الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (70)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا}، يعنى إيمانا، كقوله: {لن يؤتيهم الله خيرا} [هود:31] يعنى إيمانا، وهذا في هود، {يؤتكم خيرا مما أخذ منكم} من الفداء، فوعدهم الله أن يخلف لهم أفضل ما أخذ منهم، {ويغفر لكم} ذنوبكم، {والله غفور} لما كان منهم من الشرك من ذنوبهم، ذو تجاوز، {رحيم} بهم في الإسلام.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبيّ قل لمن في يديك وفي يدي أصحابك من أسرى المشركين الذين أخذ منهم من الفداء ما أخذ "إنْ يَعْلَمِ الله في قُلُوبِكُمْ خَيْرا "يقول: إن يعلم الله في قلوبكم إسلاما يؤتكم خيرا مما أخذ منكم من الفداء. "وَيَغْفِرْ لَكُمْ" يقول: ويصفح لكم عن عقوبة جرمكم الذي اجترمتموه بقتالكم نبيّ الله وأصحابه وكفركم بالله.

"وَاللّهُ غَفُورٌ" لذنوب عباده إذا تابوا، "رَحِيمٌ" بهم أن يعاقبهم عليها بعد التوبة. وذُكر أن العباس بن عبد المطلب كان يقول: فيّ نزلت هذه الآية...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قال عامة أهل التأويل: إن الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب وأصحابه، وكذلك يقول ابن عباس: قالوا للنبي: آتنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، فنزل (إن يعلم الله) اعتقاد الإيمان والتصديق له (في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم) أي إيمانا وتصديقا، فيخلف عليكم خيرا مما أصيب منكم. لكنها فيه وفي غيره: من فعل مثل فعله فهو في ذلك سواء؛ يكون من الموعود الذي ذكر ما يكون له. وقوله تعالى: (يؤتكم خيرا مما أخذ منكم) أي ما آتاكم خير، وهو الإيمان مما أخذ من المال الذي ذكر في القصة.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

الذي يعْطَوْنه خيرٌ مما أُخِذَ منهم. ويحتمل أن يكون ما في الآخرة من حسن الثواب، ويحتمل أن يكون ما في الدنيا من جميل العِوَض. ويقال هو ما يوصلهم إليه من توفيق الطاعات، وحلاوة الإيمان، وهو خيرٌ مما أُخِذَ منهم.

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

لَمَّا أُسِرَ من أُسَارَى الْمُشْرِكِينَ رُوِيَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ قَوْمٌ مِنْهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُمْضُوا بِذَلِكَ عَزِيمَةً، وَلَا اعْتَرَفُوا بِهِ اعْتِرَافًا جَازِمًا. وَيُشْبِهُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَقْرَبُوا من الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَبْعُدُوا من الْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ... وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ الْحَقِيقَةَ؛ فَقَالَ: {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَك} أَيْ إنْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمْ خِيَانَةً وَمَكْرًا {فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ من قَبْلُ} بِكُفْرِهِمْ وَمَكْرِهِمْ بِك وَقِتَالِهِمْ لَك، فَأَمْكَنَك مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمْ خَيْرًا وَيَعْلَمُهُ اللَّهُ فَيَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَيُعَوِّضُهُمْ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ عَنْهُمْ وَيَغْفِرُ لَهُمْ مَا تَقَدَّمَ من كُفْرِهِمْ وَخِيَانَتِهِمْ وَمَكْرِهِمْ.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

واختلف المفسرون في أن الآية نازلة في العباس خاصة، أو في جملة الأسارى؛

قال قوم: إنها في العباس خاصة، وقال آخرون: إنها نزلت في الكل، وهذا أولى، لأن ظاهر الآية يقتضي العموم من ستة أوجه:

أحدها: قوله: {قل لمن في أيديكم}.

وثانيها: قوله: {من الأسرى}.

وثالثها: قوله: {في قلوبكم}.

ورابعها: قوله: {يؤتكم خيرا}.

وخامسها: قوله: {مما أخذ منكم}.

وسادسها: قوله: {ويغفر لكم}.

فلما دلت هذه الألفاظ الستة على العموم، فما الموجب للتخصيص؟ أقصى ما في الباب أن يقال: سبب نزول الآية هو العباس، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{يا أيها النبي} أي الذي أنبئه بكل معنى جليل، يظهر دينه ويزكي أمته مع رفع مقداره وإتمام أنواره {قل لمن في أيديكم} أي في أيدي أصحابك وأهل دينك، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب {من الأسرى} ترغيباً لهم فيما عند الله {إن يعلم الله} بما له من صفات الجلال والجمال {في قلوبكم خيراً} أي شيئاً من تقواه الحاملة على الإيمان الذي هو رأس الخير وعلى كل خير {يؤتكم خيراً مما أخذ منكم} أي مما يفتح به عليكم من المغانم في الدنيا ويدخره لكم من الثواب في الأخرى...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71)}.

هاتان الآيتان متمتان للكلام في أسرى بدر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بترغيبهم في الإسلام ببيان ما فيه من خيري الدنيا والآخرة، وبتهديدهم وإنذارهم عاقبة بقائهم على الكفر وخيانته صلى الله عليه وسلم، ويتضمن ذلك البشارة بحسن العاقبة والظفر له ولمن اتبعه من المؤمنين.

قال تعالى: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} أي قل للذين في تصرف أيديكم من الأسرى وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر من الأسارى الذين أخذتم منهم الفداء {إن يعلم الله في قلوبكم خيرا} إن كان الله تعالى يعلم أن في قلوبكم إيمانا كامنا بالفعل أو بالاستعداد الذي سيظهر في إبانه أو كما يدعي بعضكم بلسانه، والله أعلم بما في قلوبكم {يؤتكم خيرا مما أخذ منكم} أي يعطكم إذ تسلمون ما هو خير لكم مما أخذه المؤمنون منكم من الفداء بما تشاركونهم فيه من الغنائم وغيرها من نعم الدين التي وعدهم الله بها.

روى أبو الشيخ عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أن ابن عباس وأصحابه قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم آمنا بما جئت به ونشهد أنك رسول الله فنزل {إن يعلم الله في قلوبكم خيرا} أي إيمانا وتصديقا يخلف لكم خيرا مما أصيب منكم {ويغفر لكم} أي ما كان من الشرك وما ترتب عليه من السيئات. فكان عباس يقول ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا وأن لي ما في الدنيا من شيء، فلقد أعطاني الله خيرا مما أخذ مني مائة ضعف، وأرجو أن يكون غفر لي الله. وقد أخذ هذا من قوله: {والله غفور رحيم} أي غفور لمن تاب من كفره ومن ذنبه بالأولى رحيم بالمؤمنين. والمراد بهذه الرحمة الخاصة التي تشمل سعادة الآخرة، وأما الرحمة العامة فقد وسعت كل شيء. وهذا ترغيب لهم في الإسلام ودعوة إليه، وعدم عدهم مسلمين بما قاله بعضهم، ولذلك قال: {وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم}.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إن الإسلام إنما يستبقي الأسرى لديه، ليلمس في قلوبهم مكامن الخير والرجاء والصلاح، وليوقظ في فطرتهم أجهزة الاستقبال والتلقي والتأثر والاستجابة للهدى. لا ليستذلهم انتقاماً، ولا ليسخرهم استغلالاً؛ كما كانت تتجه فتوحات الرومان؛ وكما تتجه فتوحات الأجناس والأقوام!...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمراد بالخير محبّة الإيمان والعزم عليه، أي: فإذا آمنتم بعد هذا الفِداء يؤتكم الله خيراً ممّا أخذ منكم. وليس إيتاء الخير على مجرّد محبة الإيمان والميل إليه، كما أخبر العبّاس عن نفسه، بل المراد به ما يترتّب على تلك المحبّة من الإسلام بقرينة قوله: {ويغفر لكم}. وكذلك ليس الخير الذي في قلوبهم هو الجزم بالإيمان: لأنّ ذلك لم يدَّعوه ولا عرِفوا به... والخيرُ منه هو الأوفر من المال بأن ييسِّر لهم أسباب الثروة بالعطاء من أمْوال الغنائم وغيرها. فقد أعطَى رسول الله صلى الله عليه وسلم العباسَ بعد إسلامه مِن فَيْءِ البَحرين. وإنّما حملنا الخير على الأفضل من المال؛ لأنّ ذلك هو الأصل في التفضيل بين شيئين أن يكون تفضيلاً في خصائص النوع، ولأنّه عطف عليه قوله: {ويغفر لكم} وذلك هو خير الآخرة المترتّب على الإيمان، لأنّ المغفرة لا تحصل إلاّ للمؤمن...

والتذييلُ بقوله: {والله غفور رحيم} للإيماء إلى عظم مغفرته التي يغفر لهم، لأنّها مغفرة شديدِ الغفران رحيمٍ بعبَاده، فمثال المبالغة وهو غفور المقتضي قوةَ المغفرة وكثرتها، مستعمل فيهما باعتبار كثرة المخاطبين وعِظم المغفرة لكلّ واحد منهم...

، والخيرُ منه هو الأوفر من المال بأن ييسِّر لهم أسباب الثروة بالعطاء من أمْوال الغنائم وغيرها. فقد أعطَى رسول الله صلى الله عليه وسلم العباسَ بعد إسلامه مِن فَيْءِ البَحرين. وإنّما حملنا الخير على الأفضل من المال؛ لأنّ ذلك هو الأصل في التفضيل بين شيئين أن يكون تفضيلاً في خصائص النوع {ويغفر لكم} وذلك هو خير الآخرة المترتّب على الإيمان، لأنّ المغفرة لا تحصل إلاّ للمؤمن.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وقد أمر الله تعالى نبيه بأن يتجه إلى الأسرى يرشدهم ويهديهم ويطيب نفوسهم، فيقول تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

يظهر أن ذلك العتب كان والأسرى لا يزالون بالمدينة أو أكثرهم، وكانوا قد دفعوا الفداء؛ وذلك لأنه سبحانه أمر نبيه بأن يخاطبهم هذا الخطاب وعبر بأنهم لا يزالون في أيدي المسلمين أو بعضهم.

خاطب الله نبيه بأن يقول لهم كلمة رحيمة هادية تقرب القلوب، ولا تجفيها، قال سبحانه لنبيه: {قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى}، أي لا يزالون تحت سلطانكم، وقريبين منكم {إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ} أي إن يعلم الله في قلوبكم خيرا، وهو رجاء الإيمان منكم، أو قرب احتماله، يؤتكم خيرا مما أخذ منكم أي يؤتكم إيمانا وأن تكونوا في صفوف جيش الله ومع المؤمنين، فيكون الإيمان، وهو خير مطلق، وفضل عميم ويؤتكم من خير الغنائم أكثر مما أخذ منكم.

وهذا تحريض على الإيمان. وقوله تعالى: {يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ} من غنائم غنمها المسلمون، ومن فدية افتديتم بها أنفسكم،وقد روت صحاح السنة أن ممن شملهم خطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ويقول بعض المفسرين: إن الآية نزلت فيه، ونحن نقول: إنها تشمله فيمن كان معه من الأسرى الذين أخذت منهم غنائم في القتال، وأخذت فيه فدية في الأسر، وقد عوض من الأمرين خيرا مما أخذ منه.

...ثم ختم الله تعالى الآية الكريمة بقوله: {والله غفور رحيم}، أي أنه سبحانه وتعالى مع هذا العطاء المضاعف لما أخذ منكم يعطيكم شيئا غير قابل للتعويض وهو من فضل الله ورحمته وهو غفران ما أسلفتم من كفر وجحود ومعاندة لله تعالى، فهو الغفور الذي يغفر ما سبق بأبلغ درجات الغفران ويرحمكم أبلغ الرحمة.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (70)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى " قيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه . وقيل : له وحده . وقال ابن عباس رضي الله عنه : الأسرى في هذه الآية عباس وأصحابه . قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أمنا بما جئت به ، ونشهد أنك رسول الله ، لننصحن لك على قومك ، فنزلت هذه الآية . وقد تقدم بطلان هذا من قول مالك . وفي مصنف أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة . وعن ابن إسحاق : بعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم ، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا . وقال العباس : يا رسول الله ، إني قد كنت مسلما . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الله أعلم بإسلامك فإن يكن كما تقول فالله يجزيك بذلك فأما ظاهر أمرك فكان علينا فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وحليفك عتبة بن عمرو أخا بني الحارث بن فهر ) . وقال : ما ذاك عندي يا رسول الله . قال : ( فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل فقلت لها : إن أصبت في سفري هذا فهذا المال لبني الفضل وعبد الله وقثم ) ؟ فقال : يا رسول الله ، إني لأعلم أنك رسول الله ، إن هذا لشيء ما علمه غيري وغير أم الفضل ، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ذاك شيء أعطانا الله منك ) . ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه ، وأنزل الله فيه : " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى " الآية . قال ابن إسحاق : وكان أكثر الأسارى فداء العباس بن عبد المطلب ، لأنه كان رجلا موسرا ، فافتدى نفسه بمائة أوقية من ذهب . وفي البخاري : وقال موسى بن عقبة قال ابن شهاب : حدثني أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه . فقال : ( لا والله لا تذرون درهما ) . وذكر النقاش وغيره أن فداء كل واحد من الأسارى كان أربعين أوقية ، إلا العباس فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أضعفوا الفداء على العباس ) وكلفه أن يفدي ابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث فأدى عنهما ثمانين أوقية ، وعن نفسه ثمانين أوقية وأخذ منه عشرون أوقية{[7810]} وقت الحرب . وذلك أنه كان أحد العشرة الذين ضمنوا الإطعام لأهل بدر ، فبلغت النوبة إليه يوم بدر فاقتتلوا قبل أن يطعم ، وبقيت العشرون معه فأخذت منه وقت الحرب ، فأخذ منه يومئذ مائة أوقية وثمانون أوقية . فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم : لقد تركتني ما حييت أسأل قريشا بكفي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أين الذهب الذي تركته عند امرأتك أم الفضل ) ؟ فقال العباس : أي ذهب ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنك قلت لها لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهو لك ولولدك ) فقال : يا ابن أخي ، من أخبرك بهذا ؟ قال : ( الله أخبرني ) . قال العباس : أشهد أنك صادق ، وما علمت أنك رسول الله قط إلا اليوم ، وقد علمت أنه لم يطلعك عليه إلا عالم السرائر ، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله ، وكفرت بما سواه . وأمر ابني أخويه فأسلما ، ففيهما نزلت " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى " . وكان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة ، وكان رجلا قصيرا ، وكان العباس ضخما طويلا ، فلما جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( لقد أعانك عليه ملك ) .

الثانية - قوله تعالى : " إن يعلم الله في قلوبكم خيرا " أي إسلاما . " يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم " أي من الفدية . قيل في الدنيا . وقيل في الآخرة . وفي صحيح مسلم أنه لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مال من البحرين قال له العباس : إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خذ ) فبسط ثوبه وأخذ ما استطاع أن يحمله . مختصر . في غير الصحيح : فقال له العباس هذا خير مما أخذ مني ، وأنا بعد أرجو أن يغفر الله لي . قال العباس : وأعطاني زمزم ، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة . وأسند الطبري إلى العباس أنه قال : في نزلت حين أعلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي ، وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي أخذت مني قبل المفاداة فأبى . وقال : ( ذلك فيء ) فأبدلني الله من ذلك عشرين عبدا كلهم تاجر بمالي . وفي مصنف أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال ، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص . قالت : فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال : ( إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها ) ؟ فقالوا : نعم . وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عليه أو وعده أن يخلي سبيل زينب إليه . وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار فقال : ( كونا ببطن يأجج{[7811]} حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها ) . قال ابن إسحاق : وذلك بعد بدر بشهر . قال عبد الله بن أبي بكر : حدثت عن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت : لما قدم أبو العاص مكة قال لي : تجهزي ، فالحقي بأبيك . قالت : فخرجت أتجهز فلقيتني هند بنت عتبة فقالت : يا بنت محمد ، ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك ؟ فقلت لها : ما أردت ذلك . فقالت ، أي بنت عم ، لا تفعلي ، إني امرأة موسرة وعندي سلع من حاجتك ، فإن أردت سلعة بعتكها ، أو قرضا من نفقة أقرضتك ، فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال . قالت : فوالله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل ، فخفتها فكتمتها وقلت : ما أريد ذلك . فلما فرغت زينب من جهازها ارتحلت وخرج بها حموها يقود بها نهارا كنانة بن الربيع . وتسامع بذلك أهل مكة ، وخرج في طلبها هبار بن الأسود ونافع بن عبدالقيس الفهري ، وكان أول من سبق إليها هبار فروعها بالرمح وهي في هودجها . وبرك كنانة ونثر نبله ، ثم أخذ قوسه وقال : والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما . وأقبل أبو سفيان في أشراف قريش فقال : يا هذا ، أمسك عنا نبلك حتى نكلمك ، فوقف عليه أبو سفيان وقال : إنك لم تصنع شيئا ، خرجت بالمرأة على رؤوس الناس ، وقد عرفت مصيبتنا التي أصابتنا ببدر فتظن العرب وتتحدث أن هذا وهن منا وضعف خروجك إليه بابنته على رؤوس الناس من بين أظهرنا . أرجع بالمرأة فأقم بها أياما ، ثم سلها{[7812]} سلا رفيقا في الليل فألحقها بأبيها ، فلعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة ، وما لنا في ذلك الآن من ثؤرة{[7813]} فيما أصاب منا ، ففعل فلما مر به يومان أو ثلاثة سلها ، فانطلقت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا أنها قد كانت ألقت - للروعة التي أصابتها حين روعها هبار بن أم درهم - ما في بطنها .

الثالثة - قال ابن العربي : " لما أسر من أسر من المشركين تكلم قوم منهم بالإسلام ولم يمضوا فيه عزيمة ولا اعترفوا به اعترافا جازما . ويشبه أنهم أرادوا أن يقربوا من المسلمين ولا يبعدوا من المشركين . قال علماؤنا : إن تكلم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه ولم يمض فيه عزيمة لم يكن مؤمنا . وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن كان كافرا ، إلا ما كان من الوسوسة التي لا يقدر على دفعها فإن الله قد عفا عنها وأسقطها .


[7810]:من ج و هـ والجمل عن القرطبي.
[7811]:يأجج "كيسمع وينصر ويضرب) موضع بمكة.
[7812]:انطلق بها في استخفاء.
[7813]:الثؤرة (بالضم): الثأر.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (70)

قوله تعالى : { يا أيها النبي قل من في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتيكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم 70 وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم } .

جاء في البخاري عن أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه . فقال : { لا والله لا تذرون درهما } وذكر أن فداء كل واحد من الأساري كان أربعن أوقية إلا العباس فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أضعفوا الفداء على العباس ) وكلفه أن يفدي ابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بم الحارث . فادى عنهما ثمانين أوقية ، وعن نفسه ثمانين أوقية ، وأخذ منه عشرون أوقية وقت الحرب . وذلك أنه كان أحد العشرة الذين ضمنوا الإطعام لأهل بدر . فبلغت النوبة إليه يوم بدر فاقتتلوا قبل أن يطعم ، وبقيت العشرون معه فأخذت منه وقت الحرب ، فأخذ منه يومئذ مائة أوقية وثمانون أوقية . فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم : لقد تركتني ما حييت أسأل قريشا بكفي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أين ذهب الذي تركته عند امرأتك أم الفضل ؟ ) فقال العباس : أي ذهب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنك قلت لها : لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا ، فإن حدث بي حدث فهو لك ولولدك ) . فقال : يا ابن أخي : من أخبرك بهذا ؟ قال : ( الله أخبرني ) قال العباس : أشهد أنك صادق . وما علمت أنك رسول الله قط إلا اليوم . وقد عملت أنه لم يطعك عليه إلا عالم السرائر . أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله . وكفرت بما سواه ، وأمر ابني أخويه فأسلما ؛ ففيهما نزلت { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى } وكان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة وكان رجلا قصيرا وكان العباس ضخما طويلا . فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( لقد أعانك عليه ملك ) {[1699]} .

ومعنى الآية : قل يا محمد لمن في يديك وفي أيدي أصحابك من أسرى المشركين الذين أخذ منهم ما أخذ من الفداء : إن يعلم الله في قلوبكم إسلاما يؤتكم خيرا مما أخذ منكم من الفداء ، ويؤتكم أزيد من ذلك ، أنه يغفر لكم ما جنيتموه واجترمتموه من الخطايا ومن إشراككم بالله وقتالكم النبي وأصحابه . والله عز وعلا غفار للذنوب والخطايا ، وهو سبحانه رحيم بالعباد أن يعاقبهم على المعاصي بعد التوبة .


[1699]:تفسير القرطبي جـ 8 ص 52، 53 وتفسير الطبري جـ 10 ص 35 وأسباب النزول للنيسابوري ص 162.