تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{أفرأيت الذي كفر بئاياتنا}، آيات القرآن، نزلت في العاص بن وائل بن هشام... السهمي، وذلك أن خباب ابن الأرت صاغ له شيئا من الحلي، فلما طلب منه الأجر، قال لخباب، وهو مسلم حين طلب أجر الصياغة: ألستم تزعمون أن في الجنة الحرير والذهب والفضة وولدان مخلدون، قال خباب بن الأرت: نعم، قال العاص: فميعاد ما بيننا الجنة، {وقال لأوتين} في الجنة، يعني: في الآخرة، {مالا وولدا}، أفضل مما أوتيت في الدنيا، فأقضيك في الآخرة، يقول ذلك مستهزئا؛ لأنه لا يؤمن بما في القرآن من الثواب والعقاب.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:"أفَرأيْتَ" يا محمد "الّذِي كَفَرَ بآياتِنا "حججنا فلم يصدّق بها، وأنكر وعيدنا من أهل الكفر "وَقالَ" وهو بالله كافر وبرسوله "لأوتَينّ" في الآخرة "مالاً وَوَلَدا". وذُكر أن هذه الآيات أنزلت في العاص بن وائل السهمي أبي عمرو بن العاص...
حدثنا أبو السائب وسعيد بن يحيى، قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خباب، قال: كنت رجلاً قَيْنا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فقال: فإذا أنا متّ ثم بُعثت كما تقول، جئتني ولي مال وولد، قال: فأنزل الله تعالى: "أفَرأيْتَ الّذِي كَفَرَ بآياتِنا وَقالَ لأوتَينّ مالاً وَوَلَدا أطّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتّخَذَ عِنْدَ الرّحْمنِ عَهْدا" إلى قوله: "ويَأْتينا فَرْدا"...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
لما كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقاً إلى الإحاطة بها علماً وصحة الخبر عنها، استعملوا «أرأيت» في معنى «أخبر» والفاء جاءت لإفادة معناها الذي هو التعقيب، كأنه قال: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر، واذكر حديثه عقيب حديث أولئك...
اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل أولا على صحة البعث ثم أورد شبهة المنكرين، وأجاب عنها أورد عنهم الآن ما ذكروه على سبيل الاستهزاء طعنا في القول بالحشر فقال: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا}...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما تضمن هذا من التهديد بذلك اليوم ما يقطع القلوب، فيوجب الإقبال على ما ينجي منه، عجب من حال من كفر به، موبخاً له، منكراً عليه، عاطفاً على ما أرشد إليه السياق فقال معبراً عن طلب الخير بالرؤية التي هي الطريق إلى الإحاطة بالأشياء علماً وخبرة، وإلى صحة الخبر عنها: {أفرأيت} أي أرأيت الذي يعرض عن هذا اليوم فرأيت {الذي} زاد على ذلك بأن {كفر بآياتنا} الدالات على عظمتنا بالدلالات البينات {وقال} جراءة منه وجهلاً؛ أو يقال: إنه لما هول أمر ذلك اليوم. وهتك أستار مقالاتهم، وبين وهيها، تسبب عن ذلك التعجيبُ ممن يقول: {لأوتين} أي والله في الساعة على تقدير قيامها ممن له الإيتاء هنالك {مالاً وولداً} أي عظيمين، فلم يكفه في جهله تعجيز القادر حتى ضم إليه إقدار العاجز...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
أي: أفلا تتعجب من حالة هذا الكافر، الذي جمع بين كفره بآيات الله ودعواه الكبيرة، أنه سيؤتى في الآخرة مالا وولدا، أي: يكون من أهل الجنة، هذا من أعجب الأمور، فلو كان مؤمنا بالله وادعى هذه الدعوى، لسهل الأمر. وهذه الآية -وإن كانت نازلة في كافر معين- فإنها تشمل كل كافر، زعم أنه على الحق، وأنه من أهل الجنة...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والرؤية مستعارة للعلم بقصته العجيبة. نُزلت القصة منزلة الشيء المشاهد بالبصر لأنه من أقوى طرق العلم. وعبر عنه بالموصول لما في الصلة من منشأ العجب ولا سيما قوله {لأُوتين مالاً وولداً}. والمقصود من الاستفهام لفت الذهن إلى معرفة هذه القصة أو إلى تذكرها إن كان عالماً بها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب فلم يُرد به معيّن. ويجوز أن يكون خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم...
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري 1439 هـ :
من الهداية: -الكشف عن نفسيات الكافرين لاسيما إذا كانوا أقوياء بمال أو ولد أو سلطان فإنهم يعيشون على الغطرسة منه والاستعلاء وتجاهل الفقراء واحتقارهم...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
تفكير خرافي ومنحرف: يعتقد بعض الناس أنّ الإِيمان والطهارة والتقوى لا تناسبهم، وأنّها السبب في أن تدبر الدنيا عنهم، أمّا إِذا خرجوا من دائرة الإِيمان والتقوى فإنّ الدنيا ستقبل عليهم، وتزيد ثروتهم وأموالهم! إِنّ هذا النوع من التفكير، سواء كان نابعاً من البساطة واتباع الخرافات، أو أنّه غطاء وتَسَتُّر للفرار من تحمل المسؤوليات والتعهدات الإِلهية، فهو تفكير خاطئ وخطير. لقد رأينا عبدة الأوهام هؤلاء يجعلون أحياناً من كثرة أموال وثروات الأفراد غير المؤمنين، وفقر وحرمان جماعة من المؤمنين، دليلا لإِثبات هذه الخرافة، في حين أنّه لا الأموال التي تصل إلى الإِنسان عن طريق الظلم والكفر وترك أسس التقوى تبعث على الفخر، ولا الإِيمان والتقوى يكونان سداً ومانعاً في طريق النشاطات المشروعة والمباحة مطلقاً. على كل حال، فقد كان في عصر النّبي وكذلك في عصرنا أفراد جاهلون يظنون هذه الظنون والأوهام، أو كانوا يتظاهرون بها على الأقل، فيتحدث القرآن كمواصلة للبحث الذي بيّنه سابقاً حول مصير الكفار والظالمين في الآيات مورد البحث عن طريقة التفكير هذه وعاقبتها، فيقول في أوّل آية من هذه الآيات: (أفرأيت الذي كذب بآياتنا وقال لأُوتين مالا وولداً)...
قوله تعالى : " أفرأيت الذي كفر بآياتنا " روى الأئمة واللفظ لمسلم عن خباب قال : كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه ، فقال لي : لن أقضيك حتى تكفر بمحمد قال : قلت له لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث . قال : وإني لمبعوث من بعد الموت ؟ ! فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد . قال وكيع : كذا قال الأعمش ، فنزلت هذه الآية : " أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا إلى قوله " ويأتينا فردا " في رواية قال كنت قينا{[10938]} في الجاهلية ، فعملت للعاص بن وائل عملا ، فأتيته أتقاضاه خرجه البخاري أيضا . وقال الكلبي ومقاتل : كان خباب قينا فصاغ للعاص حليا ثم تقاضاه أجرته فقال العاص : ما عندي اليوم ما أقضيك ، فقال خباب : لست بمفارقك حتى تقضيني ، فقال العاص : يا خباب ما لك ؟ ! ما كنت هكذا ، وأن كنت لحسن الطلب . فقال خباب : إني كنت على دينك فأنا اليوم على دين الإسلام مفارق لدينك ، قال : أو لستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا ؟ قال خباب : بلى ، قال فأخرني حتى أقضيك في الجنة - استهزاء فوالله لئن كان ما تقول حقا إني لأقضيك فيها ، فو الله لا تكون أنت يا خباب وأصحابك أولى بها مني ، فأنزل الله تعالى " أفرأيت الذي كفر بآياتنا " يعني العاص بن وائل الآيات " أطلع الغيب " قال ابن عباس :( أنظر في اللوح المحفوظ ) ؟ ! وقال مجاهد : أعلم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا ؟ ! " أم اتخذ عند الرحمن عهدا " قال قتادة والثوري : أي عملا صالحا . وقيل : هو التوحيد . وقيل : هو من الوعد . وقال الكلبي : عاهد الله تعالى أن يدخله الجنة ، " كلا " رد عليه أي لم يكن ذلك لم يطلع الغيب ، ولم يتخذ عند الرحمن عهدا وتم الكلام عند قول " كلا " وقال الحسن : إن الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة ، والأول أصح لأنه مدون في الصحاح ، وقرأ حمزة والكسائي " وولدا " بضم الواو ، والباقون بفتحها . واختلف في الضم والفتح على وجهين : أحدهما : أنهما لغتان معناهما واحد يقال ولد وولد كما يقال عدم وعدم وقال الحرث بن حلزة :
ولقد رأيتُ معاشراً *** قد ثَمَّرُوا مالاً ووُلْداَ
فليتَ فلانا كان في بطن أُمِّهِ *** وليت فلانا كان وُلْدَ حمارِ
والثاني : أن قيسا تجعل الولد بالضم جمعا والولد بالفتح واحدا . قال الماوردي : وفي قوله تعالى " لأوتين مالا وولدا " وجهان : أحدهما : أنه أراد في الجنة استهزاء بما وعد الله تعالى على طاعته وعبادته ، قاله الكلبي . الثاني : أنه أراد في الدنيا ، وهو قول الجمهور وفيه وجهان محتملان : أحدهما : إن أقمت على دين آبائي وعبادة آلهتي لأوتين مالا وولدا . الثاني : ولو كنت على باطل لما أوتيت مالا وولدا .
قلت : قول الكلبي أشبه بظاهر الأحاديث ، بل نصها يدل على ذلك قال مسروق سمعت خباب بن الأرت يقول : جئت العاصي بن وائل السهمي أتقاضاه حقا عنده فقال : لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت : لا حتى تموت ثم تبعث ، قال : وإني لميت ثم مبعوث ؟ ! فقلت : نعم فقال : إن لي هناك مالا وولدا ، فأقضيك فنزلت [ أفرأيت الذي كفر بآياتنا{[10939]} ] الآية ، قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح .
قوله تعالى : " أطلع الغيب " ألفه ألف استفهام لمجيء " أم " بعدها ومعناه التوبيخ وأصله أأطلع فحذفت الألف الثانية ؛ لأنها ألف وصل ، فإن قيل : فهلا أتوا بمدة بعد الألف ، فقالوا : آطلع كما قالوا " آلله خير{[10940]} " " آلذكرين حرم{[10941]} " قيل له : كان الأصل في هذا " أألله " " أألذكرين " فأبدلوا من الألف الثانية مدة ليفرقوا بين الاستفهام والخبر ، وذلك أنهم لو قالوا : الله خير بلا مد لالتبس الاستفهام بالخبر ، ولم يحتاجوا إلى هذه المدة في قوله " أطلع " لأن ألف الاستفهام مفتوحة وألف الخبر مكسورة وذلك أنك تقول في الاستفهام أطلع ؟ أفترى ؟ أصطفى ؟ أستغفرت ؟ بفتح الألف ، وتقول في الخبر : إطلع ، إفترى ، إصطفى ، إستغفرت لهم بالكسر ، فجعلوا الفرق بالفتح والكسر ، ولم يحتاجوا إلى فرق آخر
قوله تعالى : " كلا " ليس في النصف{[10942]} الأول ذكر " كلا " وإنما جاء ذكره في النصف الثاني ، وهو يكون بمعنيين : أحدهما : بمعنى حقا . والثاني : بمعنى لا ، فإذا كانت بمعنى حقا ، جاز الوقف على ما قبله ثم تبتدئ " كلا " أي حقا ، وإذا كانت بمعنى لا ، كان الوقف على " كلا " جائز كما في هذه الآية ؛ لأن المعنى لا ليس الأمر كذا ، ويجوز أن تقف عليه على قوله " عهدا " وتبتدئ " كلا " أي حقا " سنكتب ما يقول " وكذا قوله تعالى " لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا " {[10943]}[ المؤمنون : 100 ] يجوز الوقف على " كلا " وعلى " تركت " . وقوله " ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون{[10944]} قال كلا " الوقف على " كلا " لأن المعنى لا ، وليس الأمر كما تظن " فاذهبا " فليس للحق في هذا المعنى موضع . وقال الفراء " كلا " بمنزلة سوف ؛ لأنها صلة وهي حرف رد فكأنها " نعم " و " لا " في الاكتفاء قال : وإن جعلتها صلة لما بعدها لم تقف عليها كقولك : كلا ورب الكعبة ، لا تقف على كلا ؛ لأنه بمنزلة إي ورب الكعبة ، قال الله تعالى " كلا والقمر " {[10945]} [ المدثر : 32 ] فالوقف على " كلا " قبيح لأنه صلة لليمين وكان أبو جعفر محمد بن سعدان يقول في " كلا " مثل قول الفراء وقال الأخفش معنى كلا الردع والزجر ، وقال أبو بكر بن الأنباري : وسمعت أبا العباس يقول : لا يوقف على " كلا " في جميع القرآن ؛ لأنها جواب والفائدة تقع فيما بعدها ، والقول الأول هو قول أهل التفسير . " سنكتب ما يقول " أي سنحفظ عليه قوله فنجازيه به في الآخرة " ونمد له من العذاب مدا " أي سنزيده عذابا فوق عذاب .