الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ} (45)

ثم قال تعالى : { فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة }[ 43 ] أي : وكثير من القرى أهلكنا أهلها وهم{[47039]} ظالمون . فعبر عن إهلاك القرية وهو يريد أهلها ، مثل { واسأل القرية }{[47040]} .

فالمعنى : فما أهلكنا كثيرا من أهل القرى بظلمهم ، كذلك نهلك أهل قريتك يا محمد بظلمهم إذا جاء الأجل . كل هذا تخويف وزجر لقريش/ و( كأين ) هي كاف التشبيه دخلت على ( أي ) فصارت بمنزلة ( كم ) في الخبر ، هذا مذهب{[47041]} الخليل وسيبويه{[47042]} ، والوقف على قولهما على الياء ، لأنه تنوين دخل على ( أي ) . فأما قراءة ابن كثير{[47043]} ( وكَائِنْ ) يروى عن الخليل أنه قال : من قال كإن فإنه قدم الياء الساكنة قبل الهمزة ثم خلفها بألف ، كما قالوا ، إن أصل آية : إيَّه ، ثم أبدلوا من الياء الساكنة ألفا ، ثم اعتلت الياء الثانية ، لأنها بعد متحرك وهو الهمز{[47044]} فصارت كياء قاض ورام .

وقال ابن كيسان : هي أي : دخلت عليها الكاف وكثر استعمالها في الكلام حتى صار{[47045]} التنوين فيه{[47046]} بمنزلة النون الأصلية ، فقالوا : كأين بنون في الوقف .

قال{[47047]} : وفيها لغة أخرى ، يقولون : كا إن ، كفاعل من كنت ، قال : وأصلها في المعنى كالعدد{[47048]} ، كأنه قال كشيء من العدد{[47049]} لأن ( أيا ) شيء من الأشياء ، فكأنه قال : كعدد كثير فعلنا ذلك بهم ، فخرجت في الإبهام إلى باب ( كم ) وأكثر ما جاءت ( كأي ) مفسرة ب( من ) نحو : كأين من رجل رأيت فإن{[47050]} حذفت ( من ) نصبت ، فقلت كأي رجلا ، كما تقول : عندي كذا وكذا درهما فتنصب ، وتقول : عندي كذا وكذا{[47051]} من رهم . وتقول : كم لك من درهم ، وكم لك درهما ، ولو خفضت فقلت كأين رجل جاز ، كما تقول : كم رجل جاءك في الخبر . فتقدير النصب في ذلك أن تجعله بمنزلة عدد فيه نون أو تنوين . وتقدير الخفض أن تجعله بمنزل{[47052]} عدد يضاف إلى ما بعده .

ثم قال تعالى : { فهي خاوية على عروشها }[ 43 ] .

أي : فالقرية خالية من سكانها فخربت وتداعت ، فتساقطت حيطانها على سقوفها فصارت القرية عاليه سافلها السقوف تحت الحيطان .

ثم قال : { وبير معطلة }[ 43 ] .

أي : تعطلت البير بهلاك أهلها ولا وارد ولا شارب منها ، وخفض ( البير ) على العطف على العروش ، وإن كان غير داخل في معنى العروش ، لكنه مثل : { وحور عين }{[47053]} بالخفض كأنه أراد وثم بير وقصر ، فلما لم يكن في الكلام ما يرفعه ، عطفه على ما قبله ، هذا مذهب الفراء{[47054]} .

وقال أبو إسحاق{[47055]} هو عطف على ( قرية ) . أي : وكم من قرية وكم من بير ومن قصر .

و( البير ) مشتق من بأرت الأرض ، إذا حفرتها ، وابتأرتها ، احتفرتها{[47056]} .

وقوله : { وقصر مشيد }[ 43 ] .

أي : مجصص ، قاله عكرمة{[47057]} .

وقال الضحاك{[47058]} : ( مشيد ) طويل .

وقال أهل اللغة ، شاد القصر يشيده ، إذا بناه بالشيد وهو الجص{[47059]} . ومشيد : مفعل بمعنى مفعول ، كمبيع بمعنى مبيوع . يقال{[47060]} قد شيد القصر : إذا طوله وأشاده أيضا .

وقال قتادة{[47061]} : ( مشيد ) : رفيع طويل{[47062]} .

وعن ابن عباس{[47063]} : أن المشيد ، الحصين .


[47039]:ز: أهلكنا وهي.
[47040]:يوسف آية 82.
[47041]:ز: أمر. (تحريف).
[47042]:انظر: الكتاب 1/424.
[47043]:هو عبد الله بن كثير بن عبد المطلب، إمام أهل مكة في القراءة، ولد بمكة سنة 45 هـ، ولقي بها عبد الله بن الزبير وأبا أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك ومجاهد بن جبير وغيرهم. قال ابن مجاهد: ولم يزل عبد الله هو الإمام المجتمع عليه في القراءة بمكة حتى مات سنة 120 هـ انظر: ترجمته في غاية النهاية 1/443.
[47044]:ز: الهمزة.
[47045]:ز: صارت.
[47046]:ز: فيها.
[47047]:ز: فقال.
[47048]:كالعدر. (تحريف).
[47049]:كالعدر. (تحريف).
[47050]:ع: من والتصحيح من ز.
[47051]:ز: كم رجل جاءك عوض عندي كذا وكذا.
[47052]:بمنزلة سقطت من ز.
[47053]:الواقعة آية 25.
[47054]:انظر: معاني الفراء 2/228.
[47055]:لم أجده في معاني الزجاج وذكره القرطبي منسوبا إليه في تفسيره 12/74.
[47056]:انظر: اللسان (بأر).
[47057]:انظر: زاد المسير 5/438 وتفسير القرطبي 12/74 وتفسير ابن كثير 3/227.
[47058]:انظر: جامع البيان 17/181 وزاد المسير 5/438 وتفسير القرطبي 12/74.
[47059]:انظر: مجاز القرآن 2/53.
[47060]:ز: وقيل.
[47061]:انظر: تفسير القرطبي 12/74.
[47062]:طويل سقطت من ز.
[47063]:انظر: تفسير القرطبي 12/74.