جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"تَكَادُ السّمَوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ" يقول تعالى ذكره: تكاد السموات يتشّقْقن قطعا من قيلهم "اتّخَذَ الرّحْمَنُ وَلَدا"، ومنه قيل: فَطَر نابُه: إذا انشقّ...
عن ابن عباس، قوله: "تَكَادُ السّمَوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقّ الأرْضُ وتَخِرّ الجِبالُ هَدّا أنْ دَعُوْا للرّحْمَنِ وَلَدا" قال: إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحّدين.
"وَتَنْشَقّ الأرْضُ" يقول: وتكاد الأرض تنشقّ، فتنصدع من ذلك. "وتَخِرّ الجبالُ هَدّا" يقول: وتكاد الجبال يسقط بعضها على بعض سقوطا. والهدّ: السقوط...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قال بعضهم: مثل هذا إنما يقال على المبالغة في العظيم من الأمور والنهاية من الضيق والشدة على التمثيل. يقول الرجل لآخر: أظلمت الدنيا عليه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، ونحوه على المبالغة في الضيق والشدة...
فعلى ذلك هذا؛ ذكر على المبالغة والنهاية في العظيم من القول الذي قالوا في الله سبحانه، ثم جعل مثل ما قالوا في العظيم في الله بما يعظم من المحسوسات في العقول. وهو ما ذكر من انفطار السماوات وانشقاق الأرض وَهَدِّ الجبال، وهن أصلب الأشياء وأشدها ليعرفوا عظم ما قالوا فيه. وهكذا تعرف الأمور الغائبة التي سبيل معرفتها الاستدلال بالمحسوسات من الأشياء والمشاهدات منها...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
وقال أبو الحسن:معنى تكاد السموات:تريد، كقوله "كدنا ليوسف "أي أردنا... ومثله قوله تعالى "أكاد أخفيها" أي أريد. ومعنى "تكاد" في الآية تقرب لأن السموات لا يجوز أن ينفطرن ولا يردن لذلك، ولكن هممن بذلك، وقربن منه إعظاما لقول المشركين. وقال قوم: معناه على وجه المثل، لأن العرب تقول إذا أرادت أمرا عظيما منكرا: كادت السماء تنشق والأرض تنخسف، وأن يقع السقف...
وقال قوم: المعنى لو كان شيء يتفطر استعظاما لما يجري من الباطل لتفطرت السموات والأرض استعظاما، واستنكارا لما يضيفونه إلى الله تعالى من اتخاذ الولد، ومثله قوله "ولو أن قرآنا سيرت به الجبال". ومعنى يتفطرن: يتشققن، والانفطار: الانشقاق في قول ابن جريج،... وقرئ ينفطرن بمعنى يتشققن منه، يعني من قولهم اتخذ الرحمن ولدا، والمراد بذلك تعظيما واستنكارا لهذا القول، وأنه لو كانت السموات يتفطرن تعظيما لقول باطل لانشقت لهذا القول، ولو كانت الجبال تخر لأمر، لخرت لهذا القول. و (الهد) تهدم بشدة صوت.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
فإن قلت: ما معنى انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال؟ ومن أين تؤثر هذه الكلمة في الجمادات؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن الله سبحانه يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضباً مني على من تفوّه بها، لولا حلمي ووقاري، وأني لا أعجل بالعقوبة كما قال: {إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} [فاطر: 41].
والثاني: أن يكون استعظاماً للكلمة، وتهويلاً من فظاعتها، وتصويراً لأثرها في الدين وهدمها لأركانه وقواعده، وأن مثال ذلك الأثر في المحسوسات: أن يصيب هذه الأجرام العظيمة التي هي قوام العالم ما تنفطر منه وتنشق وتخرّ. وفي قوله {لَقَدْ جِئْتُمْ} وما فيه من المخاطبة بعد الغيبة، وهو الذي يسمى الالتفات في علم البلاغة زيادة تسجيل عليهم بالجرأة على الله، والتعرّض لسخطه، وتنبيه على عظم ما قالوا...
... فإن قيل من أين يؤثر القول بإثبات الولد لله تعالى في انفطار السماوات وانشقاق الأرض وخرور الجبال؟ قلنا فيه وجوه:
وثالثها: أن السماوات والأرض والجبال تكاد أن تفعل ذلك لو كانت تعقل من غلظ هذا القول وهذا تأويل أبي مسلم.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ثم بين ثقله بقوله: {تكاد السماوات} على إحكامها، مع بعدها من أصحاب هذا القول {يتفطرن} أي يأخذن في الانشقاق {منه} أي من هذا الشيء الإدّ {وتنشق الأرض} على تحتها شقاً نافذاً واسعاً {وتخر} أي تسقط سريعاً {الجبال} على صلابتها {هداً} كما ينفسخ السقف تحت ما لا يحتمله من الجسم الثقيل.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ثم يهتز كل ساكن من حولهم ويرتج كل مستقر، ويغضب الكون كله لبارئه. وهو يحس بتلك الكلمة تصدم كيانه وفطرته؛ وتجافي ما وقر في ضميره وما استقر في كيانه؛ وتهز القاعدة التي قام عليها واطمأن إليها: (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا)...
قوله تعالى : " تكاد السماوات " قراءة العامة هنا وفي " الشورى " {[10970]} بالتاء . وقراءة نافع ويحي والكسائي " يكاد " بالياء لتقدم الفعل . " يتفطرن منه " أي يتشققن ، وقرأ نافع وابن كثير وحفص وغيرهم بتاء بعد الياء وشد الطاء من التفطر هنا وفي " الشورى " ووافقهم حمزة وابن عامر في " الشورى " وقرأ هنا " ينفطرن " من الانفطار ، وكذلك قرأها أبو عمرو وأبو بكر والمفضل في السورتين . وهي اختيار أبي عبيد تعالى " إذا السماء انفطرت " {[10971]} [ الإنفطار :1 ] وقوله : " السماء منفطر به " {[10972]} [ المزمل :18 ] وقوله : " وتنشق الأرض " أي تتصدع " وتخر الجبال هدا " قال ابن عباس : هدما أي تسقط بصوت شديد . وفي الحديث :اللهم إني أعوذ بك من الهد والهدة . قال شمر : قال أحسد بن غياث المروزي الهدُّ الهدمُ ، والهدة الخسوف . وقال الليث : هو الهدم الشديد كحائط يهد بمرة ، يقال : هَدَّنِي الأمرُ وهد ركني أي كسرني وبلغ مني . قاله الهروي . الجوهري : وهد البناء يهدُّه هدًّا كسره وضعضعه ، وهدته المصيبة أي : أوهنت ركنه ، وانهدَّ الجبل انكسر . الأصمعي : والهَدُّ الرجل الضعيف ، يقول الرجل للرجل إذا أوعده : إني لغير هَدٍّ أي غيرُ ضعيف . وقال ابن الأعرابي : الهَدُّ من الرجال الجواد الكريم ، وأما الجبان الضعيف فهو الهِدُّ بالكسر وأنشد{[10973]} :
لَيسُوا بهِدين في الحروبِ إذا *** تُعْقَدُ فوق الحَرَاقِفِ النُّطُقُ
والهدُّة : صوت وقع الحائط ونحوه ، تقول : هد يَهِدُّ ( بالكسر ) هديدا والهادُّ صوت يسمعه أهل الساحل يأتيهم من قبل البحر له دويٌّ في الأرض ، وربما كانت منه الزلزلة ، ودَوِيُّه هديدُه . النحاس : " هدا " مصدر ؛ لأن معنى " تخر " تهد . وقال غيره : حال أي مهدودة : " أن دعوا للرحمن ولدا " " أن " في موضع نصب عند الفراء بمعنى لأن دعوا ومن أن دعوا ، فموضع " أن " نصب بسقوط الخافض ، وزعم الفراء أن الكسائي قال : هي في موضع خفض بتقدير الخافض ، وذكر ابن المبارك : حدثنا عن واصل عن عون بن عبد الله قال : قال عبد الله بن مسعود : إن الجبل ليقول للجبل : يا فلان ، هل مر بك اليوم ذاكر لله ؟ فإن قال : نعم ، سُرَّ بِهِ ، ثم قرأ عبد الله " وقالوا اتخذ الرحمن ولدا " الآية قال :{[10974]} أفتراهن يسمعن الزور ولا يسمعن الخير ؟ ! قال : وحدثني عوف عن غالب بن عجرد{[10975]} قال : حدثني رجل من أهل الشام في مسجد مِنىً قال : إن الله تعالى لما خلق الأرض ، وخلق ما فيها من الشجر لم تك في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم ، إلا أصابوا منها منفعة وكان لهم منها منفعة ، فلم تزل الأرض والشجر كذلك حتى تكلم فجرة بني آدم تلك الكلمة العظيمة ، قولهم " اتخذ الرحمن ولدا " فلما قالوها اقشعرت الأرض وشاك الشجر . وقال ابن عباس : اقشعرت الجبال وما فيها من الأشجار والبحار وما فيها من الحيتان فصار من ذلك الشوك في الحيتان ، وفي الأشجار الشوك . وقال ابن عباس أيضا وكعب : فزعت السموات والأرض والجبال وجميع المخلوقات إلا الثقلين ، وكادت أن تزول ، وغضبت الملائكة فاستعرت جهنم ، وشاك الشجر ، واكفهرت الأرض وجدبت حين قالوا " اتخذ الله ولدا " وقال محمد بن كعب : لقد كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة ؛ لقوله تعالى " تكاد لسموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا " .
قال ابن العربي : وصدق فإنه قول عظيم سبق به القضاء والقدر ، ولولا الباري تبارك وتعالى لا يضعه كفر الكافر ولا يرفعه إيمان المؤمن ، ولا يزيد هذا في ملكه كما لا ينقص ذلك من ملكه ، لما جرى شيء من هذا على الألسنة ، ولكنه القدوس الحكيم الحليم فلم يبال بعد ذلك بما يقول المبطلون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.