تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وقيل يا أرض ابلعي ماءك} بعدما غرقتهم أجمعين، فابتلعت الأرض ما خرج منها من الماء، {ويا سماء أقلعي} يعني أمسكي، قال: فلم تقع قطرة، {وغيض الماء}، يعني ونقص الماء وظهرت الجبال، {وقضي الأمر}، يعني العذاب بالغرق على الكافرين فغرقوا، {واستوت} السفينة {على الجودي}... {وقيل بعدا للقوم الظالمين} يعني المشركين، يعني بالبعد الهلاك...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول الله تعالى ذكره: وقال الله للأرض بعد ما تناهى أمره في هلاك قوم نوح بما أهلكهم به من الغرق:"يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ": أي تَشَرّبي، من قول القائل: بَلَعَ فلان كذا يَبْلَعُهُ، أو بَلِعَهُ يَبْلَعُه إذا ازدرده.
"وَيا سَماءُ اقْلِعي" يقول: أقلعي عن المطر: أمسكي.
"وَغِيضَ الماءُ": ذهبت به الأرض ونشفته. "وَقُضِيَ الأمْرُ "يقول: قُضِي أمر الله، فمضي بهلاك قوم نوح. "وَاسْتَوَتْ على الجُودِيّ" يعني الفُلْك. استوت: أرست على الجوديّ، وهو جبل... "وَقِيلَ بُعْدا للقَوْمِ الظّالِمِينَ" يقول: قال الله: أبعد الله القوم الظالمين الذين كفروا بالله من قوم نوح...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
حكى الله تعالى في هذه الآية قصة نوح وقومه بأوجز لفظ وأبلغه، وبلوغ الغاية التي لا تدانيها بلاغة ولا تقاربها فصاحة، لأن قوله:"وقيل يا أرض ابلعي ماءك" إخبار منه عن إذهاب الماء عن وجه الأرض في أوجز مدة، فجرى ذلك مجرى أن قال لها ابلعي فبلعت. والبلع في اللغة: انتزاع الشيء من الحلق إلى الجوف، فكانت الأرض تبلع الماء هكذا حتى صار في بطنها الغراء.
"ويا سماء أقلعي "إخبار أيضا عن إقشاع السحاب، وقطع المطر في أسرع وقت، فكأنه قال لها أقلعي فأقلعت. والإقلاع: إذهاب الشيء من أصله حتى لا يبقى منه شيء. وأقلع عن الأمر إذا تركه رأسا.
" وغيض الماء" أي أذهب به عن وجه الأرض إلى باطنها، يقال: غاض الماء يغيض غيضا إذا ذهب في الأرض.
" وقضي الأمر "معناه أوقع الهلاك بقوم نوح على تمام، والقضاء: وقوع الأمر على تمام وإحكام...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
نداء الأرض والسماء بما ينادى به الحيوان المميز على لفظ التخصيص والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات وهو قوله: «يا أرض»، «ويا سماء» ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من قوله: «ابلعي ماءك» و «أقلعي» من الدلالة على الاقتدار العظيم، وأن السموات والأرض وهذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه، كأنها عقلاء مميزون قد عرفوا عظمته وجلالته وثوابه وعقابه وقدرته على كل مقدور، وتبينوا تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له، وهم يهابونه ويفزعون من التوقف دون الامتثال له والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث، فكما يرد عليهم أمره كان المأمور به مفعولاً لا حبس ولا إبطاء. والبلع: عبارة عن النشف. والإقلاع: الإمساك. يقال: أقلع المطر وأقلعت الحمى {وَغِيضَ الماء} من غاضه إذا نقصه.
{وَقُضِىَ الأمر} وأنجز ما وعد الله نوحاً من هلاك قومه... {وَقِيلَ بُعْدًا} يقال بعد بعدا وبعدا، إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك، ولذلك اختص بدعاء السوء ومجيء أخباره على الفعل المبني للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء، وأنّ تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر، وتكوين مكون قاهر، وأنّ فاعلها فاعل واحد لا يشارك في أفعاله، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي، ولا أن يقضي ذلك الأمر الهائل غيره، ولا أن تستوي السفينة على متن الجودي وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره...
اعلم أن هذه الآية مشتملة على ألفاظ كثيرة كل واحد منها دال على عظمة الله تعالى وعلو كبريائه:
فأولها: قوله: {وقيل} وذلك لأن هذا يدل على أنه سبحانه في الجلال والعلو والعظمة، بحيث أنه متى قيل قيل لم ينصرف العقل إلا إليه. ولم يتوجه الفكر إلا إلى أن ذلك القائل هو هو وهذا تنبيه من هذا الوجه، على أنه تقرر في العقول أنه لا حاكم في العالمين ولا متصرف في العالم العلوي والعالم السفلي إلا هو.
وثانيها: قوله: {يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي} فإن الحس يدل على عظمة هذه الأجسام وشدتها وقوتها فإذا شعر العقل بوجود موجود قاهر لهذه الأجسام مستول عليها متصرف فيها كيف شاء وأراد صار ذلك سببا لوقوف القوة العقلية على كمال جلال الله تعالى وعلو قهره، وكمال قدرته ومشيئته.
وثالثها: أن السماء والأرض من الجمادات فقوله: {يا أرض} {ويا سماء} مستعر بحسب الظاهر، على أن أمره وتكليفه نافذ في الجمادات فعند هذا يحكم الوهم بأنه لما كان الأمر كذلك فلأن يكون أمره نافذا على العقلاء كان أولى وليس مرادي منه أنه تعالى يأمر الجمادات فإن ذلك باطل بل المراد أن توجيه صيغة الأمر بحسب الظاهر على هذه الجمادات القوية الشديدة يقرر في الوهم نوع عظمته وجلاله تقريرا كاملا.
{وقضى الأمر} فالمراد أن الذي قضى به وقدره في الأزل قضاء جزما حتما فقد وقع تنبيها على أن كل ما قضى الله تعالى فهو واقع في وقته، وأنه لا دافع لقضائه ولا مانع من نفاذ حكمه في أرضه وسمائه...
وأما قوله تعالى: {وقيل بعدا للقوم الظالمين} ففيه وجهان:
الأول: أنه من كلام الله تعالى قال لهم ذلك على سبيل اللعن والطرد.
والثاني: أن يكون ذلك من كلام نوح عليه السلام وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع قوم من الظلمة فإذا هلكوا ونجا منهم قال مثل هذا الكلام ولأنه جار مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{وقيل} أي بأدنى إشارة بعد هلاك أهل الأرض وخلوها من الكافرين وتدمير من في السهول والجبال من الخاسرين، وهو من إطلاق المسبب -وهو القول- على السبب -وهو الإرادة- لتصوير أمر ومأمور هو في غاية الطاعة فإنه أوقع في النفس. ولما كان كل شيء دون مقام الجلال والكبرياء والعزة بأمر لا يعلمه إلا الله، دل على ذلك بأداة البعد فقال {يا أرض ابلعي} أي اجذبي من غير مضغ إلى مكان خفي بالتدريج، وعين المبلوع لئلا يعم فتبتلع كل شيء على ظهرها من جبل وغيره، ولذلك أفرد ولم يجمع فقال: {ماءك} أي الذي تجدد على ظهرك للإغراق ليكون كالغذاء للآكل الذي يقوي بدنه فيقوى به على الإنبات وسائر المنافع وجعله ماءها لاتصاله بها اتصال الملك بالمالك {ويا سماء أقلعي} أي أمسكي عن الإمطار، ففعلتا مبادرتين لأمر الملك الذي لا يخرج عن مراده شيء {وغيض الماء} أي المعهود، حكم عليه بالدبوب في أعماق الأرض، من المتعدي فإنه يقال: غاض الماء وغاضه الله، كما يقال: نقض الشيء ونقضته أنا {وقضي الأمر} أي فرغ وانبتّ وانبرم في إهلاك من هلك ونجاة من نجا كما أراد الجليل على ما تقدم به وعده نوحاً عليه السلام، لم يقدر أحد أن يحبسه عنهم ولا أن يصرفه ولا أن يؤخره دقيقة ولا أصغر منها. فليحمد الله من أخر عنه العذاب ولا يقل ما "يحبسه "لئلا يأتيه مثل ما أتى هؤلاء أو من بعدهم {واستوت} أي استقرت واعتدلت السفينة {على الجودي} إشارة باسمه إلى أن الانتقام العام قد مضى، وما بقي إلا الجود بالماء والخير والخصب والرحمة العامة... {وقيل} أي إعلاماً بهوان المهلكين والراحة منهم {بعداً} هو من بعد -بالكسر مراداً به البعد من حيث الهلاك، فإن حقيقته بعدُ بعيد لا يرجى منه عود، ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء، وعبر بالمصدر لتعليقه باللام الدالة على الاستحقاق والاختصاص {للقوم} أي المعهودين في هذه القصة التي كان فيها من شدة القيام فيما يحاولونه ما لا يعلمه أحد إلا الله {الظالمين} أي العريقين في الظلم...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{وقيل يا أرض ابلعي ماءك} أي وصدر من عالم الغيب الأعلى نداء خاطب الأرض والسماء، بأمر التكوين الذي يسجد له العقلاء وغير العقلاء: يا أرض ابلعي ماءك كله الذي عليك، أو الذي تفجر من باطنك، إن صح أن ماء السماء صار بحرا، والبلع ازدراد الطعام أو الشراب بسرعة {ويا سماء أقلعي} أي كفي عن الأمطار فامتثل الأمر في الحال، وما هو إلا أن قيل كن فكان {وغيض الماء} أي غار في الأرض ونضب بابتلاعها له نضوبا {وقضي الأمر} أي نفذ الأمر بإهلاك الظالمين، ونجاء المؤمنين.
{واستوت على الجودي} أي واستقرت السفينة راسية على الجبل المعروف بالجودي {وقيل بعدا للقوم الظالمين} أي هلاكا وسحقا لهم، وبعدا من رحمة الله تعالى بما كان من رسوخهم في الظلم واستمرارهم عليه، وفقدهم الاستعداد للتوبة والرجوع إلى الله عز وجل، وسيأتي مثل هذا في أمثالهم من أقوام الأنبياء {ألا بعدا لعاد قوم هود} [هود: 60] {ألا بعدا لثمود} [هود: 68] والظاهر أن هذا الجبل قد غمره الماء ولم يرتفع فوقه إلا قليلا، فلما بلغته السفينة كان الماء فوقه رقراقا وبدأ يتقلص ويغيض فاستوت عليه.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
البلع حقيقته اجتياز الطعام والشراب إلى الحلق بدون استقرار في الفم. وهو هنا استعارة لإدخال الشيء في باطن شيء بسرعة، ومعنى بلع الأرض ماءها: دُخوله في باطنها بسرعة كسرعة ازدراد البالع بحيث لم يكن جفاف الأرض بحرارة شمس أو رياح بل كان بعمل أرضي عاجل. وقد يكون ذلك بإحداث الله زلازل وخسفاً انشقت به طبقة الأرض في مواضع كثيرة حتى غارت المياه التي كانت على سطح الأرض. وإضافة {الماء} إلى (الأرض) لأدنى ملابسة لكونه في وجهها. وإقلاع السماء مستعار لكفّ نزول المطر منها لأنه إذا كَفّ نزولُ المطر لم يُخلف الماء الذي غار في الأرض، ولذلك قدّم الأمر بالبلْع لأنّه السبب الأعظم لغيض الماء...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
ووصف كتاب الله كيف أن القدرة الإلهية بمجرد ما أغرقت الظالمين المفسدين في الأرض، الذين جعلوها حلبة للفساد لا للإصلاح، وللظلم لا للعدل، وللكفر لا للإيمان، وإبادتهم عن آخرهم في لحظات معدودة، وجهت في الحين نداءها المسموع المطاع للأرض ببلع مياهها، وللسماء بقطع أمطارها، ولسفينة النجاة بوقوفها وإرسائها، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى بمنتهى الإيجاز والإعجاز
قوله تعالى : " وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي " هذا مجاز لأنها موات . وقيل : جعل فيها ما تميز به . والذي قال إنه مجاز قال : لو فتش كلام العرب والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها ، وبلاغة رصفها ، واشتمال المعاني فيها . وفي الأثر : إن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر عام أو عامين ، وأنه ما نزل من السماء ماء قط إلا بحفظ ملك موكل به إلا ما كان من ماء الطوفان ، فإنه خرج منه ما لا يحفظه الملك . وذلك قوله تعالى : " إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية{[8701]} " [ الحاقة : 11 ] فجرت بهم السفينة إلى أن تناهى الأمر ، فأمر الله الماء المنهمر من السماء بالإمساك ، وأمر الله الأرض بالابتلاع . ويقال : بلَع الماء يبلَعه مثل منع يمنع وبلِع يبلَع مثل حمِد ويحمَد ، لغتان حكاهما الكسائي والفراء . والبالوعة الموضع الذي يشرب الماء . قال ابن العربي : التقى الماءان على أمر قد قدر ، ما كان في الأرض وما نزل من السماء ، فأمر الله ما نزل من السماء بالإقلاع ، فلم تمتص الأرض منه قطرة ، وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط . وذلك قوله تعالى : " وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء " وقيل : ميز الله بين الماءين ، فما كان من ماء الأرض أمرها فبلعته{[8702]} ، وصار ماء السماء بحارا .
قوله تعالى : " وغيض الماء " أي نقص{[8703]} ، يقال : غاض الشيء وغضته أنا ؛ كما يقال : نقص بنفسه ونقصه غيره ، ويجوز " غيض " بضم{[8704]} الغين . " وقضي الأمر " أي أحكم وفرغ منه ، يعني أهلك قوم نوح على تمام وإحكام . ويقال : إن الله تعالى أعقم أرحامهم أي أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة ، فلم يكن فيمن هلك صغير . والصحيح أنه أهلك الولدان بالطوفان ، كما هلكت الطير والسباع . ولم يكن الغرق عقوبة للصبيان والبهائم والطير ، بل ماتوا بآجالهم . وحكي أنه لما كثر الماء في السكك خشيت أم صبي عليه ، وكانت تحبه حبا شديدا ، فخرجت به إلى الجبل ، حتى بلغت ثلثه ، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه ، فلما بلغها الماء استوت على الجبل ، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت يديها بابنها حتى ذهب بها الماء ، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي .
قوله تعالى : " واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين " أي هلاكا لهم . الجودي جبل بقرب الموصل ، استوت عليه في العاشر من المحرم يوم عاشوراء ، فصامه نوح وأمر جميع من معه من الناس والوحش والطير والدواب وغيرها فصاموه ، شكرا لله تعالى ، وقد تقدم هذا المعنى . وقيل : كان ذلك يوم الجمعة . وروي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسي على واحد منها فتطاولت ، وبقي الجودي لم يتطاول تواضعا لله ، فاستوت السفينة عليه : وبقيت عليه أعوادها . وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة ) . وقال مجاهد : تشامخت الجبال وتطاولت لئلا ينالها الغرق ، فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعا ، وتطامن الجودي ، وتواضع لأمر الله تعالى فلم يغرق ، ورست السفينة عليه . وقد قيل : إن الجودي اسم لكل جبل ، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل{[8705]} .
سبحانه ثم سبحاناً يعودُ له *** وقبلنا سَبَّحَ الجودي والجَمَدُ
ويقال : إن الجودي من جبال الجنة ؛ فلهذا استوت عليه . ويقال : أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر : الجودي بنوح ، وطور سيناء بموسى ، وحراء بمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
[ مسألة ] : لما تواضع الجودي وخضع عز ، ولما ارتفع غيره واستعلى ذل ، وهذه سنة الله في خلقه ، يرفع من تخشع ، ويضع من ترفع ، ولقد أحسن القائل :
وإذا تذلَّلتِ الرقاب تَخَشُّعًا *** منا إليكَ فعزُّها في ذُلِّهَا
وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال : كانت ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم تسمى العضباء ، وكانت لا تسبق ، فجاء أعرابي على قعود فسبقها ، فاشتد ذلك على المسلمين ، وقالوا : سبقت العضباء ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن حقا على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه ) . وخرج مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد ) . خرجه البخاري .
مسألة : نذكر فيها من قصة نوح مع قومه وبعض ذكر السفينة . ذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له عن الحسن : أن نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل{[8706]} الأرض ، فذلك قوله تعالى : " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما{[8707]} " [ العنكبوت : 14 ] وكان قد كثرت فيهم المعاصي ، وكثرت الجبابرة وعتوا عتوا كبيرا ، وكان نوح يدعوهم ليلا ونهارا ، سرا وعلانية ، وكان صبورا حليما ، ولم يلق أحد من الأنبياء أشد مما لقي نوح ، فكانوا يدخلون عليه فيخنقونه حتى يترك وَقِيذاً ، ويضربونه في المجالس ويطرد ، وكان لا يدعو على من يصنع به بل يدعوهم ويقول : " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " فكان لا يزيدهم ذلك إلا فرارا منه ، حتى أنه ليكلم الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه ، ويجعل أصبعيه في أذنيه لكيلا يسمع شيئا من كلامه ، فذلك قوله تعالى : " وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم{[8708]} " [ نوح : 7 ] . وقال مجاهد وعبيد بن عمير : كانوا يضربونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال : " رب اغفر لقومي فأنهم لا يعلمون " . وقال ابن عباس : ( إن نوحا كان يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات ، ثم يخرج فيدعوهم ، حتى إذا يئس من إيمان قومه جاءه رجل معه ابنه وهو يتوكأ على عصا ، فقال : يا بني انظر هذا الشيخ لا يغرنك ، قال : يا أبت أمكني من العصا ، فأمكنه{[8709]} فأخذ العصا ثم قال : ضعني في الأرض فوضعه ، فمشى إليه بالعصا فضربه فشجه شَجَّة مُوضِحة في رأسه ، وسالت الدماء ، فقال نوح : " رب قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يك لك في عبادك خيرية فاهدهم وإن يك غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين " فأوحى الله إليه وآيسه من إيمان قومه ، وأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن ) ، قال : " وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون " ، أي لا تحزن عليهم . " واصنع الفلك بأعيننا ووحينا " قال : يا رب وأين الخشب ؟ قال : اغرس الشجر . قال : فغرس الساج عشرين سنة ، وكف عن الدعاء ، وكفوا عن الاستهزاء . وكانوا يسخرون منه ، فلما أدرك الشجر أمره ربه فقطعها وجففها : فقال : يا رب كيف اتخذ هذا البيت ؟ قال : اجعله على ثلاثة صور ، رأسه كرأس الديك ، وجؤجؤه كجؤجؤ الطير ، وذنبه كذنب الديك ، واجعلها مطبقة واجعل لها أبوابا في جنبها ، وشدها بدسر ، يعني مسامير الحديد . وبعث الله جبريل فعلمه صنعة السفينة ، وجعلت يده لا تخطئ . قال ابن عباس : ( كانت دار نوح عليه السلام دمشق ، وأنشأ سفينته من خشب لبنان بين زمزم وبين الركن والمقام ) ، فلما كملت حمل فيها السباع والدواب في الباب الأول ، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني ، وأطبق عليهما وجعل أولاد آدم أربعين رجلا وأربعين امرأة في الباب الأعلى وأطبق عليهم ، وجعل الذر معه في الباب الأعلى لضعفها ألا تطأها الدواب . قال الزهري : إن الله عز وجل بعث ريحا فحمل إليه من كل زوجين اثنين ، من السباع والطير والوحش والبهائم . وقال جعفر بن محمد : بعث الله جبريل فحشرهم ، فجعل يضرب بيديه على الزوجين فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى ، فيدخله السفينة وقال زيد بن ثابت : استصعبت على نوح الماعزة أن تدخل السفينة ، فدفعها بيده في ذنبها ، فمن ثم انكسر ذنبها فصار معقوفا وبدا حياؤها . ومضت النعجة حتى دخلت فمسح على ذنبها فستر حياؤها ، قال إسحاق : أخبرنا رجل من أهل العلم أن نوحا حمل أهل السفينة ، وجعل فيها من كل زوجين اثنين ، وحمل من الهدهد زوجين ، فماتت الهدهدة في السفينة قبل أن تظهر الأرض . فحملها الهدهد فطاف بها الدنيا ليصيب لها مكانا ، فلم يجد طينا ولا ترابا ، فرحمه ربه فحفر لها في قفاه قبرا فدفنها فيه ، فذلك الريش الناتئ في قفا الهدهد موضع القبر ، فلذلك نتأت أقفية الهداهد . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كان حمل نوح معه في السفينة من جميع الشجر وكانت العجوة من الجنة مع نوح في السفينة ) . وذكر صاحب كتاب ( العروس ) وغيره : أن نوحا عليه السلام لما أراد أن يبعث من يأتيه بخبر الأرض قال الدجاج : أنا ، فأخذها وختم على جناحها وقال لها : أنت مختومة بخاتمي لا تطيري أبدا ، أنت ينتفع بك أمتي ، فبعث الغراب فأصاب جيفة فوقع عليها فاحتبس فلعنه ، ولذلك يقتل في الحل{[8710]} والحرم ودعا عليه بالخوف ، فلذلك لا يألف البيوت . وبعث الحمامة فلم تجد قرارا فوقعت على شجرة بأرض سيناء{[8711]} فحملت ورقة زيتونة ، ورجعت إلى نوح فعلم أنها لم تستمكن من الأرض ، ثم بعثها بعد ذلك فطارت حتى وقعت بوادي الحرم ، فإذا الماء قد نضب من مواضع الكعبة ، وكانت طينتها حمراء ، فاختضبت رجلاها ، ثم جاءت إلى نوح عليه السلام فقالت : بشراي منك أن تهب لي الطوق في عنقي ، والخضاب في رجلي ، وأسكن الحرم ، فمسح يده على عنقها وطوقها ، ووهب لها الحمرة في رجليها ، ودعا لها ولذريتها بالبركة . وذكر الثعلبي أنه بعث بعد الغراب التُّدْرُج{[8712]} وكان من جنس الدجاج ، وقال : إياك أن تعتذر ، فأصاب الخضرة والفرجة فلم يرجع ، وأخذ أولاده عنده رهنا إلى يوم القيامة .