الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا} (85)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: يوم نجمع الذين اتقوا في الدنيا فخافوا عقابه، فاجتنبوا لذلك معاصيه، وأدّوا فرائضه إلى ربهم "وَفْدا "يعني بالوفد: الركبان. يقال: وفدت على فلان: إذا قدمت عليه، وأوفد القوم وفدا على أميرهم، إذا بعثوا من قبلهم بعثا...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

الوفد في الشاهد هم أهل الكرامة والمنزلة؛ يُبعثون لأمور. فكأنه ذكر أن المتقين يحشرون، وهم مكرمون معظمون، ولهم منزلة عند الله وقدر،...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{وَفْداً} فيه ثلاثة أوجه:أحدها: ركباناً، قاله الفراء. الثاني: جماعة، قاله الأخفش. الثالث: زوّاراً، قاله ابن بحر...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

قيل ركباناً على نجائب طاعاتهم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... ذكر المتقون بلفظ التبجيل. وهو أنهم يجمعون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته وخصهم برضوانه وكرامته، كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين للكرامة عندهم...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وظاهر هذه الوفادة أنها بعد انقضاء الحساب، وإنما هي النهوض الى الجنة، وكذلك سوق المجرمين إنما هو لدخول النار...

و {وفداً} قال المفسرون معناه ركباناً وهي عادة الوفود لأنهم سراة الناس وأحسنهم شكلاً، فشبه أهل الجنة بأولئك لا أنهم في معنى الوفادة إذ هو مضمن الانصراف، وإنما المراد تشبيههم بالوفد هيئة وكرامة...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما بين مآل حال الكافرين في آلهتهم ودليله، أتبعه بوقته فقال: {يوم} أي يكفرون بعبادتهم يوم {نحشر المتقين} أي العريقين في هذا الوصف؛ ولما تقدمت سورة النعم العامة النحل، وأتبعت سورة النعم الخاصة بالمؤمنين وبعض العامة، مثل

{ولقد كرمنا بني آدم} [الإسراء: 70]، ثم سورتي الخاصة بالصالحين الكهف وهذه، قال: {إلى الرحمن} فيدخلهم دار الرضوان، فذكر الاسم الدال على عموم الرحمة، وكرره في هذه السورة تكريراً دل على ما فهمته، وربما أيد ذلك افتتاح النحل بنعمة البيان على هذا الإنسان التي عبر عنها بالخصيم، وختام هذه بالقوم اللد من حيث رد مقطع هذه التي كانت بالنظر إلى النعم شيئاً واحداً على مطلعها {وفداً} أي القادمين في إسراع ورفعة وعلى، كما تقدم الوفود على الملوك، فيكونون في الضيافة والكرامة.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والحشر: الجمع مطلقاً، يكون في الخير كما هنا، وفي الشرّ كقوله: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم} [الصافات: 22، 23]، ولذلك أتبع فعل {نحشر} بقيد {وَفداً}، أي حَشْر الوفود إلى الملوك، فإن الوفود يكونون مُكرمين، وكانت لملوك العرب وكرمائهم وفود في أوقات، ولأعيان العرب وفادات سنويّة على ملوكهم وسادتهم، ولكلّ قبيلة وفادة... وقد اتّبع العرب هذه السنّة فوفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم لأنّه أشرف السادة. وسنةُ الوفود هي سنة تسع من الهجرة تلت فتحَ مكة بعموم الإسلام بلاد العرب. وذكر صفة {الرَّحمان} هنا واضحة المناسبة للوفد...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

الملفت للنظر أنّنا نقرأ في الآية: أنّ المتقين يحشرون إلى الرحمن، في حين أنّ الكلام في الآية التالية عن سوق المجرمين إلى جهنم، وعلى هذا ألم يكن من المناسب أن يقال: (الجنة) هنا بدل (الرحمن)؟ إِلاّ أنّ هذا التعبير في الحقيقة يشير إلى نكتة مهمة، وهي أن المتقين يحصلون هناك على ما هو أسمى من الجنة، فهم يقتربون من الله وتجلياته الخالصة، ويدركون رضاه الذي هو أسمى وأغلى من الجنّة.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا} (85)

قوله تعالى : " يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا " في الكلام حذف أي إلى جنة الرحمن ، ودار كرامته . كقوله " إني ذاهب إلى ربي سيهدين " {[10951]}[ الصافات : 99 ] وكما في الخبر ( من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ) والوفد اسم للوافدين كما يقال : صوم وفطر وزور ، فهو جمع الوافد ، مثل ركب وراكب وصحب وصاحب ، وهو من وفد يفد وفدا ووفودا ووفادة ، إذا خرج إلى ملك أو أمر خطير . الجوهري : يقال وفد فلان على الأمير أي ورد رسولا فهو وافد ، والجمع وفد مثل صاحب وصحب وجمع الوفد وفاد{[10952]} ووفود والاسم الوفادة ، وأوفدته أنا إلى الأمير أي أرسلته وفي التفسير " وفدا " أي ركبانا على نجائب طاعتهم ، وهذا لأن الوافد في الغالب يكون راكبا ، والوفد الركبان ، ووحد لأنه مصدر . ابن جريج : وفدا على النجائب . وقال عمرو بن قيس الملائي : إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح فيقول : هل تعرفني ؟ فيقول : لا إلا إن الله قد طيب ريحك وحسن صورتك فيقول كذلك كنت في الدنيا ، أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا اركبني اليوم وتلا " يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا " وإن الكافر يستقبله عمله في أقبح صورة وأنتن ريح فيقول : هل تعرفني ؟ فيقول : لا إلا إن الله قد قبح صورتك وأنتن ريحك فيقول : كذلك كنت في الدنيا أنا عملك السيء طالما ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك وتلا " وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم " {[10953]} [ الأنعام : 31 ] ولا يصح من قبل إسناده قاله ابن العربي في " سراج المريدين " وذكر هذا الخبر في تفسيره أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري عن ابن عباس بلفظه ومعناه ، وقال أيضا عن ابن عباس : من كان يحب الخيل وفد إلى الله تعالى على خيل لا تروث ولا تبول لجمها من الياقوت الأحمر ومن الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض وسروجها من السندس والإستبرق ، ومن كان يحب ركوب الإبل فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول أزمتها من الياقوت والزبرجد ، ومن كان يحب ركوب السفن فعلى سفن من ياقوت قد أمنوا الغرق وأمنوا الأهوال ، وقال أيضا عن علي رضي الله عنه : ولما نزلت الآية قال علي رضي الله عنه يا رسول الله ! إني قد رأيت الملوك ووفودهم فلم أر وفدا إلا ركبانا فما وفد الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما إنهم يحشرون على أقدامهم ولا يساقون سوقا ، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة لم ينظر الخلائق إلى مثلها ، رحالها الذهب ، وزمامها الزبرجد ، فيركبون حتى يقرعوا باب الجنة ) ولفظ الثعلبي في هذا الخبر عن علي أبين وقال علي لما نزلت هذه الآية قلت : يا رسول الله ! إني رأيت الملوك ووفودهم فلم أر وفدا إلا ركبانا قال ( يا علي إذا كان المنصرف من ببن يدي الله تعالى تلقت الملائكة المؤمنين بنوق بيض رحالها وأزمتها الذهب على كل مركب حلة ، لا تساويها الدنيا ، فيلبس كل مؤمن حلة ثم تسير بهم مراكبهم فتهوي بهم النوق حتى تنتهي بهم إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة " سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين{[10954]} " [ الزمر : 73 ]

قلت : وهذا الخبر ينص على أنهم لا يركبون ولا يلبسون إلا من الموقف ، وأما إذا خرجوا من القبور فمشاة حفاة عراة غرلا إلى الموقف بدليل حديث ابن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال ( يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله تعالى حفاة عراة غرلا{[10955]} ) الحديث خرجه البخاري ومسلم ، وسيأتي بكماله في سورة " المؤمنين " إن شاء الله تعالى وتقدم في " آل عمران " {[10956]} من حديث عبد الله بن أنيس بمعناه والحمد لله تعالى . ولا يبعد أن تحصل الحالتان للسعداء فيكون حديث ابن عباس مخصوصا والله أعلم ، وقال أبو هريرة " وفدا " على الإبل ابن عباس ( ركبانا يؤتون بنوق من الجنة عليها رحائل من الذهب وسروجها وأزمتها من الزبرجد فيحشرون عليها ) وقال علي ( ما يحشرون والله على أرجلهم ولكن على نوق رحالها من ذهب ونجب سروجها يواقيت إن هموا بها سارت وإن حركوها طارت ) وقيل : يفدون على ما يحبون من إبل أو خيل أو سفن على ما تقدم عن ابن عباس والله أعلم : وقيل : إنما قال " وفدا " لأن من شأن الوفود عند العرب أن يقدموا بالبشارات وينتظرون الجوائز فالمتقون ينتظرون العطاء والثواب .


[10951]:راجع جـ 15 ص 97.
[10952]:في ج و ب و ز و ك: أوفاد.
[10953]:راجع جـ 6 ص 423.
[10954]:راجع جـ 15 ص 284 فما بعد.
[10955]:الغرل (جمع الأغرل): وهو الأقلف.
[10956]:راجع جـ 4 ص 273.