غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا} (10)

1

ثم لما شرح فعله في حق عباده المخلصين كمحمد صلى الله عليه وسلم وموسى عليه السلام وفي حق عبيدة العاصين كأكثر بني إسرائيل ، وكان في ذلك تنبيه على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته تقتضي كل شر وغرامة ، عظم شأن القرآن المبين للأحكام الهادي للأنام فقال : { إن هذا القرآن يهدي للتي } أي للحالة أو الشريعة أو الطريقة التي { هي أقوم } وفي حذف الموصوف فخلفه بعرفها أهل البلاغة لعموم الاعتبار وذهاب الوهم كل مذهب . قيل : هذا الشيء أقوم من ذلك . إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة ، ثم يكون للأول على الآخر . وكيف يتصور في غير هذا الدين شيء من الاستقامة حتى يستقيم هذا التفضيل ؟ وأجيب بأن " أفعل " ههنا بمعنى الفاعل كقولنا " الله أكبر " هو الكبير . وكقولهم " الناقص والأشج أعدلا بني مروان " أي عادلا بني مروان . ويمكن أن يقال : لا شيء من الأديان إلا وفيه نوع من الاستقامة كالاعتراف بالله الواجب بالذات ، والالتزام لأصول الأخلاق ومكارم العادات وقوانين السياسات إلا أن بعض الخلل أبطل الكل فالكل ينهدم بانهدام الجزء . ثم إن كون القرآن هادياً إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح له نتيجة وأثر وذلك هو البشارة بالأجر الكبير لأهل الإيمان والعمل الصالح وبالعذاب الأليم لغيرهم ، وأنت خبير بأن لفظ البشارة بمعنى الإنذار يستعمل للتهكم إذ البشارة مطلق الخبر المغير للبشرة فكأنه قيل : ويخبر الذي لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذاباً . ويجوز أن يبشر المؤمنين ببشارتين : إحداهما بثوابهم والأخرى بعذاب أعدائهم . قال في الكشاف : كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة ؟ وأجاب على أصول الاعتزال بأن الناس كانوا حينئذ إما من أهل التقوى وإما من أهل الشرك ، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك . قلت : هذا الجواب منه عجيب ، فإن هذا الصنف لو سلم أنه لم يكن موجوداً في ذلك العصر إلا أن حكمه يجب أن يذكر في القرآن الذي فيه أصول الأحكام ، على أن ذكر الفساق من الأمة في القرآن المكي والمدني موجودة قال تعالى : { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد } [ لقمان : 32 ]

{ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } [ الزمر : 52 ] { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم } [ آل عمران : 135 ] . وإذا كان ذكرهم في القرآن وارداً وأنه تعالى يعدد ههنا أوصاف القرآن على جهة المدح فأي مقام أدعى إلى ذكر هذا الوصف من ههنا . والجواب الحق أن الفسقة جعلوا بالعين أهل الإيمان والله أعلم . قيل : هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة . والجواب المنع من الخصوص ولو سلم فإيمانهم بالآخرة كلا إيمان ، فبعضهم أنكروا المعاد الجسماني وبعضهم قالوا : لن تمسنا النار إلاَّ أياماً . واعلم أنه سبحانه قال ههنا : { أجراً كبيراً } وفي أول الكهف { أجراً حسناً } [ الآية : 2 ] ، رعاية للفاصلة وإلا فالأجر الكبير والأجر الحسن كلاهما الجنة .

/خ21