك{[6775]} والأترج فما اعترضه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ذكره ولا أحد من خلفائه .

قلت : هذا وإن لم يذكره في الأحكام هو الصحيح في المسألة ، وأن الخضراوات ليس فيها شيء . وأما الآية فقد اختلف فيها ، هل هي محكمة أو منسوخة أو محمولة على الندب . ولا قاطع يبين أحد محاملها{[6776]} ، بل القاطع المعلوم ما ذكره ابن بكير في أحكامه : أن الكوفة افتتحت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وبعد استقرار الأحكام في المدينة ، أفيجوز أن يتوهم متوهم أو من له أدنى بصيرة أن تكون شريعة مثل هذه عطلت فلم يعمل بها في دار الهجرة ومستقر الوحي ولا في خلافة أبي بكر ، حتى عمل بذلك الكوفيون ؟ . إن هذه لمصيبة فيمن ظن هذا وقال به !

قلت : ومما يدل على هذا من معنى التنزيل قوله تعالى : " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته{[6777]} " [ المائدة : 67 ] أتراه يكتم شيئا أمر بتبليغه أو ببيانه ؟ حاشاه عن ذلك وقال تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي{[6778]} " [ المائدة : 3 ] ومن كمال الدين كونه لم يأخذ من الخضراوات شيئا . وقال جابر بن عبدالله فيما رواه الدارقطني : إن المقاثئ{[6779]} كانت تكون عندنا تخرج عشرة آلاف فلا يكون فيها شيء . وقال الزهري والحسن : تزكى أثمان الخضر إذا بيعت{[6780]} وبلغ الثمن مائتي درهم ، وقاله الأوزاعي في ثمن الفواكه . ولا حجة في قولهما لما ذكرنا . وقد روى الترمذي عن معاذ أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضراوات وهي البقول فقال : ( ليس فيها شيء ) . وقد روي هذا المعنى عن جابر وأنس وعلي ومحمد بن عبدالله بن جحش وأبي موسى وعائشة . ذكر أحاديثهم الدار قطني رحمه الله . قال الترمذي : ليس يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء . واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة بحديث صالح بن موسى عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة ) . قال أبو عمر : وهذا حديث لم يروه من ثقات أصحاب منصور أحد هكذا ، وإنما هو من قول إبراهيم .

قلت : وإذا سقط الاستدلال من جهة السنة لضعف أسانيدها فلم يبق إلا ما ذكرناه من تخصيص عموم الآية ، وعموم قوله عليه السلام : ( فيما سقت السماء العشر ) ما ذكرنا . وقال أبو يوسف ومحمد : ليس في شيء من الخضر زكاة إلا ما كانت له ثمرة باقية ، سوى الزعفران ونحوه مما يوزن ففيه الزكاة . وكان محمد يعتبر في العصفر والكتان البزر ، فإذا بلغ بزرهما من القرطم والكتان خمسة أوسق كان العصفر والكتان تبعا للبزر ، وأخذ منه العشر أو نصف العشر . وأما القطن فليس فيه{[6781]} عنده دون خمسة أحمال شيء ، والحمل ثلاثمائة من بالعراقي . والورس والزعفران ليس فيما دون خمسة أمنان منها شيء . فإذا بلغ أحدهما خمسة أمنان كانت فيه الصدقة ، عشرا أو نصف العشر . وقال أبو يوسف : وكذلك قصب السكر الذي يكون منه السكر ، ويكون في أرض العشر دون أرض الخراج ، فيه ما في الزعفران . وأوجب عبدالملك بن الماجشون الزكاة في أصول الثمار دون البقول . وهذا خلاف ما عليه مالك وأصحابه ، لا زكاة عندهم لا في اللوز ولا في الجوز ولا في الجلوز{[6782]} وما كان مثلها ، وإن كان ذلك يدخر . كما أنه لا زكاة عندهم في الإجاص{[6783]} ولا في التفاح ولا في الكمثرى ، ولا ما كان مثل ذلك كله مما لا ييبس ولا يدخر . واختلفوا في التين ، والأشهر عند أهل المغرب ممن يذهب مذهب مالك أنه لا زكاة عندهم في التين . إلا عبدالملك بن حبيب فإنه كان يرى فيه الزكاة على مذهب مالك ، قياسا على التمر والزبيب . وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم البغداديين المالكيين ، إسماعيل بن إسحاق ومن اتبعه . قال مالك في الموطأ : السنة التي لا اختلاف فيها عندنا ، والذي سمعته من أهل العلم ، أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة : الرمان والفرسك والتين وما أشبه ذلك . وما لم يشبهه إذا كان من الفواكه . قال أبو عمر : فأدخل التين في هذا الباب ، وأظنه ( والله أعلم ) لم يعلم بأنه ييبس ويدخر ويقتات ، ولو علم ذلك ما أدخله في هذا الباب ؛ لأنه أشبه بالتمر والزبيب منه بالرمان . وقد بلغني عن الأبهري وجماعة من أصحابه أنهم كانوا يفتون بالزكاة فيه ، ويرونه مذهب مالك على أصوله عندهم . والتين مكيل يراعى فيه الخمسة الأوسق وما كان مثلها وزنا ، ويحكم في التين عندهم بحكم التمر والزبيب المجتمع عليهما . وقال الشافعي : لا زكاة في شيء من الثمار غير التمر والعنب ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الصدقة منهما وكانا قوتا بالحجاز يدخر . قال : وقد يدخر الجوز واللوز ولا زكاة فيهما ؛ لأنهما لم يكونا بالحجاز قوتا فيما علمت ، وإنما كانا فاكهة . ولا زكاة في الزيتون ، لقوله تعالى : " والزيتون والرمان " [ الأنعام : 141 ] . فقرنه مع الرمان ، ولا زكاة فيه . وأيضا فإن التين أنفع منه في القوت ولا زكاة فيه . وللشافعي قول بزكاة الزيتون قاله بالعراق ، والأول{[6784]} قاله بمصر ؛ فاضطرب قول الشافعي في الزيتون ، ولم يختلف فيه قول مالك . فدل على أن الآية محكمة عندهما غير منسوخة . واتفقا{[6785]} جميعا على أن لا زكاة في الرمان ، وكان يلزمهما إيجاب الزكاة فيه . قال أبو عمر : فإن كان الرمان خرج باتفاق فقد بان بذلك المراد بأن الآية ليست على عمومها ، وكان الضمير عائدا على بعض المذكور دون بعض . والله أعلم .

قلت : بهذا استدل من أوجب العشر في الخضراوات فإنه تعالى قال : " وآتوا حقه يوم حصاده " والمذكور قبله الزيتون والرمان ، والمذكور عقيب جملة ينصرف إلى الأخير بلا خلاف . قاله الكيا الطبري . وروي عن ابن عباس أنه قال : ما لقحت رمانة قط إلا بقطرة من ماء الجنة . وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال : إذا أكلتم الرمانة فكلوها بشحمها فإنه دباغ المعدة . وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق عن ابن عباس قال : لا تكسروا الرمانة من رأسها فإن فيها دودة يعتري منها الجذام . وسيأتي منافع زيت الزيتون في سورة " المؤمنون{[6786]} " إن شاء الله تعالى . وممن قال بوجوب زكاة الزيتون الزهري والأوزاعي والليث والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور . قال الزهري والأوزاعي والليث : يخرص{[6787]} زيتونا ويؤخذ زيتا صافيا . وقال مالك : لا يخرص ، ولكن يؤخذ العشر بعد أن يعصر ويبلغ كيله خمسة أوسق . وقال أبو حنيفة والثوري : يؤخذ من حبه .

السابعة - قوله تعالى : " يوم حصاده " قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم " حصاده " بفتح الحاء ، والباقون بكسرها ، وهما لغتان مشهورتان ، ومثله الصرام والصرام والجذاذ والجذاذ والقطاف والقطاف واختلف العلماء في وقت الوجوب على ثلاثة أقوال :الأول : أنه وقت الجذاذ . قاله محمد بن مسلمة ؛ لقوله تعالى : " يوم حصاده " . الثاني : يوم الطيب ؛ لأن ما قبل الطيب يكون علفا لا قوتا ولا طعاما ، فإذا طاب وحان{[6788]} الأكل الذي أنعم الله به وجب الحق الذي أمر الله به ، إذ بتمام النعمة يجب شكر النعمة ، ويكون الإيتاء وقت الحصاد لما قد وجب يوم الطيب . الثالث : أنه يكون بعد تمام الخرص ؛ لأنه حينئذ يتحقق الواجب فيه من الزكاة فيكون شرطا لوجوبها . أصله مجيء الساعي في الغنم . وبه قال المغيرة . والصحيح الأول لنص التنزيل . والمشهور من المذهب الثاني ، وبه قال الشافعي . وفائدة الخلاف إذا مات بعد الطيب زكيت على ملكه ، أو قبل الخرص على ورثته . وقال محمد بن مسلمة : إنما قدم الخرص توسعة على أرباب الثمار ، ولو قدم رجل زكاته بعد الخرص وقبل الجذاذ لم يجزه ؛ لأنه أخرجها قبل وجوبها . وقد اختلف العلماء في القول بالخرص وهي :

الثامنة - فكرهه الثوري ولم يجزه بحال ، وقال : الخرص غير مستعمل . قال : وإنما على رب الحائط أن يؤدي عشر ما يصير في يده للمساكين إذا بلغ خمسة أوسق . وروى الشيباني عن الشعبي أنه قال : الخرص اليوم بدعة . والجمهور على خلاف هذا ، ثم اختلفوا فالمعظم على جوازه في النخل والعنب ؛ لحديث عتاب بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأمره أن يخرص العنب كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ زكاة النخل تمرا . رواه أبو داود . وقال داود بن علي : الخرص للزكاة جائز في النخل ، وغير جائز في العنب ، ودفع حديث عتاب بن أسيد لأنه منقطع ولا يتصل من طريق صحيح ، قاله أبو محمد عبدالحق .

التاسعة - وصفة الخرص أن يقدر ما على نخله رطبا ويقدر ما ينقص لو يتمر{[6789]} ، ثم يعتد بما بقي بعد النقص ويضيف بعض ذلك إلى بعض حتى يكمل الحائط{[6790]} ، وكذلك في العنب في كل دالية{[6791]} .

العاشرة - ويكفي في الخرص الواحد كالحاكم . فإذا كان في التمر زيادة على ما خرص لم يلزم رب الحائط الإخراج عنه ، لأنه حكم قد نفذ . قاله عبدالوهاب . وكذلك إذا نقصى لم تنقص الزكاة . قال الحسن : كان المسلمون يخرص عليهم ثم يؤخذ منهم على ذلك الخرص .

الحادية عشر - فإن استكثر رب الحائط الخرص خيره الخارص في أن يعطيه ما خرص وأخذ خرصه . ذكره عبدالرزاق أخبرنا ابن جريج عن أبي{[6792]} الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله يقول : خرص ابن رواحة أربعين ألف وسق ، وزعم أن اليهود لما خيرهم أخذوا التمر وأعطوه عشرين ألف وسق . قال ابن جريج فقلت لعطاء : فحق على الخارص إذا استكثر سيد المال الخرص أن يخيره كما خير ابن رواحة اليهود ؟ قال : أي لعمري ! وأي سنة خير من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الثانية عشرة - ولا يكون الخرص إلا بعد الطيب ؛ لحديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث ابن رواحة إلى اليهود فيخرص عليهم النخل حين تطيب أول التمرة قبل أن يؤكل منها ، ثم يخير يهودا يأخذونها بذلك الخرص أو يدفعونها إليه . وإنما كان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق . أخرجه الدار قطني من حديث ابن جريج عن الزهري عن عروة عن عائشة . قال : ورواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة ، وأرسله مالك ومعمر وعقيل عن الزهري عن سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم .

الثالثة عشر - فإذا خرص الخارص فحكمه أن يسقط من خرصه مقدارا ما ؛ لما رواه أبو داود والترمذي والبستي{[6793]} في صحيحه عن سهل بن أبي حثمة أن النبي كان يقول : ( إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث ، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع ) . لفظ الترمذي . قال أبو داود : الخارص يدع الثلث للخرفة : وكذا قال يحيى القطان . وقال أبو حاتم البستي : لهذا الخبر صفتان : أحدهما أن يترك الثلث أو الربع من العشر ، والثاني أن يترك ذلك من نفس التمر قبل أن يعشر ، إذا كان ذلك حائطا كبيرا يحتمله . الخرفة بضم الخاء : ما يخترف من النخل حين يدرك ثمره ، أي يجتنى . يقال : التمر خرفة الصائم . عن الجوهري والهروي . والمشهور من مذهب مالك أنه لا يترك الخارص شيئا في حين خرصه من تمر النخل والعنب إلا خرصه . وقد روى بعض المدنيين أنه يخفف في الخرص ويترك للعرايا{[6794]} والصلة ونحوها .

الرابعة عشرة - فإن لحقت الثمرة جائحة بعد الخرص وقبل الجذاذ سقطت الزكاة عنه بإجماع من أهل العلم ، إلا أن يكون فيما بقي منه خمسة أوسق فصاعدا .

الخامسة عشرة - ولا زكاة في أقل من خمسة أوسق ، كذا جاء مبينا عن النبي صلى الله عليه وسلم . وهو في الكتاب مجمل ، قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض{[6795]} " [ البقرة : 267 ] . وقال تعالى : " وآتوا حقه " . ثم وقع البيان بالعشر ونصف العشر . ثم لما كان المقدار الذي إذا بلغه المال أخذ منه الحق مجملا بينه أيضا فقال : ( ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر أو حب صدقة ) وهو ينفي الصدقة في الخضراوات ، إذ ليست مما يوسق ، فمن حصل له خمسة أوسق في نصيبه من تمر أو حب وجبت عليه الزكاة ، وكذلك من زبيب ، وهو المسمى بالنصاب عند العلماء . يقال : وسق ووسق ( بكسر الواو وفتحها ) وهو ستون صاعا ، والصاع أربعة أمداد ، والمد رطل وثلث بالبغدادي ومبلغ الخمسة الأوسق من الأمداد ألف مد ومائتا مد ، وهي بالوزن ألف رطل وستمائة رطل{[6796]} .

السادسة عشرة - ومن حصل له من تمر وزبيب معا خمسة أوسق لم تلزمه الزكاة إجماعا{[6797]} ؛ لأنهما صنفان مختلفان . وكذلك أجمعوا على أنه لا يضاف التمر إلى البر ولا البر إلى الزبيب ، ولا الإبل إلى البقر ، ولا البقر إلى الغنم . ويضاف الضأن إلى المعز بإجماع . واختلفوا في ضم البر إلى الشعير والسلت ، وهي :

السابعة عشرة - فأجازه مالك في هذه الثلاثة خاصة فقط ؛ لأنها في معنى الصنف الواحد لتقاربها في المنفعة واجتماعها في المنبت والمحصد ، وافتراقها في الاسم لا يوجب افتراقها في الحكم كالجواميس والبقر ، والمعز والغنم . وقال الشافعي وغيره : لا يجمع بينها ؛ لأنها أصناف مختلفة ، وصفاتها متباينة ، وأسماؤها متغايرة ، وطعمها مختلف ، وذلك يوجب افتراقها . والله أعلم . قال مالك : والقطاني كلها صنف واحد ، يضم إلى بعض . وقال الشافعي : لا يضم حبة عرفت باسم منفرد دون صاحبتها ، وهي خلافها مباينه في الخلقة والطعم إلى غيرها . يضم كل صنف بعضه إلى بعض ، رديئه إلى جيده ، كالتمر وأنواعه ، والزبيب أسوده وأحمره ، والحنطة وأنواعها من السمراء وغيرها . وهو قول الثوري وأبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد وأبي ثور . وقال الليث : تضم الحبوب كلها : القطنية{[6798]} وغيرها بعضها إلى بعض في الزكاة . وكان أحمد بن حنبل يجبن عن ضم الذهب إلى الورق ، وضم الحبوب بعضها إلى بعض ، ثم كان في آخر أمره يقول فيها بقول الشافعي .

الثامنة عشر - قال مالك : وما استهلكه منه ربه بعد بدو صلاحه أو بعدما أفرك حسب عليه ، وما أعطاه ربه منه في حصاده وجذاذه ، ومن الزيتون في التقاطه ، تحرى ذلك وحسب عليه . وأكثر الفقهاء يخالفونه في ذلك ، ولا يوجبون الزكاة إلا فيما حصل في يده بعد الدرس . قال الليث في زكاة الحبوب : يبدأ بها قبل النفقة ، وما أكل من فريك هو وأهله فلا يحسب عليه ، بمنزلة الذي يترك لأهل الحائط يأكلونه فلا يخرص عليهم . وقال الشافعي : يترك الخارص لرب الحائط ما يأكله هو وأهله رطبا ، لا يخرصه عليهم . وما أكله وهو رطب لم يحسب عليه . قال أبو عمر : احتج الشافعي ومن وافقه بقول الله تعالى : " كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده " . واستدلوا على أنه لا يحتسب بالمأكول قبل الحصاد بهذه الآية . واحتجوا بقوله عليه السلام : ( إذا خرصتم فدعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع ) . وما أكلت الدواب والبقر منه عند الدرس لم يحسب منه شيء على صاحبه عند مالك وغيره .

التاسعة عشرة - وما بيع من الفول والحمص والجلبان أخضر ، تحرى مقدار ذلك يابسا وأخرجت زكاته حبا . وكذا ما بيع من الثمر أخضر اعتبر وتوخي وخرص يابسا وأخرجت زكاته على ذلك الخرص زبيبا وتمرا . وقيل : يخرج من ثمنه .

الموفية عشرين - وأما ما لا يتتمر من ثمر النخل ولا يتزبب من العنب كعنب مصر وبلحها{[6799]} ، وكذلك زيتونها الذي لا يعصر ، فقال مالك : تخرج زكاته من ثمنه ، لا يكلف غير ذلك صاحبه ، ولا يراعى فيه بلوغ ثمنه عشرين مثقالا أو مائتي درهم ، وإنما ينظر إلى ما يرى أنه يبلغه خمسة أوسق فأكثر . وقال الشافعي : يخرج{[6800]} عشره أو نصف عشره من وسطه تمرا إذا أكله أهله رطبا أو أطعموه .

الحادية والعشرون - روى أبو داود عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا العشر{[6801]} ، وفيما سقي بالسواني{[6802]} أو النضح نصف العشر وكذلك إن كان يشرب سيحا فيه العشر ) . وهو الماء الجاري على وجه الأرض . قاله ابن السكيت . ولفظ السيح مذكور في الحديث ، خرجه النسائي{[6803]} . فإن كان يشرب بالسيح لكن رب الأرض لا يملك ماء وإنما يكتريه له فهو كالسماء ، على المشهور من المذهب . ورأى أبو الحسن اللخمي أنه كالنضح ، فلو سقي مرة بماء السماء ومرة بدالية ، فقال مالك : ينظر إلى ما تم به الزرع وحيي وكان أكثر ، فيتعلق الحكم عليه . هذه رواية ابن القاسم عنه . وروى عنه ابن وهب : إذا سقي نصف سنة بالعيون ثم انقطع فسقي بقية السنة بالناضح فإن عليه نصف زكاته عشرا ، والنصف الآخر نصف العشر . وقال مرة : زكاته بالذي تمت به حياته . وقال الشافعي : يزكى واحد منهما بحسابه . مثاله أن يشرب شهرين بالنضح وأربعة بالسماء ، فيكون فيه ثلثا العشر لماء السماء وسدس العشر للنضح ! وهكذا ما زاد ونقص بحساب . وبهذا كان يفتي بكار بن قتيبة . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : ينظر إلى الأغلب فيزكى ، ولا يلتفت إلى ما سوى ذلك . وروي عن الشافعي . قال الطحاوي : قد اتفق الجميع على أنه لو سقاه بماء المطر يوما أو يومين أنه لا اعتبار به ، ولا يجعل لذلك حصة ، فدل على أن الاعتبار بالأغلب ، والله أعلم .

قلت : فهذه جملة من أحكام هذه الآية ، ولعل غيرنا يأتي بأكثر منها على ما يفتح الله له . وقد مضى في " البقرة " {[6804]} جملة من معنى هذه الآية ، والحمد لله .

الثانية والعشرون - وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس في حب ولا تمر صدقة ){[6805]} فخرجه النسائي . قال حمزة الكناني : لم يذكر في هذا الحديث ( في حب ) غير إسماعيل بن أمية ، وهو ثقة قرشي من ولد سعيد بن العاص . قال : وهذه السنة لم يروها أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه غير أبي سعيد الخدري . قال أبو عمر : هو كما قال حمزة ، وهذه سنة جليلة تلقاها الجميع بالقبول ، ولم يروها أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت محفوظ غير أبي سعيد . وقد روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ، ولكنه غريب ، وقد وجدناه من حديث أبي هريرة بإسناد حسن .

الثالثة والعشرون - قوله تعالى : " ولا تسرفوا " الإسراف في اللغة الخطأ . وقال أعرابي أراد قوما : طلبتكم فسرفتكم ؛ أي أخطأت موضعكم . وقال الشاعر :

وقال قائلهم والخيل تخبِطُهم *** أسرفتم فأجبنا أننا سَرَفُ

والإسراف في النفقة : التبذير . ومسرف لقب مسلم بن عقبة المري صاحب وقعة الحرة{[6806]} ؛ لأنه قد أسرف فيها . قال علي بن عبدالله بن العباس :

هم منعوا ذِماري يوم جاءت *** كتائبُ مُسْرِفٍ وبني اللَّكِيعَه{[6807]}

والمعنى المقصود من الآية : لا تأخذوا الشيء بغير حقه ثم تضعوه في غير حقه . قاله أصبغ بن الفرج . ونحوه قول إياس بن معاوية : ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف . وقال ابن زيد : هو خطاب للولاة ، يقول : لا تأخذوا فوق حقكم وما لا يجب على الناس . والمعنيان يحتملهما قوله عليه السلام : ( المعتدي في الصدقة كمانعها ) . وقال مجاهد : لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفا ، ولو أنفق درهما أو مدا في معصية الله كان مسرفا . وفي هذا المعنى قيل لحاتم : لا خير في السرف ، فقال : لا سرف في الخير .

قلت : وهذا ضعيف ، يرده ما روى ابن عباس أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فجذها ثم قسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا ، فنزلت " ولا تسرفوا " أي لا تعطوا كله . وروى عبدالرزاق عن ابن جريج قال : جذ معاذ بن جبل نخله فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منه شي : فنزل " ولا تسرفوا " . قال السدي : " ولا تسرفوا " أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء . وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه سئل عن قوله تعالى : " ولا تسرفوا " قال : الإسراف ما قصرت{[6808]} عن حق الله تعالى .

قلت : فعلى هذا تكون الصدقة بجميع المال ، ومنه إخراج حق المساكين داخلين ، في حكم السرف ، والعدل خلاف هذا ، فيتصدق ويبقي كما قال عليه السلام : ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ){[6809]} إلا أن يكون قوي النفس غنيا بالله متوكلا عليه منفردا لا عيال له ، فله أن يتصدق بجميع ماله ، وكذلك يخرج الحق الواجب عليه من زكاة وما يعن في بعض الأحوال من الحقوق المتعينة في المال . وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم : الإسراف ما لم يقدر على رده إلى الصلاح . والسرف ما يقدر على رده إلى الصلاح . وقال النضر بن شميل : الإسراف التبذير والإفراط ، والسرف الغفلة والجهل . قال جرير :

أعطوا هُنيدة يحدوها ثمانية *** ما في عطائهم مَنٌّ ولا سَرَفُ

أي إغفال ، ويقال : خطأ . ورجل سرف الفؤاد ، أي مخطئ الفؤاد غافله . قال طرفة :

إن امرأ سَرِفَ الفؤاد يرى *** عَسَلاً بماء سحابة شَتْمِي


[6759]:كذا في ا و ك و ج. لعل الأصل: مسموكات. في البحر: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكا ينعطف عليه القضبان.
[6760]:راجع ج 2 ص 36.
[6761]:كذا في الأصول والمتبادر أن العبارة: أو أنه أنشأها الخ فيكون هذا جوابا ثان كما يستفاد من العبارة الآتية والنحاس.
[6762]:راجع ج 18 ص 109.
[6763]:راجع ج 18 ص 108.
[6764]:وذلك قوله تعالى: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} فإنها مكية.
[6765]:من ك، ز.
[6766]:في ع: وإذا عزمت عليه كيله فأخرج لهم زكاته.
[6767]:راجع ج 8 ص 144.
[6768]:راجع ج 1 ص 343.
[6769]:النضح: سقى الزرع وغيره بالسانية، وهي الناقة يستقى عليها.
[6770]:في ك: الشعف: هو قشر شجر الغاف.
[6771]:الذريرة: قصب يجاء به من الهند، كقصب النشاب أحمر يتداوى به.
[6772]:يعني الحبوب الستة أي والذرة والسلت فإنه لا خلاف بينهم في زكاتها.
[6773]:الدستجة: الحزمة. تعليق الحكم بالوسق لا يتسق مع هذه الرواية لتخصيصها ولكن مع رواية البخاري "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" فتأمل.
[6774]:من ك.
[6775]:الفرسك (كزبرج): الخوخ أو ضرب منه أجرد أحمر، أو ما ينفلق عن نواة.
[6776]:في ك: محتملاتها.
[6777]:راجع ج 6 ص 242.
[6778]:راجع ج 6 ص 61.
[6779]:المقاثيء (جمع مقثأة بفتح الثاء وضمها): موضع القثاء.
[6780]:كذا في ج و ك و ز: وفي ا و ب : أينعت.
[6781]:من ك.
[6782]:الجلوز: البندق.
[6783]:الإجاص: شجر معروف واحدته إجاصة. ثمره حلو لذيذ.
[6784]:في ك: والأولى ما قاله بمصر.
[6785]:في ك: والفقهاء جميعا.
[6786]:راجع ج 12 ص 114.
[6787]:ستأتي معاني الخرص في المسألة التاسعة.
[6788]:في ك و ز و ي: وكان.
[6789]:في ك: تتمر. أي صار تمرا بتيبيسه.
[6790]:الحائط. البستان.
[6791]:من ك.
[6792]:في ك: ابن الزبير.
[6793]:في ك، النسائي.
[6794]:العرايا (واحدة عرية) وهي النخلة يعريها صاحبها رجلا محتاجا. والإعراء أن يجعل له ثمرة عامها.
[6795]:راجع ج 3 ص 320.
[6796]:في المصباح: الرطل بالبغدادي اثنا عشر أوقية والأوقية أستار وثلثا أستار والأستار أربعة مثاقيل ونصف مثقال والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم والدرهم ستة داوئق والدائق ثمان حبات وخمسا حبة. وعلى هذا فالرطل تسعون مثقالا. وهي مائة درهم وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم.
[6797]:من ب و ز و ك.
[6798]:القطنية (بضم القاف وكسرها): ما كان سوى الحنطة والشعير والزبيب والتمر. في التهذيب: القطنية اسم جامع للحبوب التي تطبخ مثل العدس والبقلاء واللوبيا والحمص.. الخ.
[6799]:من ك. وفي ا و ب: نخيلها.
[6800]:من ك. وفي ا و ب: نخيلها.
[6801]:البعل: هو ما ينبت من النخيل في أرض يقرب ماؤها، فرسخت عروقها في الماء واستغنت عن ماء السماء والأنهار. ويروى: أو كان عثريا. وهو البعلى.
[6802]:السواني: جمع سانية وهي الناقة التي يستقى عليها.
[6803]:لم نجد في النسائي هذه الزيادة والله أعلم.
[6804]:راجع ج 3 ص 321.
[6805]:بقيته: "حتى تبلغ خمسة أوسق" الحديث.
[6806]:بظاهر المدينة المنورة في عهد يزيد بن معاوية.
[6807]:في اللسان: بنو اللكيعة. معطوف على فاعل جاءت. في س ر ف. و في ل ك ع بنى.
[6808]:في ك: ما يصرف.
[6809]:أي ما كان عفوا قد فضل عن غنى. وقيل: أراد ما فضل عن العيال. والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعا للكلام وتمكينا. كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال (من ابن الأثير).
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّـٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ} (141)

قوله تعالى : { وهو الذي أنشأ جنت معروشت وغير معروشت والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشبها وغير متشبه كلوا من ثمره إذا أثمره وءاتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } يقيم الله في ذلك دلائل من الطبيعة والخلق على تقرير حقيقة التوحيد وعلى قدرة الخالق الجليل الذي صنع هذه الخلائق وأشباهها وأبدع فيها طبيعتها وصفاتها من مختلف الطعوم والمذاقات والأكل بما يقطع في يقين كامل علة وجود الله سبحانه وأنه الإله الأحد المتعالي الذي أوجد كل شيء من لا شيء وعلى غير مثال سبق فقال سبحانه : { وهو الذي أنشأ جنت معروشت وغير معروشت } الجنات : البساتين .

والمعروشات ، من العرش وهو أعلى الشيء . وعرش البيت يعني سقفه . واعترش العنب إذا علا على العريش . وعرش الكرم عرشا وعروشا . أي رفع دواليه على الخشب . والكروم المعروشات : ما حمل منها على العريش ، وهو عيدان تصنع على هيئة السقف ليوضع عليها الكرم{[1292]} أما غير المعروشات فما كان من الكرم ممدودا على الأرض غير مرفوع . قال ابن عباس في ذلك : معروشات ما عرش من الكرم ، وغير معروشات ما لم يعرش من الكرم . وفي رواية عنه أخرى أن المعروشات ما عرش الناس وهو ما يغرسونه من بساتين ونحوها . وغير المعروشات ما خرج في البراري والجبال من الثمرات .

قوله : { والنخل والزرع مختلفا أكله } النخل والزرع ، معطوف على جنات ، سمي أكلا ، لأنه يؤكل . والمعنى أنه سبحانه خلق النخل والزرع مختلفا ما يخرج منه مما يؤكل من الثمر . يعني مختلفا طعمه فمنه الجيد ومنه دون ذلك .

وقيل : أنشأهما مختلفين في الصورة والمعنى ، أو في الهيئة والكيفية .

قوله : { والزيتون والرمان متشبها وغير متشابه } الزيتون والرمان معطوف على جنات كذلك . متشابها حال منصوب . أي خلق الزتتون والرمان حال كونه متشابها وغير متشابه . واختلف في تأويل { متشبها وغير متشبه } فقيل : المراد في الطعم فمنه الحلو والحامض والمر . وقيل : متشابها في المنظر وغير متشابه في الطعم . فهذه الأنواع من النبات كالنخيل والزرع والزيتون والرمان وغير ذلك من أنواع المغروسات والثمرات على اختلاف أنواعها وهيئاتها ، وتفاوت طعومها ومذاقاتها ، وتباين أصنافها وأحجامها ، كل ذلك ينطق بالبرهان الساطع ، والدليل الأبلج اللامع لكل امرئ عاقل فطين على وجود الله وعلى جلال ملكوته وعظيم سلطانه وجبروته . لا جرم أن ذلك كله من صنع الله وتقديره ليكون ذلك كله أعظم شاهد على وحدانية الخالق الحكيم .

قوله : { كلوا من ثمره إذا أثمر } الأمر في قوله : { كلوا } للإباحة . فقد أباح الله للناس الأكل من ثمر ما غرسوا . وظاهر الآية يدل على إباحة الأكل قبل النضج والينع قوله : { وءاتوا حقه يوم حصاده } اختلفوا في المراد بحقه يوم حصاده على ثلاثة أقوال هي : القول الأول : على أن المراد به الزكاة المفروضة . وهي العشر ونصف العشر لكيفية السقي . فما سقي بماء المطر ففيه العشر ، وما سقي بالسانية – وهي الناقة يستقى عليها – فيقتضي ذلك كلفة مالية ، ففيه نصف العشر . وهو قول فريق من أهل العلم فيهم أنس بن مالك وابن عباس وطاووس والحسن البصري وسعيد بن المسيب . ويفهم من هذا القول أن هذه الآية نزلت في المدينة . وقد تمسك الإمام أبو حنفية بهذه الآية في وجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض من النبات ، مطعوما أو غير مطعوم . واستدل على ذلك أيضا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم : " فيما سقت السماء العشر ، وفيما سقي بنضح{[1293]} أو دالية نصف العشر " وتفصيل ذلك في موضعه من تفسير سورة البقرة .

قوله : { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } السرف ، بالتحريك : ضد القصد أو مجاوزته . والإسراف معناه التبذير ومجاوزة القصد . أو ما أنفق في غير طاعة الله{[1294]} .

وثمة تفصيل لأهل التأويل في تأويل الإسراف الذي نهى الله عنه بهذه الآية .

وذلك على جملة أقوال :

منها : أنه مجاوزة القدر في العطية إلى ما يجحف برب المال . والتقدير : لا تتجاوزوا الحد فتبسطوا أيديكم كل البسط في الإعطاء . وقالوا في هذا الصدد : إنهم كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة ثم تسارفوا . أي تباروا في الإعطاء وأسرفوا فأنزل الله الآية .

وقيل : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ، إذ جذ نخلا فقال : لا يأتين اليوم أحد إلا أطعمته . فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة فقال الله : { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } .

ومنها : أن الإسراف المنهي عنه في الآية هو منع الصدقة ( الزكاة ) وتلك معصية كبيرة .

ومنها : أن المراد بالإسراف في الآية هو الأكل من الزرع والثمر قبل الحصاد أو الجذاذ لما في ذلك من إضرار بالفقراء ببخسهم حقهم .

ومنها : أن المراد بالإسراف النفقة في معصية الله .

ومنها : أن الخطاب في الآية للولاة وأهل السلطان ، إذ نهاهم عن الأخذ من الرعية ما ليس لهم أن يأخذوه من أموالهم .

الراجح هنا ، القول بالنهي عن عموم معاني الإسراف من غير تخصيص لواحد من هذه المعاني دون غيره{[1295]} .


[1292]:- القاموس المحيط ج 2 ص 289 ومختار الصحاح 423.
[1293]:- النضح: الماء الذي ينضحه الناضح وهو البعير الذي يستقى عليه. والأنثى ناضحة أو سانية. انظر مختار الصحاح ص 664والمصباح المنير ج 2 ص 279.
[1294]:- القاموس المحيط ج 3 ص 156 والمصباح المنير ج 1 ص 294.
[1295]:- روح المعاني ج 8 ص 37- 39 وتفسير الطبري ج 8 ص 40- 46 وفتح القدير ج 2 ص 168.