الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ} (72)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قالوا} المنادي ومن معه لإخوة يوسف {نفقد صواع الملك} يعنى إناء الملك، وكان يكال به كفعل أهل العساكر، {ولمن جاء به حمل بعير}، يعنى وقر بعير {وأنا به زعيم} آية، يعنى به كفيل.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 71]

يقول تعالى ذكره: قال بنو يعقوب لما نودوا:"أيّتُها العِيرُ إنّكُمْ لَسارِقُونَ" وأقبلوا على المنادي ومن بحضرتهم يقولون لهم:"ماذَا تَفْقِدُونَ "ما الذي تفقدون؟

"قالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ المَلِكِ" يقول: فقال لهم القوم: نفقد مَشْرَبَة الملك...

وقوله: "وَلِمَنْ جاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ" يقول: ولمن جاء بالصواع حمل بعير من الطعام.

"وأنا بِهِ زَعِيمٌ" يقول: وأنا بأن أوفيه حمل بعير من الطعام إذا جاءني بصواع الملك كفيل...

وأصل الزعيم في كلام العرب: القائم بأمر القوم، وكذلك الكفيل والحَمِيل، ولذلك قيل: رئيس القوم زعيمهم ومدبرهم.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ) أي إناء الملك؛ سماه مرة صاعا، ومرة سقاية، فيجوز أن يستعمل في الأمرين جميعا في الاستسقاء والكيل جميعا... والسقاية المكيال، وقيل: مشربة الملك، وصواع الملك وصاعه واحد.

(وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) قيل: ضمين لذلك الطعام كفيل به...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

والفقد: غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يدرى أين هو... والصواع مكيال الطعام...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} يقوله المؤذن، يريد: وأنا بحمل البعير كفيل، أُؤدّيه إلى من جاء به؛ وأراد وسق بعير من طعام جعلا لمن حصله...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{ولمن جاء به حمل بعير}، أي لمن دل على سارقه وفضحه وجبر الصواع على الملك -وهذا جعل- وقوله: {وأنا به زعيم} حمالة، وذلك أنه لما كان الطعام لا يوجد إلا عند الملك فهم من المؤذن أنه إنما جعل عن غيره، فلخوفه ألا يوثق بهذه الجعالة -إذ هي عن الغير- تحمل هو بذلك...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{قالوا نفقد} وكأن السقاية كان لها اسمان، فعبروا هنا بقولهم: {صواع الملك} والصواع: الجام يشرب فيه {ولمن جاء به} أي أظهره ورده من غير تفتيش ولا عناء {حمل بعير} وهو بالكسر: قدر من المتاع مهيأ لأن يحمل على الظهر، وأما الحمل في البطن فبالفتح {وأنا به زعيم} أي ضامن وكفيل أوديه إليه، وإفراد الضمير تارة وجمعه أخرى دليل على أن القائل واحد، وأنه نسب إلى الكل لرضاهم به، وفي الآية البيان عما يوجبه حال بهت الإنسان للتثبت في الأمر وترك الإسراع إلى ما لا يجوز من القول.

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

قال في (الإكليل): في الآية دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى المباح، وما فيه الغبطة والصلاح، واستخراج الحقوق...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

جعلوا جعلا لمن يأتي بالصواع. والذي قال: {وأنا به زعيم} واحد من المقبلين وهو كبيرهم. والزعيم: الكفيل. وهذه الآية قد جعلها الفقهاء أصلاً لمشروعية الجعل والكفالة. وفيه نظر، لأن يوسف عليه السلام لم يكن يومئذٍ ذا شَرْع حتى يستأنس للأخذ ب (أنّ شَرْعَ من قَبْلنا شَرْع لنا): إذا حكاه كلام الله أو رسوله. ولو قدّر أن يوسف عليه السلام كان يومئذٍ نبيئاً فلا يثبت أنه رسول بشرع، إذ لم يثبت أنه بعث إلى قوم فرعون، ولم يكن ليوسف عليه السلام أتباع في مصر قبْل ورود أبيه وإخوتهِ وأهلِيهم. فهذا مأخذ ضعيف...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

كانت التهمة صريحة ابتداء، ثم هدأت للبحث عن المفقود، فتحايل المؤذن المتكلم باسم المصريين ليجد المفقود، وتخلى عن الاتهام الذي ابتدأه وعرض المكافأة، وتكفل بها. ولكن الاتهام الأول بالسرقة ما زال قائما...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} وهو صواعٌ مميزٌ لا يمكن أن نتسامح به، لأنه يخصّ الملك، لذا فإن الحصول عليه أمر غاية في الأهمية، ولمن يأتي به جائزةٌ كبيرة...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ} (72)

فيه سبع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " . البعير هنا الجمل في قول أكثر المفسرين . وقيل : إنه الحمار ، وهي لغة لبعض العرب ، قاله مجاهد واختاره . وقال مجاهد : الزعيم هو المؤذن الذي قال : " أيتها العير " . والزعيم والكفيل والحميل والضمين والقبيل سواء والزعيم الرئيس . قال{[1]} :

وإني زعيمٌ إن رجعتُ مُمَلَّكًا *** بِسَيْرٍ تَرَى منه الفُرَانِقَ أزوَرَا

وقالت ليلى الأخيلية ترثي أخاها{[2]} :

ومُخَرَّقٍ عنه القَميصُ تَخَالُه *** يوم اللقاء من الحياءِ سَقِيمَا

حتى إذا رفع اللواءَ رأيتَهُ *** تحت اللواء{[3]} على الخَمِيسِ زعيمَا

الثانية : إن قيل : كيف ضمن حمل البعير وهو مجهول ، وضمان المجهول لا يصح ؟ قيل له : حمل البعير كان معينا معلوما عندهم كالوسق ، فصح ضمانه ، غير أنه كان{[4]} بدل مال للسارق ، ولا يحل للسارق ذلك ، فلعله كان يصح في شرعهم أو كان هذا جعالة ، وبذل مال لمن كان{[5]} يفتش ويطلب .

الثالثة : قال بعض العلماء : في هذه الآية دليلان : أحدهما : جواز الجُعْل وقد أجيز للضرورة ، فإنه يجوز فيه من الجهالة ما لا يجوز في غيره ، فإذا قال الرجل : من فعل كذا فله كذا صح . وشأن الجعل أن يكون أحد الطرفين معلوما والآخر مجهولا للضرورة إليه ، بخلاف الإجارة ، فإنه يتقدر فيها العوض والمعوض من الجهتين ، وهو من العقود الجائزة التي يجوز لأحدهما فسخه ، إلا أن المجعول له يجوز أن يفسخه قبل الشروع وبعده ، إذا رضي بإسقاط حقه ، وليس للجاعل أن يفسخه إذا شرع المجعول له في العمل . ولا يشترط في عقد الجعل حضور المتعاقدين ، كسائر العقود ؛ لقوله : " ولمن جاء به حمل بعير " وبهذا كله قال الشافعي .

الرابعة : متى قال الإنسان ، من جاء بعبدي الآبق فله دينار لزمه ما جعله فيه إذا جاء به ، فلو جاء به من غير ضمان لزمه إذا جاء به على طلب الأجرة ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من جاء بآبق فله أربعون درهما ) ولم يفصل بين من جاء به من عقد ضمان أو غير عقد . قال ابن خويز منداد : ولهذا قال أصحابنا : إن كان ممن يفعل بالإنسان ما يجب عليه أن يفعله بنفسه من مصالحه لزمه ذلك ، وكان له أجر مثله إن كان ممن يفعل ذلك بالأجر .

قلت : وخالفنا في هذا كله الشافعي .

الخامسة : الدليل الثاني : جواز الكفالة على الرجل ؛ لأن المؤذن الضامن هو غير يوسف عليه السلام ، قال علماؤنا : إذا قال الرجل تحملت أو تكفلت أو ضمنت أو وأنا حميل لك أو زعيم أو كفيل أو ضامن أو قبيل ، أو هو لك عندي أو علي أو إلي أو قبلي فذلك كله حمالة لازمة ، وقد اختلف الفقهاء فيمن تكفل بالنفس أو بالوجه ، هل يلزمه ضمان المال أم لا ؟ فقال الكوفيون : من تكفل بنفس رجل لم يلزمه الحق الذي على المطلوب إن مات ، وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه . وقال مالك والليث والأوزاعي : إذا تكفل بنفسه وعليه مال فإنه إن لم يأت به غرم المال ، ويرجع به إلى المطلوب ، فإن اشترط ضمان نفسه أو وجهه وقال : لا أضمن المال فلا شيء عليه من المال ، والحجة لمن أوجب غرم المال أن الكفيل قد علم أن المضمون وجهه لا يطلب بدم ، وإنما يطلب بمال ، فإذا ضمنه له ولم يأته به فكأنه فوته عليه ، وعزه منه ، فلذلك لزمه المال . واحتج الطحاوي للكوفيين فقال : أما ضمان المال بموت المكفول به{[6]} فلا معنى له ؛ لأنه إنما تكفل بالنفس ولم يتكفل بالمال ، فمحال أن يلزمه ما لم يتكفل به .

السادسة : واختلف العلماء إذا تكفل رجل عن رجل بمال ، هل للطالب أن يأخذ من شاء منهما ؟ فقال الثوري والكوفيون والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق : يأخذ من شاء حتى يستوفي حقه ، وهذا كان قول مالك ثم رجع عنه فقال : لا يؤخذ الكفيل إلا أن يفلس الغريم أو يغيب ؛ لأن التبدية بالذي عليه الحق أولى ، إلا أن يكون معدما فإنه يؤخذ من الحميل ، لأنه معذور في أخذه في هذه الحالة ، وهذا قول حسن . والقياس أن للرجل مطالبة أي الرجلين شاء . وقال ابن أبي ليلى : إذا ضمن الرجل عن صاحبه ما لا تحول على الكفيل وبرئ صاحب ، الأصل ، إلا أن يشترط المكفول له عليهما أن يأخذ أيهما شاء ، واحتج ببراءة الميت من الدين ، بضمان أبي قتادة{[7]} ، وبنحوه قال أبو ثور .

السابعة : الزعامة لا تكون إلا في الحقوق التي تجوز{[8]} النيابة فيها ، مما يتعلق بالذمة من الأموال ، وكان ثابتا مستقرا ، فلا تصح الحمالة بالكتابة لأنها ليست بدين ثابت مستقر ؛ لأن العبد إن عجز رق وانفسخت الكتابة ، وأما كل حق لا يقوم به أحد عن أحد كالحدود فلا كفالة فيه ، ويسجن المدعى عليه الحد ، حتى ينظر في أمره .

وشذ أبو يوسف ومحمد فأجازا الكفالة في الحدود والقصاص ، وقالا : إذا قال المقذوف أو المدعي القصاص بينتي حاضرة كفله ثلاثة أيام ، واحتج لهم الطحاوي بما رواه حمزة بن عمرو عن عمر وابن مسعود وجرير بن عبد الله والأشعث أنهم حكموا بالكفالة بالنفس بمحضر الصحابة .


[1]:لعله عمرو بن مرة المذكور في سند الحديث (انظر ابن ماجه ج 1 ص 139 وسنن أبي داود ج 1 ص 77 طبع مصر).
[2]:في بعض النسخ: "أبي قاسم"
[3]:في بعض النسخ: "المسيي".
[4]:آية 92 سورة الحج
[5]:آية 98 سورة النحل
[6]:قوله: يقال له خنزب. في نهاية ابن الأثير: "قال أبو عمرو: وهو لقب له، والخنزب (بالفتح): قطعة لحم ويروى بالكسر والضم".
[7]:الزيادة عن لسان العرب مادة (حجر).
[8]:هو النابغة الذبياني، كما في لسان العرب (شطن)