تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
أنزله {قيما}: مستقيما، {لينذر} محمد صلى الله عليه وسلم بما في القرآن، {بأسا}، يعني: عذابا، {شديدا من لدنه}، يعني: من عنده...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: أنزل على عبده القرآن معتدلاً مستقيما لا عوج فيه لينذركم أيها الناس "بأسا "من الله "شديدا". وعنى بالبأس العذاب العاجل، والنكال الحاضر والسطوة.
وقوله: "مِنْ لَدُنْهُ" يعني: من عند الله...
وقوله: "وَيُبَشّرَ المُؤْمِنِينَ" يقول: ويبشر المصدقين الله ورسوله "الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحات" وهو العمل بما أمر الله بالعمل به، والانتهاء عما نهى الله عنه "أنّ لَهُمْ أجْرا حَسَنا" يقول: ثوابا جزيلاً لهم من الله على إيمانهم بالله ورسوله، وعملهم في الدنيا الصالحات من الأعمال، وذلك الثواب: هو الجنة التي وعدها المتقون. وقوله: "ماكِثِينَ فِيهِ أبَدا": خالدين، لا ينتقلون عنه، ولا يُنْقَلون...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{قيما} قال بعضهم: القيم: الشاهد، أي القيم على الكتب والشاهد عليها في الزيادة والنقصان وفي التغيير والتحريف، يبين ما زادوا فيها، و ما نقصوا، وما حرفوه، وما غيروه...
وقال بعضهم: قوله: {قيما} أي ثابتا قائما أبدا لا يبدَّل، ولا يغير، ولا يزداد، ولا ينقص، وهو على ما وصفه {لا يأتيه الباطل} الآية (فصلت: 42) وهو على ما وصف الحق بالثبات والقيام، والباطل بالذهاب والتلاشي كقوله: {كذلك يضرب الله الحق والباطل} الآية: {الرعد: 17) وما وصف الكلمة الطيبة بالثبات والقيام لها، والخبيثة بالزوال والتغيير والذهاب، فعلى ذلك هذا القرآن لأنه حق...
{لينذر بأسا شديدا} أي أنزله على عبده لينذركم بأسا شديدا، أي لينذر ببأس شديد، والبأس: العذاب.
أحدهما: أنزل على عبده الكتاب {من لدنه} أي من عنده.
والثاني: لينذر الكفار بأسا شديدا، يَنْزِلَ من عنده، والله أعلم.
{ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات}... البشارة المطلقة إنما تكون للمؤمنين الذين عَمِلُوا الصالحات، لأنه لم يذكر البشارة المطلقة في جميع القرآن إلا للمؤمنين الذين عملوا الصالحات. ثم المؤمنون الذين عملوا غير الصالحات في مشيئة الله؛ إن شاء عفا عنهم، و إن شاء عذبهم بقدر عملهم الذي كانوا عملوا، و إن شاء قابل سيئاتهم بحسناتهم؛ فإن فضلت حسناتهم على سيئاتهم بدَّل سيئاتهم حسنات على ما أخبر: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} (الفرقان: 70) هم في مشيئة الله على ما ذكر، و ليست لهم البشارة المطلقة التي للمؤمنين الذين عملوا الصالحات.
{أن لهم أجرا حسنا} لا سوء فيه، ولا قبح... {ماكثين فيه أبدا} لا يخرجون منه أبدا، وهم مقيمون فيه.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{قيِّماً} فيه ثلاثة تأويلات:...
الثالث: أنه المعتمد عليه والمرجوع إليه كقيم الدار الذي يرجع إليه في أمرها..
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
{قَيِّماً}: أي صانه عن التعارض والتناقض، فهو كتابٌ عزيزٌ من ربِّ عزيز. "والبأس الشديد ": مُعَجَّلُه الفراق، ومؤجَّلُه الاحتراق. ويقال هو البقاء عن الله تعالى، والابتلاء بغضب الله. ومعنى الآية لينذرهم ببأس شديد.
{وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً}. والعملُ الصالحُ ما يصلح للقبول، وهو ما يُؤدَّى على الوجه الذي أُمِرَ به. ويقال العمل الصالح ما كان بنعت الخلوص، وصاحبُه صادقٌ فيه. ويقال هو الذي يستعجل عليه صاحبه حَظَّاً في الدنيا مِنْ أَخذ عِوَضٍ، أو قَبُولِ جاهٍ، أو انعقادِ رِياسة... وما في هذا المعنى. وحصلت البشارةُ بأَنَّ لهم أجراً حسناً، والأجرُ الحَسَنُ ما لا يجري مع صاحبه استقصاءُ في العمل. ويقال الأجر الحَسَنُ ما يزيد على مقدار العمل. ويقال الأجر الحَسَنُ ما لا يُذَكِّر صاحبَه تقصيرَه، ويستر عنه عيوبَ عمله...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة، وفي أحدهما غنى عن الآخر؟ قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح. وقيل: قيما على سائر الكتب مصدقاً لها، شاهداً بصحتها. وقيل: قيماً بمصالح العباد وما لا بدّ لهم منه من الشرائع... «أنذر» متعدّ إلى مفعولين، كقوله {إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً} [النبأ: 40] فاقتصر على أحدهما، وأصله {لِّيُنذِرَ} الذين كفروا {بَأْسًا شَدِيدًا} والبأس من قوله {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف: 165] وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأساً وبآسة
{مِّن لَّدُنْهُ} صادراً من عنده... {وَيُبَشِّرُ} بالتخفيف والتثقيل...
فإن قلت: لم اقتصر على أحد مفعولي أنذر؟ قلت: قد جعل المنذر به هو الغرض المسبوق إليه، فوجب الاقتصار عليه. والدليل عليه تكرير الإنذار في قوله {وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا (4)} متعلقاً بالمنذرين من غير ذكر المنذر به، كما ذكر المبشر به في قوله: {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} استغناء بتقدّم ذكره...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
وقد مضى في الفاتحة ثم في الأنعام عن الإمام سعد الدين التفتازاني الشافعي رحمه الله أن كل سورة افتتحت بالحمد فللإشارة إلى نعمة من أمهات النعم التي هي إيجاد وإبقاء أولاً، وإيجاد وإبقاء ثانياً، وأنه أشير في الفاتحة لكونها أم الكتاب إلى الأربع، وفي الأنعام إلى الإيجاد الأول وهو ظاهر، وفي هذه السورة إلى الإبقاء الأول، فإن نظام العالم وبقاء النوع الإنساني يكون بالنبي والكتاب. ولما وصف الكتاب بما له من العظمة في جميع ما مضى من أوصافه من الحكمة والإحكام، والتفصيل والبيان، والحقية، والإخراج من الظلمات إلى النور، والجمع لكل معنى والتبيان لكل شيء، أتبعه ذكر فائدته مقدماً ما هو الأهم من درء المفسدة بالإنذار، لأنه مقامه كما هو ظاهر من {سبحان} فقال: {لينذر} وقصره على المفعول الأول ليعم كل من يصح قبوله الإنذار ولو تقديراً، وليفيد أن الغرض بيان المنذر به لا المنذر {بأساً شديداً} كائناً {من لدنه} أي أغرب ما عنده من الخوارق بما في هذا الكتاب من الإعجاز لمن خالف أمره من عذاب الدنيا والآخرة كوقعة بدر وغيرها المفيد لإدخال الإسلام عليهم وهم كارهون، بعد ما كانوا فيه من القوة وهو من الضعف {ويبشر المؤمنين} أي الراسخين في هذا الوصف {الذين يعملون الصالحات} وهو ما أمر به خالصاً له، وذلك من أسنان مفتاح الإيمان {أن لهم} أي من حيث هم عاملون {أجراً حسناً} وهو النعيم.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والغرض من إنزال الكتاب واضح صريح: (لينذر بأسا شديدا من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا). ويغلب ظل الإنذار الصارم في التعبير كله. فهو يبدأ به على وجه الإجمال: (لينذر بأسا شديدا من لدنه)...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
... والقيم: صفة مبالغة من القيام المجازي الذي يطلق على دوام تعهد شيء وملازمة صلاحه، لأن التعهد يستلزم القيام لرؤية الشيء والتيقظ لأحواله، كما تقدم عند قوله تعالى: {الحي القيوم} في سورة البقرة (255).
والمراد به هنا أنه قيم على هدي الأمة وإصلاحها، فالمراد أن كماله متعدّ بالنفع، فوزانه وزان وصفه بأنه {هدى للمتقين} في سورة البقرة: (2).
والجمع بين قوله: {ولم يجعل له عوجاً} وقوله: {قيماً} كالجمع بين {لا ريب فيه} [البقرة: 2] وبين {هدى للمتقين} [البقرة: 2] وليس هو تأكيداً لنفي العوج.
{لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ}
{لينذر} متعلق ب {أنزل}. والضمير المرفوع عائد إلى اسم الجلالة، أي لينذر الله بأساً شديداً من لدنه، والمفعول الأول ل {ينذر} محذوف لقصد التعميم، أو تنزيلاً للفعل منزلة اللازم لأن المقصود المنذَر به وهو البَأس الشديد تهويلاً له ولتهديد المشركين المنكرين إنزال القرآن من الله.
والبأس: الشدة في الألم. ويطلق على القوة في الحرب لأنها تؤلم العدو. وقد تقدم في قوله تعالى: {والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} من سورة البقرة (177). والمراد هنا: شدة الحال في الحياة الدنيا، وذلك هو الذي أطلق على اسم البأس في القرآن، وعليه درج الطبري. وهذا إيماء بالتهديد للمشركين بما سيلقونه من القتل والأسر بأيدي المسلمين، وذلك بأس من لدنه تعالى لأنه بتقديره وبأمره عباده أن يفعلوه، فاستعمال (لدن) هنا في معنييه الحقيقي والمجازي.
وليس في جعل الإنذار ببأس الدنيا علّةً لإنزال الكتاب ما يقتضي اقتصار عِلل إنزاله على ذلك، لأن الفعل الواحد قد تكون له علل كثيرة يذكر بعضُها ويُترك بعض.
وإنما آثَرْتُ الحمل على جعل اليأس الشديد بأسَ الدنيا للتفصي مما يرد على إعادة فعل {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} [الكهف: 4] كما سيأتي.
ويجوز أن يراد بالبأس عذابُ الآخرة فإنه بأس شديد، ويكون قوله: من لدنه} مستعملاً في حقيقته. وبهذا الوجه فسر جمهور المفسرين.
ويجوز أن يراد بالبأس الشديد ما يشمل بأس عذاب الآخرة وبأس عذاب الدنيا، وعلى هذا درج ابن عطية والقرطبي، ويكون استعمال من {لدنه} في معنييه الحقيقي والمجازي، أما في عذاب الآخرة فظاهر، وأما في عذاب الدنيا فلأن بعضه بالقتل والأسر وهما من أفعال الناس ولكن الله أمر المسلمين بهما فهما من لدنه.
وحذف مفعول {ينذر} لدلالة السياق عليه لظهور أنه ينذر الذين لم يؤمنوا بهذا الكتاب ولا بالمنزل عليه، ولدلالة مقابله عليه في قوله: {ويبشر المؤمنين}.
عطف على قوله: {لينذر بأساً}، فهو سبب آخر لإنزال الكتاب أثارته مناسبة ذكر الإنذار ليبقى الإنذار موجهاً إلى غيرهم.
وقوله: {أن لهم أجراً حسناً} متعلق ب {يبشر} بحذف حرف الجر مع (أن)، أي بأن لهم أجراً حسناً. وذكر الإيمان والعمل الصالح للإشارة إلى أن استحقاق ذلك الأجر بحصول ذلك لأمرين. ولا يتعرض القرآن في الغالب لحالة حصول الإيمان مع شيء من الأعمال الصالحة كثيرٍ أو قليلٍ، ولحُكْمِهِ أدلة كثيرة.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{قَيِّماً} على الإنسان، في ما يريد أن يرعى به مصالحه الفردية والاجتماعية في الدنيا والآخرة، ويمنعه من اختيار الجانب السيّئ الذي يُرهق حياته ومصيره، لأنه لا يملك في المفهوم القرآني نفسه، فلا حرية له للإضرار بها، لأن الله الذي خلقه هو الذي يملك منه ما لا يملكه من نفسه. وهذا هو الذي يجعل للإسلام في قرآنه القيومية المطلقة على حركة الإنسان في حياته، ويضغط عليه في سبيل التطبيق الدقيق لآياته، لأن الإسلام لم ينطلق من حالةٍ مزاجيّةٍ عبثيّةٍ، بل انطلق من مصالح الإنسان في ما يأمر به، ومن المفاسد التي تربك حياته في ما ينهى عنه، ولذلك فلا مجال له لاختيار فكر آخر غير فكره، أو شريعةٍ مغايرةٍ لشريعته، فإن ذلك يمثل الانحراف الخطير عن موقع العبودية لله، وعن أساس المصلحة العليا للإنسان وللحياة التي يعيشها في كل مجالاته.
{لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ} وهو عقابٌ شديدٌ من عند الله في يوم القيامة، ينذر به الكافرين به وبرسله وبكتبه، والمنحرفين عن دينه القويم في العقيدة والعمل... {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} فيقرنون الفكر بالطاعة لكي يصلح أمرهم وحياتهم من خلال الشريعة الحقة. {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} حين يدخلهم الله جنته، ليعيشوا النعيم الخالد والرضوان الإلهي فيها. وهذا هو الأجر الحسن الذي ينتظره المؤمنون العاملون، في تطلعاتهم المستقبلية، وفي أشواقهم الروحية.
قوله تعالى :{ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما }
ذكر ابن إسحاق أن قريشا بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود وقالوا لهما : سلاهم عن محمد وصِفَا لهم صفته وأخبراهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ليس عندنا من علم أنبياء ، فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووصفا لهم أمره ، وأخبراهم ببعض قوله ، وقالا لهم : إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا . فقالت لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل{[10408]} فالرجل متقول ، فَرَوْا فيه رأيكم ، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ، ما كان أمرهم ، فإنه قد كان لهم حديث عجب . سلوه عن رجل طوَّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ، ما هي ؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي ، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم . فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط قدما مكة على قريش فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد - صلى الله عليه وسلم - قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها ، فإن أخبركم عنها فهو نبي ، وإن لم يفعل فالرجل متقول ، فرَوْا فيه رأيكم . فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ، قد كانت لهم قصة عجب ، وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وأخبرنا عن الروح ما هي ؟ قال فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أخبركم بما سألتم عنه غدا ) ولم يستثن{[10409]} . فانصرفوا عنه ، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون خمس عشرة ليلة ، لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل ، حتى أرجف{[10410]} أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا ، واليوم خمس عشرة ليلة ، وقد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه ، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه ، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ، ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية ، والرجل الطواف والروح . قال ابن إسحاق : فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل : ( لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا " فقال له جبريل : " وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا " {[10411]} [ مريم : 64 ] .
فافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده ، وذكر نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم لما أنكروا عليه من ذلك فقال : " الحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب " يعني محمدا ، إنك رسول مني ، أي تحقيق لما سألوا عنه من نبوتك . " ولم يجعل له عوجا قيما " أي معتدلا لا اختلاف فيه . " لينذر بأسا شديدا من لدنه " أي عاجل عقوبته في الدنيا ، وعذابا أليما في الآخرة ، أي من عند ربك الذي بعثك رسولا . " ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ، أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا " أي دار الخلد لا يموتون فيها ، الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرهم ، وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال . " وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا " [ الكهف : 4 ] بعني قريشا في قولهم : إنا نعبد الملائكة وهي بنات الله . " ما لهم به من علم ولا لآبائهم " [ الكهف : 5 ] الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم . " كبرت كلمة تخرج من أفواههم " [ الكهف : 5 ] أي لقولهم إن الملائكة بنات الله . " إن يقولون إلا كذبا . فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا " [ الكهف : 6 ] لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجوه منهم ، أي لا تفعل . قال ابن هشام : " باخع نفسك " مهلك نفسك ؛ فيما حدثني أبو عبيدة . قال ذو الرمة :
ألا أيُّهذا البَاخعُ الوَجْدُ نفسه *** بشيء نَحَتْهُ عن يديهِ المقَادِرُ
وجمعها باخعون وبخعه . وهذا البيت في قصيدة{[10412]} له . وقول العرب : قد بخعت له نصحي ونفسي ، أي جهدت له . " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا " [ الكهف : 7 ] قال ابن إسحاق : أي أيهم اتبع لأمري وأعمل بطاعتي : " وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا " [ الكهف : 8 ] أي الأرض ، وإن ما عليها لفان وزائل ، وإن المرجع إلي فأجزي كلا بعمله ، فلا تأس ولا يحزنك ما ترى وتسمع فيها . قال ابن هشام : الصعيد وجه الأرض ، وجمعه صعد . قال ذو الرمة يصف ظبيا صغيرا :
كأنه بالضُّحى ترمي الصعيد به *** دَبَّابَةٌ في عظامِ الرأسِ خُرْطُوم{[10413]}
وهذا البيت في قصيدة له{[10414]} . والصعيد أيضا : الطريق ، وقد جاء في الحديث : ( إياكم والقعود على الصعدات ) يريد الطرق . والجرز : الأرض التي لا تنبت شيئا ، وجمعها أجراز . ويقال : سنة جرز وسنون أجراز ، وهي التي لا يكون فيها مطر . وتكون فيها جدوبة ويبس وشدة . قال ذو الرمة يصف إبلا :
طَوَى النحز والإجراز ما في بطونها *** فما بقيت إلا الضلوع الجراشِع{[10415]}
قال ابن إسحاق : ثم استقبل قصة الخبر فيما سألوه عنه من شأن الفتية فقال : " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " [ الكهف : 9 ] أي قد كان من آياتي فيه وضعت على العباد من حجتي ما هو أعجب من ذلك . قال ابن هشام : والرقيم الكتاب الذي رقم بخبرهم ، وجمعه رقم . قال العجاج :
ومُسْتَقَرِّ المصحف المُرَقَّمِ
وهذا البيت في أرجوزة{[10416]} له . قال ابن إسحاق : ثم قال " إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا . فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا . ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا " [ الكهف : 12 ] . ثم قال : " نحن نقص عليك نبأهم بالحق " [ الكهف : 13 ] أي بصدق الخبر " إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى . وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا " [ الكهف : 14 ] أي لم يشركوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم . قال ابن هشام : والشطط الغلو ومجاوزة الحق . قال أعشى بن قيس بن ثعلبة :
أتنتهون ولا يَنْهَى ذوي شطط *** كالطعن يذهبُ فيه الزيت والفُتُلُ
وهذا البيت في قصيدة له{[10417]} . قال ابن إسحاق : " هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين " [ الكهف : 15 ] . قال ابن إسحاق : أي بحجة بالغة . " فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا . وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا . وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الحال وهم في فجوة منه " [ الكهف : 17 ] . قال ابن هشام : تزاور تميل ، وهو من الزور . وقال أبو الزحف الكليبي{[10418]} يصف بلدا :
جَدْب{[10419]} المُنَدَّى عن هوانا أزْوَرُ *** يُنْضِي المطايا خِمْسَهُ العَشَنْزَرُ
وهذان البيتان{[10420]} في أرجوزة له . و " تقرضهم ذات الشمال " تجاوزهم وتتركهم عن شمالها . قال ذو الرمة :
إلى ظُعُنٍ يقرضن أقواز مشرفٍ *** شِمالاً وعن أيمانهن الفوارس{[10421]}
وهذا البيت في قصيدة له{[10422]} . والفجوة : السعة ، وجمعها الفِجاء . قال الشاعر :
ألبستَ قومك مَخْزاة ومنقصةً *** حتى أبيحُوا وحَلُّوا فجوة الدار
" ذلك من آيات الله " أي في الحجة على من عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب ممن أمر هؤلاء بمسألتك عنهم في صدق نبوتك بتحقيق الخبر عنهم . " من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا . وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد " [ الكهف : ] قال ابن هشام : الوصيد الباب . قال العبسي واسمه عبد بن وهب :{[10423]}
بأرض فلاةٍ لا يسد وَصِيدُهَا *** عليّ ومعروفي بها غير منكرِ
وهذا البيت في أبيات له . والوصيد أيضا الفناء ، وجمعه وصائد ووصد وصدان . " لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا - إلى قوله - الذين غلبوا على أمرهم " [ الكهف : ] أهل السلطان والملك منهم . " لنتخذن عليهم مسجدا . سيقولون " [ الكهف :21 ] يعني أحبار اليهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم . " ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم " [ أي لا تكابرهم . " إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا " [ الكهف :22 ] فإنهم لا علم لهم بهم . " ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا . إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا " [ الكهف :24 ] أي لا تقولن لشيء سألوك عنه كما قلت في هذا إني مخبركم غدا ، واستثن مشيئة الله ، واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لخبر ما سألتموني عنه رشدا ، فإنك لا تدري ما أنا صانع في ذلك . " ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا " [ الكهف : ] أي سيقولون ذلك . " قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به واسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا " [ الكهف :26 ] أي لم يخف عليه شيء ما سألوك عنه .
قلت : هذا ما وقع في السيرة من خبر أصحاب الكهف ذكرناه على نسقه{[10424]} . ويأتي خبر ذي القرنين ، ثم نعود إلى أول السورة فنقول :
قد تقدم معنى الحمد لله . وزعم الأخفش والكسائي والفراء وأبو عبيد وجمهور المتأولين أن في أول هذه السورة تقديما وتأخيرا ، وأن المعنى : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا . و " قيما " نصب على الحال . وقال قتادة : الكلام على سياقه من غير تقديم ولا تأخير ، ومعناه : ولم يجعل له عوجا ولكن جعلناه قيما . وقول الضحاك فيه حسن ، وأن المعنى : مستقيم{[10425]} ، أي مستقيم الحكمة لا خطأ فيه ولا فساد ولا تناقض . وقيل : " قيما " على الكتب السابقة يصدقها . وقيل : " قيما " بالحجج أبدا . " عوجا " مفعول به ، والعوج ( بكسر العين ) في الدين والرأي والأمر والطريق . وبفتحها في الأجسام كالخشب والجدار ، وقد تقدم{[10426]} . وليس في القرآن عوج ، أي عيب ، أي ليس متناقضا مختلقا ، كما قال تعالى : " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " {[10427]} [ النساء :82 ] وقيل : أي لم يجعله مخلوقا ، كما روي عن ابن عباس في قوله تعالى " قرآنا عربيا غير ذي عوج " {[10428]} [ الزمر :28 ] قال : غير مخلوق . وقال مقاتل : " عوجا " اختلافا . قال الشاعر :
أدوم بودِّي للصديق تكرُّمًا *** ولا خير فيمن كان في الود أعْوَجَا
" لينذر بأسا شديدا " أي لينذر محمد أو القرآن . وفيه إضمار ، أي لينذر الكافرين عقاب الله . وهذا العذاب الشديد قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة . " من لدنه " أي من عنده وقرأ أبو بكر عن عاصم " من لدنه " بإسكان الدال وإشمامها الضم وكسر النون ، والهاء موصولة بياء . والباقون " لدنه " بضم الدال وإسكان النون وضم الهاء . قال الجوهري : وفي " لدن " ثلاث لغات : لدن ، ولدي ، ولد . وقال :
من لدُ لِحْيَيْهِ إلى مُنْحُورِهِ{[10429]}
قوله تعالى : " ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم " أي بأن لهم " أجرا حسنا " وهي الجنة . " ماكثين " دائمين . " فيه أبدا " لا إلى غاية . وإن حملت التبشير على البيان لم يحتج إلى الباء في " بأن " . والأجر الحسن : الثواب العظيم الذي يؤدي إلى الجنة .