تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{فكأين من قرية} يعني: وكم من قرية أهلكناها بالعذاب في الدنيا {أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية} يعني: خربة {على عروشها} يعني: ساقطة من فوقها، يعنى بالعروش سقوف البيت، أي ليس فيها مساكن، {وبئر معطلة} يعني: خالية لا تستعمل، {وقصر مشيد}، يعني: طويلا في السماء ليس له أهل.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وكم يا محمد من قرية أهلكت أهلها وهم ظالمون، يقول: وهم يعبدون غير من ينبغي أن يعبد، ويعصون من لا ينبغي لهم أن يعصوه. وقوله:"فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها" يقول: فباد أهلها وخلت، وخوت من سكانها، فخربت وتداعت، وتساقطت على عروشها، يعني على بنائها وسقوفها... وقوله: "وَبِئْرٍ مُعَطّلَةٍ "يقول تعالى: فكأين من قرية أهلكناها، ومن بئر عطلناها، بإفناء أهلها وهلاك وارديها، فاندفنت وتعطلت، فلا واردة لها ولا شاربة منها. وَمِنْ "قَصْرٍ مَشِيدٍ": رفيع بالصخور والجصّ، قد خلا من سكانه، بما أذقنا أهله من عذابنا بسوء فعالهم، فبادوا وبقي قصورهم المشيدة خالية منهم..
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
لم يهلك الله عز وجل أهل قرية إهلاك استئصال وتعذيب إلا بعد عناد أهلها وظلم شرك كقوله: {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون}.
وقوله تعالى: {فهي خاوية على عروشها}،قال بعضهم: فإذا ذهبت السقف وبقيت الحيطان {فهي خاوية على عروشها}، وقال بعضهم: خاوية: خربة ساقطة حيطانها على سقوفها. وهكذا كان ما أهلك الله من القرى: منها ما أهلك أهلها، وترك القرى والبنيان على حالها لأوليائها؛ من ذلك فرعون وقومه وغيرهم من الأقوام، ومنها ما أهلك القرى بأهلها، لم يترك منها شيئا من نحو قريات لوط وثمود وعاد وغيرها. والمشيد بالتشديد المطول المرتفع. وكأنه ذكر هذا لأهل مكة لوجهين: أحدهما: أن كانت قرية، فيها قصور مشيدة محصنة، يتحصنون بها. يخبر أن من كان قبلكم أشد قوة وأكثر حصنا وقصورا. فلما كذبوا رسلهم لم ينفعهم ذلك، ولكن نزل بهم العذاب، فعلى ذلك أنتم يا أهل مكة إذا كذبتم رسولكم ينزل بكم مثل ما نزل بأولئك. والثاني: أن يكونوا آمنين فيها مطمئنين، فقال: إن أولئك قد كانوا آمنين مطمئنين في قراهم كأمنكم، ثم نزل بهم ما نزل، فأنتم وإن كنتم آمنين فسينزل بكم ما نزل بأولئك. وهو ما قال سبحانه وتعالى: {واضرب مثلا قرية كانت أمنة مطمئنة} الآية (النحل: 112) والله أعلم.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
وأصحاب القصور ملوك الحضر، وأصحاب الآبار ملوك البوادي، أي فأهلكنا هؤلاء وهؤلاء.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
الظلم يوجب خراب أوطان الظالم، فتخرب أولا أوطان راحة الظالم وهو قلبه، فالوحشة التي هي غالبة على الظلمة من ضيق صدورهم، وسوء أخلاقهم، وفرط غيظ من يظلمون عليهم...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة أو كرم فهو «عرش» والخاوي: الساقط، من خوى النجم إذا سقط. أو الخالي، من خوى المنزل إذا خلا من أهله. وخوى بطن الحامل.
وقوله: {على عُرُوشِهَا} لا يخلو من أن يتعلق بخاوية، فيكون المعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي خرّت سقوفها على الأرض، ثم تهدّمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، أو أنها ساقطة أو خالية مع بقاء عروشها وسلامتها. وإما أن يكون خبراً بعد خبر، كأنه قيل: هي خالية، وهي على عروشها أي قائمة مطلة على عروشها، على معنى أنّ السقوف سقطت إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان وبقيت الحيطان ماثلة فهي مشرفة على السقوف الساقطة...
["وبئر معطلة"]...ومعنى المعطلة: أنها عامرة فيها الماء، ومعها آلات الاستقاء؛ إلا أنها عطلت، أي: تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها.
"وقصر مشيد"، والمشيد: المجصص أو المرفوع البنيان. والمعنى: كم قرية أهلكنا؟ وكم بئر عطلنا عن سقاتها؟ وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه؟ فترك ذلك لدلالة معطلة عليه. وفي هذا دليل على أنّ {على عُرُوشِهَا} بمعنى «مع» أوجه...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كانت هذه الأمم السبعة أكثر أهل الأرض، بل كانت أمة منهم أهل الأرض كما مضى بيانه في الأعراف، فكيف بمن عداهم ممن كان في أزمانهم وبعدهم، وأخبر سبحانه وتعالى أن عادته فيهم الإملاء ثم الإهلاك، تسبب عن ذلك تهويل الإخبارعنهم وتكثيرهم، فقال تعالى شارحاً للأخذ والإمهال على طريق النشر المشوش: {فكأين من قرية أهلكناها} كهؤلاء المذكورين وغيرهم، وفي قراءة الجماعة غير أبي عمرو بالنون إظهاراً للعظمة {وهي} أي والحال أنها {ظالمة فهي} أي فتسبب عن إهلاكها أنها {خاوية} أي متهدمة ساقطة أي جدرانها {على عروشها} أي سقوفها، بأن تقصفت الأخشاب ولا من كثرة الأمطار، وغير ذلك من الأسرار، فسقطت ثم سقطت عليها الجدران. أو المعنى: خالية، قد ذهبت أرواحها بذهاب سكانها على البقاء سقوفها، ليست محتاجة إلى غير السكان {و} كم من {بئر معطلة} من أهلها مع بقاء بنائها، وفوران مائها {وقصر مشيد} أي عال متقن مجصص لأنه لا يشيد -أي يجصص- إلا الذي يقصد رفعه، فخلت القصور من أربابها، وأقفرت موحشة من جميع أصاحبها، بعد كثرة التضام في نواديها، وعطلت الآبار من ورَّادها بعد الازدحام بين رائحها وغاديها، دانية ونائية، حاضرة وبادية؛ ولما كان خراب المشيد يوهى من أركانه، ويخلق من جدارنه، لم يحس التشديد في وصف القصر، كما حسن في وصف البئر.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{وَهِيَ ظَالِمَةٌ} بكفرها بالله وتكذيبها لرسله، لم يكن عقوبتنا لها ظلما منا،... وكم من بئر، قد كان يزدحم عليه الخلق، لشربهم، وشرب مواشيهم، ففقد أهله، وعدم منه الوارد والصادر، وكم من قصر، تعب عليه أهله، فشيدوه، ورفعوه، وحصنوه، وزخرفوه، فحين جاءهم أمر الله، لم يغن عنهم شيئا، وأصبح خاليا من أهله، قد صاروا عبرة لمن اعتبر، ومثالا لمن فكر ونظر.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وكان منظرها هكذا موحشا كئيبا مؤثرا. داعيا إلى التأمل في صورتها الخالية وصورتها البادية. والربوع الخربة أوحش شيء للنفس وأشدها استجاشة للذكرى والعبرة والخشوع...
وإلى جوار القرى الخاوية على عروشها.. الآبار المعطلة المهجورة تذكر بالورد والوراد؛ وتتزاحم حولها الأخيلة وهي مهجورة خواء. ثم إلى جوارها القصور المشيدة وهي خالية من السكان موحشة من الأحياء، تطوف بها الرؤى والأشباح، والذكريات والأطياف...
قوله تعالى : " فكأين من قرية أهلكناها " أي أهلكنا أهلها . وقد مضى في " آل عمران " {[11547]} الكلام في كأين . " وهي ظالمة " أي بالكفر . " فهي خاوية على عروشها " تقدم في الكهف{[11548]} . " وبئر معطلة وقصر مشيد " قال الزجاج : " وبئر معطلة " معطوف على " من قرية " أي ومن أهل قرية ومن أهل بئر . والفراء يذهب إلى أن " وبئر " معطوف على " عروشها " . وقال الأصمعي : سألت نافع بن أبي نعيم أيهمز البئر والذئب ؟ فقال : إن كانت العرب تهمزهما فاهمزهما . وأكثر الرواة عن نافع بهمزهما ، إلا ورشا فإن روايته عنه بغير همز فيهما ، والأصل الهمز . ومعنى " معطلة " متروكة ، قاله الضحاك . وقيل : خالية من أهلها لهلاكهم . وقيل : غائرة الماء . وقيل : معطلة من دلائها وأرشيتها ، والمعنى متقارب . " وقصر مشيد " قال قتادة والضحاك ومقاتل : رفيع طويل . قال عدي بن زيد :
شادَه مَرْمَرًا وجَلَّلَه كِلْ *** سًا فللطيرِ في ذُرَاهُ وُكُورُ
أي رفعه . وقال سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومجاهد : مجصص ، من الشِّيد وهو الجص . قال الراجز{[11549]} :
لا تَحْسَبَنِّي وإن كنتُ امرأً غَمِرَا *** كحية الماء بين الطين والشِّيدِ
ولا أُطُمًا إلا مَشِيدًا بِجَنْدَلِ{[11550]}
وقال ابن عباس : ( " مشيد " أي حصين ) ، وقاله الكلبي . وهو مفعل بمعنى مفعول كمبيع بمعنى مبيوع . وقال الجوهري : والمشيد المعمول بالشيد . والشيد ( بالكسر ) : كل شيء طليت به الحائط من جص أو بلاط ، وبالفتح المصدر . تقول : شاده يشيده شيدا جصصه . والمشيد ( بالتشديد ) المطول . وقال الكسائي : " المشيد " للواحد ، من قوله تعالى : " وقصر مشيد " والمشيد للجمع ، من قوله تعالى : " في بروج مشيدة " {[11551]} . [ النساء : 78 ] . وفي الكلام مضمر محذوف تقديره : وقصر مشيد مثلها معطل . ويقال : إن هذه البئر والقصر بحضرموت معروفان ، فالقصر مشرف على قلة جبل لا يرتقى إليه بحال ، والبئر في سفحه لا تُقِرُّ الريح شيئا سقط فيه إلا أخرجته . وأصحاب القصور ملوك الحضر ، وأصحاب الآبار ملوك البوادي ، أي فأهلكنا هؤلاء وهؤلاء . وذكر الضحاك وغيره فيما ذكر الثعلبي وأبو بكر محمد بن الحسن المقرئ وغيرهما أن البئر الرس ، وكانت بعدن باليمن بحضرموت ، في بلد يقال له حضور ، نزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح ، ونجوا من العذاب ومعهم صالح ، فمات صالح فسمي المكان حضرموت ؛ لأن صالحا لما حضره مات فبنوا حضوراء وقعدوا على هذه البئر ، وأمَّروا عليهم رجلا يقال له : العلس بن جلاس بن سويد ، فيما ذكر الغزنوي . الثعلبي : جلهس بن جلاس . وكان حسن السيرة فيهم عاملا عليهم ، وجعلوا وزيره سنحاريب بن سوادة ، فأقاموا دهرا وتناسلوا حتى كثروا ، وكانت البئر تسقي المدينة كلها وباديتها وجميع ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك ؛ لأنها كانت لها بكرات كثيرة منصوبة عليها ، ورجال كثيرون موكلون بها ، وأبازن ( بالنون ) من رخام وهي شبه الحياض كثيرة تملأ للناس ، وآخر للدواب ، وآخر للبقر ، وآخر للغنم . والقوام يسقون عليها بالليل والنهار يتداولون ، ولم يكن لهم ماء غيرها . وطال عمر الملك الذي أمروه ، فلما جاءه الموت طلي بدهن لتبقى صورته لا تتغير ، وكذلك كانوا يفعلون إذا مات منهم الميت وكان ممن يكرم عليهم . فلما مات شق ذلك عليهم ورأوا أن أمرهم قد فسد ، وضجوا جميعا بالبكاء ، واغتنمها الشيطان منهم فدخل في جثة الملك بعد موته بأيام كثيرة ، فكلمهم وقال : إني لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم ، ففرحوا أشد الفرح وأمر خاصته أن يضربوا له حجابا بينه وبينهم ويكلمهم من ورائه لئلا يعرف الموت في صورته . فنصبوا صنما من وراء الحجاب لا يأكل ولا يشرب . وأخبرهم أنه لا يموت أبدا وأنه إلههم{[11552]} ، فذلك كله يتكلم به الشيطان على لسانه ، فصدق كثير منهم وارتاب بعضهم ، وكان المؤمن المكذب منهم أقل من المصدق له ، وكلما تكلم ناصح لهم زجر وقهر . فأصفقوا{[11553]} على عبادته ، فبعث الله إليهم نبيا كان الوحي ينزل عليه في النوم دون اليقظة ، كان اسمه حنظلة بن صفوان ، فأعلمهم أن الصورة صنم لا روح له ، وأن الشيطان قد أضلهم ، وأن الله لا يتمثل بالخلق ، وأن الملك لا يجوز أن يكون شريكا لله ، ووعظهم ونصحهم وحذرهم سطوة ربهم ونقمته ، فآذوه وعادوه وهو يتعهدهم بالموعظة ولا يغبهم بالنصيحة ، حتى قتلوه في السوق وطرحوه في بئر ، فعند ذلك أصابتهم النقمة ، فباتوا شباعا رواء من الماء وأصبحوا والبئر قد غار ماؤها وتعطل رشاؤها ، فصاحوا بأجمعهم وضج النساء والولدان ، وضجت البهائم عطشا ، حتى عمهم الموت وشملهم الهلاك ، وخلفتهم في أرضهم السباع ، وفي منازلهم الثعالب والضباع ، وتبدلت جناتهم وأموالهم بالسدر{[11554]} وشوك العضاه{[11555]} والقتاد{[11556]} ، فلا يسمع فيها إلا عزيف الجن وزئير الأسد ، نعوذ بالله من سطواته ، ومن الإصرار على ما يوجب نقماته .
قال السهيلي . وأما القصر المشيد فقصر بناه شداد بن عامر بن إرم ، لم يبن في الأرض مثله - فيما ذكروا وزعموا - وحاله أيضا كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد الأنيس ، وإقفاره بعد العمران ، وإن أحدا لا يستطيع أن يدنو منه على أميال ؛ لما يسمع فيه من عزيف الجن والأصوات المنكرة بعد النعيم والعيش الرغد وبهاء الملك وانتظام الأهل كالسلك فبادوا وما عادوا ، فذكرهم الله تعالى في هذه الآية موعظة وعبرة وتذكرة ، وذكرا وتحذيرا من مغبة المعصية وسوء عاقبة المخالفة ، نعوذ بالله من ذلك ونستجير به من سوء المآل . وقيل : إن الذي أهلكهم بختنصر على ما تقدم في سورة " الأنبياء " في قوله : " وكم قصمنا من قرية " {[11557]} [ الأنبياء : 11 ] . فتعطلت بئرهم وخربت قصورهم .