الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا} (7)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{إنا جعلنا ما على الأرض} من النبت عاما بعام،

{زينة لها لنبلوهم}، يعني: لنختبرهم، {أيهم أحسن عملا}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"إنّا جَعَلْنا ما عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا" يقول عزّ ذكره: إنا جعلنا ما على الأرض زينة للأرض "لِنَبْلُوَهُمْ أيّهُمْ أحْسَنُ عَمَلاً "يقول: لنختبر عبادنا أيّهم أترك لها وأتبع لأمرنا ونهينا وأعمل فيها بطاعتنا...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} اختلف في ما أخبر أنه جعل للأرض زينة: قال بعضهم: كل ما على وجه الأرض من النبات والشجر و الإنسان وغيره هو زينة لها. {لنبلوهم أيهم أحسن عملا} فإن كان التأويل على هذا فيكون قوله: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} (الكهف: 8) القيامة؛ يعني جميع ما على وجه الأرض يبقى قاعا صَفْصَفاً، وذلك إخبار عن القيامة.

وقال بعضهم: {زينة} هو النبات الذي عليها، وما جعل لهم من الرزق ليبلوهم بما جعل لهم من الأرزاق بالأمر والنهي والعبادات وغيرها، لم يجعل ذلك النبات عليها وتلك الأرزاق مجانا، ولكن ليختبرهم، ويبتليهم بأنواع الامتحان. فإذا كان كذلك ففيه دلالة أن ليس لأحد أن يتناول مما عليها إلا بإذن أربابها، ولا يُقْدِمُ على شيء منها إلا بأمر من أربابها...

ذكر ههنا أنه جعل ما على الأرض ليبلوهم {وأيهم أحسن عملا} وقال في آية أخرى {الذي خلق الموت ليبلوكم أيكم أحسن عملا} (الملك: 2). ثم من الناس من يجمع بين الآيتين، فيقول: جعل الحياة للابتلاء والموت للجزاء، فيستدل على ذلك بقوله: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم} بالزينة والحياة لا بالضيق والموات. ومنهم من يقول: امتحَنُهُم بهما جميعا بالحياة لِيَتَزَوَّدُوا فيها لما بعد الموت كما يتزودون في حال السعة والرخاء لحال الضيق والشدة، فمن لم يتزود في حال السعة فلا زاد له في حال الضيق. فعلى هذا من لم يتزود في الحياة فلا زاد له بعد الموت...

أحكام القرآن لإلكيا الهراسي 504 هـ :

وذلك يدل على أن ما جعله على وجه الأرض، جعله لطفاً لعباده، الذين أراد بهم الخير في اختيار الطاعات...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{إنا جعلنا ما على الأرض زينة}، الآية بسط في التسلية أي لا تهتم للدنيا وأهلها فأمرها وأمرهم أقل بفنائه وذهابه.. وقالت فرقة أراد النعم والملابس والثمار والخضرة والمياه، ونحو هذا مما فيه زينة، ولم يدخل في هذا الجبال الصم وكل ما لا زين فيه كالحيات والعقارب. وقالت فرقة: أراد كل ما على الأرض عموماً وليس شيء إلا فيه زينة من جهة خلقه وصنعته وإحكامه...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

قال القاضي: وجه النظم كأنه تعالى يقول: يا محمد إني خلقت الأرض وزينتها وأخرجت منها أنواع المنافع والمصالح والمقصود من خلقها بما فيها من المنافع ابتلاء الخلق بهذه التكاليف ثم إنهم يكفرون ويتمردون مع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم. فأنت أيضا يا محمد ينبغي أن لا تنتهي في الحزن بسبب كفرهم إلى أن تترك الاشتغال بدعوتهم إلى الدين الحق...

قال القاضي: معنى قوله: {لنبلوهم أيهم أحسن عملا} هو أنه يبلوهم ليبصرهم أيهم أطوع لله وأشد استمرارا على خدمته لأن من هذا حاله هو الذي يفوز بالجنة فبين تعالى أنه كلف لأجل ذلك لا لأجل أن يعصى...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا دارًا فانية مُزيَّنة بزينة زائلة. وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا}...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ثم بين علة إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ما يقدر عليه من التبليغ للبشارة والنذارة بأنهم لم يخرجوا عن مراده سبحانه، وأن الإيمان لا يقدر على إدخاله قلوبهم غيره فقال تعالى: {إنا} أي لا نفعل ذلك لأنا {جعلنا} بما لنا من العظمة {ما على الأرض} من المواليد الثلاثة: الحيوان والمعدن والنبات {زينة لها} بأن حسنّاه في العيون، وأبهجنا به النفوس، ولولا مضرة الحيوانات المؤذية من الحشرات وغيرها كانت الزينة بها ظاهرة... ولما أخبر بتزيينها، أخبر بعلته فقال تعالى: {لنبلوهم} أي نعاملهم معاملة المختبر الذي يسأل لخفاء الأمر عليه بقوله تعالى: {أيهم أحسن عملاً} أي بإخلاص الخدمة لربه، فيصير ما كنا نعلمه منهم ظاهراً بالفعل تقام به عليهم الحجة على ما يتعارفونه بينهم بأن من أظهر موافقة الأمر فيما نال من الزينة حاز المثوبة، ومن اجترأ على مخالفة الأمر بما آتيناه منها فعمل على أنها للتنعم بها فقط استحق العقوبة. ولما كان دعاء الزينة إلى حقيقة الحياة الدنيا من اللهو واللعب ظاهراً لموافقته لما طبعت عليه النفوس من الهوى لم يحتج إلى التنبيه عليه أكثر من لفظ الزينة.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

مناسبة موقع هذه الآية هنا خفية جداً أعوز المفسرين بيانُها، فمنهم ساكت عنها، ومنهم محاول بيانها بما لا يزيد على السكوت. والذي يبدو: أنها تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم على إعراض المشركين بأن الله أمهلهم وأعطاهم زينة الدنيا لعلهم يشكرونه، وأنهم بطروا النعمة، فإن الله يسلب عنهم النعمة فتصير بلادهم قاحلة. وهذا تعريض بأنه سيحل بهم قحط السنين السبع التي سأل رسولُ الله ربه أن يجعلها على المشركين كسنين يوسف عليه السلام. ولهذا اتصال بقوله: {لينذر بأساً شديداً من لدنه} [الكهف: 2]...

الإخبار عن خلق ما على الأرض زينةً يجمع الامتنان على الناس والتذكير ببديع صنع الله إذ وضع هذا العالم على أتقن مثال ملائم لما تحبه النفوس من الزينة والزخرف...

ولا تكون الأشياء زينة إلا وهي مبثوثة فيها الحياة التي بها نماؤها وازدهارها. وهذه الزينة مستمرة على وجه الأرض منذ رآها الإنسان، واستمرارها باستمرار أنواعها وإن كان الزوال يَعرض لأشخاصها فتخلفها أشخاص أخرى من نوعها. فيتضمن هذا امتناناً ببث الحياة في الموجودات الأرضية...

والبَلْو: الاختبار والتجربة...

وهو هنا مستعار لتعلق علم الله التنجيزي بالمعلوم عند حصوله بقرينة الأدلة العقلية والسمعية الدالة على إحاطة علم الله بكل شيء قبل وقوعه فهو مستغنٍ عن الاختبار والتجربة. وفائدة هذه الاستعارة الانتقال منها إلى الكناية عن ظهور ذلك لكل الناس حتى لا يلتبس عليهم الصالح بضده...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{أحسن عملا}، أفعل التفضيل ليس على بابه، والمعنى بلغ أقصى درجات الحسن، أو هو على بابه ويكون الاختبار لتنزيل الناس منّا فمن اتجه إلى الخير ناله بقدره، ومن اتجه إلى غيره تردى في منحدر المعصية...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

والزينة هي الزخرف الذي يبرق أمام الأعين فيغريها، ثم يندثر ويتلاشى... البلاء يعني: الاختبار والامتحان. وليس المصيبة كما يظن البعض؛ لأن المصيبة تكون على من يخفق في الاختبار، والابتلاء لهم من الله مع علمه تعالى بأمرهم وما سيحدث منهم مسبقاً، ولكن لنعرف معرفة الواقع وشهادة الواقع...

إذن معنى: {لنبلوهم}: أي: بلاء شهادة منهم على أنفسهم...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

والظّريف هنا استخدام الآية لِتعبير (أحسن عملا) وليسَ (أكثر عملا) وهي إِشارة إلى أنَّ حُسن العمل وكيفيته العالية هما اللذان يحدِّدان قيمته عندَ ربّ العالمين، وليسَ كثرة العمل أو كميته. على أي حال فإِنَّ هُنا إنذاراً لكل الناس، لكل المسلمين كي لا ينخدعوا في ساحة الاختبار بزينة الحياة الدنيا، وبدلا مِن ذلك عليهم أن يُفكروا بتحسين أعمالهم...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا} (7)

قوله تعالى : { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " إنا جعلنا ما على الأرض زينة " " ما " و " زينة " مفعولان . والزينة كل ما على وجه الأرض ، فهو عموم لأنه دال على بارئه . وقال ابن جبير عن ابن عباس : أراد بالزينة الرجال ، قاله مجاهد . وروى عكرمة عن ابن عباس أن الزينة الخلفاء والأمراء . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى : " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها " قال : العلماء زينة الأرض . وقالت فرقة : أراد النعم والملابس والثمار والخضرة والمياه ، ونحو هذا مما فيه زينة ، ولم يدخل فيه الجبال الصم وكل ما لا زينة فيه كالحيات والعقارب . والقول بالعموم أولى ، وأن كل ما على الأرض فيه زينة من جهة خلقه وصنعه وإحكامه . والآية بسط في التسلية ، أي لا تهتم يا محمد للدنيا وأهلها فإنا إنما جعلنا ذلك امتحانا واختبارا لأهلها ، فمنهم من يتدبر ويؤمن ، ومنهم من يكفر ، ثم يوم القيامة بين أيديهم ، فلا يعظمن عليك كفرهم فإنا نجازيهم .

الثانية : معنى هذه الآية ينظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الدنيا خضرة حلوة والله مستخلفكم فيها فينظر{[10430]} كيف تعملون ) . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا ) قال : وما زهرة الدنيا ؟ قال : ( بركات الأرض ) خرجهما مسلم وغيره من حديث أبي سعيد الخدري . والمعنى : أن الدنيا مستطابة في ذوقها معجبة في منظرها كالثمر المستحلى المعجب المرأى ، فابتلى الله بها عباده لينظر أيهم أحسن عملا . أي من أزهد فيها وأترك لها ، ولا سبيل للعباد إلى معصية ما زينة الله إلا [ أن ] يعينه على ذلك . ولهذا كان عمر يقول فيما ذكر البخاري : اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا ، اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه . فدعا الله أن يعينه على إنفاقه في حقه . وهذا معنى قوله عليه السلام : ( فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف{[10431]} نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع ) . وهكذا هو المكثر من الدنيا لا يقنع بما يحصل له منها بل همته جمعها ، وذلك لعدم الفهم عن الله تعالى ورسوله ؛ فإن الفتنة معها حاصلة وعدم السلامة غالبة ، وقد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه . وقال ابن عطية : كان أبي رضي الله عنه يقول في قوله " أحسن عملا " : أحسن العمل أخذ بحق وإنفاق في حق مع الإيمان وأداء الفرائض واجتناب المحارم والإكثار من المندوب إليه .

قلت : هذا قول حسن ، وجيز في ألفاظه بليغ في معناه ، وقد جمعه النبي صلى الله عليه وسلم في لفظ واحد وهو قوله لسفيان بن عبد الله الثقفي لما قال : يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك - في رواية : غيرك . قال : ( قل آمنت بالله ثم استقم ) خرجه مسلم . وقال سفيان الثوري : " أحسن عملا " أزهدهم فيها . وكذلك قال أبو عصام العسقلاني : " أحسن عملا " أترك لها . وقد اختلفت عبارات العلماء في الزهد ، فقال قوم : قصر الأمل وليس بأكل الخشن ولبس العباء ، قاله سفيان الثوري . قال علماؤنا : وصدق رضي الله عنه لأن من قصر أمله لم يتأنق في المطعومات ولا يتفنن في الملبوسات ، وأخذ من الدنيا ما تيسر ، واجتزأ منها بما يبلغ . وقال قوم : بغض المحمدة وحب الثناء . وهو قول الأوزاعي ومن ذهب إليه . وقال قوم : ترك الدنيا كلها هو الزهد ، أحب تركها أم كره . وهو قول فضيل . وعن بشر بن الحارث قال : حب الدنيا حب لقاء الناس ، والزهد في الدنيا الزهد في لقاء الناس . وعن الفضيل أيضا : علامة الزهد في الدنيا الزهد في الناس . وقال قوم : لا يكون الزاهد زاهدا حتى يكون ترك الدنيا أحب إليه من أخذها ؛ قال إبراهيم بن أدهم . وقال قوم : الزهد أن تزهد في الدنيا بقلبك ، قاله ابن المبارك . وقالت فرقة : الزهد حب الموت . والقول الأول يعم هذه الأقوال بالمعنى فهو أولى .


[10430]:الحديث كما في كشف الخفا: "الدنيا خضرة . . . فناظر كيف . . ." رواه مسلم.
[10431]:أي يتطلع إليه وطمع فيه.