فزيلنا بينهم : فرقنا وميزنا بينهم .
ثم بيّن الله ما ينال المشركين يوم الحشْر من التوبيخ والخزي .
اذكُر أيها الرسول هول الموقف يوم نجمعُ الناس كافة ، الذين أحسَنوا والذين أساءوا ، ثم نقول لمن أشرك منهم : الزَموا مكانكم أنتم وشركاؤُكم لا تبرحوه حتى تنظُروا ما يُفعل بكم .
ففرّقنا بين المشرِكين والشركاء ووقعتْ بينهم الفرُقة .
{ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } .
أيْ تبرّأ الشركاء من الذين عبدوهم ، وقالوا لهم : إنكم ما كنتم تعبدوننا ، بل كنتم تعبدون أهواءكم وشياطينكم .
{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } كلام مستأنف مسوق لبيان بعض آخر من أحوالهم الفظيعة ، وتأخيره في الذكر مع تقدمه في الوجود على بعض أحوالهم المحكية سابقاً كما قال بعض المحققين للإيذان باستقلال كل من السابق واللاحق بالاعتبار ولو روعي الترتيب الخارجي لعد الكل شيئاً واحداً ولذلك فصل عما قبله ، وزعم الطبرسي أنه تعالى لما قدم ذكر الجزاء بين بهذا وقت ذلك ، وعليه فالآية متصلة بما ذكر آنفاً لكن لا يخفى أن ذلك لم يخرج مخرج البيان ، وأولى منه أن يقال : وجه اتصاله بما قبله أن فيه تأكيداً لقوله سبحانه : { مَّا لَهُمْ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ } [ يونس : 27 ] من حيث دلالته على عدم نفع الشركاء لهم . و { يَوْمٍ } منصوب بفعل مقدر كذكرهم وخوفهم ، وضمير { نَحْشُرُهُمْ } لكلا الفريقين من الذين أحسنوا الحسنى والذين كسبوا السيآت لأنه المتبادر من قوله تعالى : { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } أي للمشركين من بينهم ولأن توبيخهم وتهديدهم على رؤوس الاشهاد أفظع ، والأخبار بحشر الكل في تهويل اليوم ادخل ، وإلى هذا ذهب القاضي البيضاوي وغيره ، وكون مراده بالفريقين فريقي الكفار والمشركين خلاف الظاهر جداً .
وقيل : الضمير للفريق الثاني خاصة فيكون الذين أشركوا من وضع الموصول موضع الضمير . والنكتة في تخصيص وصف إشراكهم في حيز الصلة من بين سائر ما اكتسبوه من السيئات ابتناء التوبيخ والتقريع عليه مع ما فيه من الإيذان بكونه معظم جناياتهم وعمدة سيئاتهم ، وهو السر في الاظهار في مقام الإضمار على القول الأخير { مَكَانَكُمْ } ظرف متعلق بفعل حذف فسد هو مسده وهو مضاف إلى الكاف ، والميم علامة الجمع أي الزموا مكانكم . والمراد انتظروا حتى تنظروا ما يفعل بكم . وعن أبي علي الفارسي أن مكان اسم فعل وحركته حركة بناء . وهل هو اسم فعل لالزم أو لاثبت ظاهر كلام بعضهم الأول والمنقول عن شرح التسهيل الثاني لأنه على الأول يلزم أن يكون متعدياً كالزم مع أنه لازم ، وأجيب بمنع اللزوم ، وقال السفاقسي : في كلام الجوهري ما يدل على أن الزم يكون لازماً ومتعدياً فلعل ما هو اسم له اللازم : وذكر الكوفيون أنه يكون متعدياً وسمعوا من العرب مكانك زيداً أي انتظره . واختار الدماميني في «شرح التسهيل » عدم كونه اسم فعل فقال : لا أدري ما الداعي إلى جعل هذا الظرف اسم فعل إما لازماً وإما متعدياً وهلا جعلوه ظرفاً على بابه ولم يخرجوه عن أصله أي أثبت مكانك أو انتظر مكانك . وإنما يحسن دعوى اسم الفعل حيث لا يمكن الجمع بين ذلك الاسم وذلك الفعل نحوصه وعليك وإليك ، وأما إذا أمكن فلا كوراءك وأمامك وفيه منع ظاهر .
وقوله تعالى : { أَنتُمْ } توكيد للضمير المنتقل إلى الظرف من عامله على القول الأول وللضمير المستتر في اسم الفعل على القول الثاني ، وقوله سبحانه : { وَشُرَكَاؤُكُمْ } عطف على ذلك ، وقيل : إن { أَنتُمْ } مبتدأ خبره محذوف أي مهانون أو مجزيون وهو خلاف الظاهر مع ما فيه من تفكيك النظم ، قيل : ولأنه يأباه قراءة وشركاءكم بالنصب إذ يصير حينئذ مثل كل رجل وضيعته ومثله لا يصح فيه ذلك لعدم ما يكون عاملاً فيه ، والعامل على التوجيه الأول ظاهر لمكان { مَكَانَكُمْ } { فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } أي ففرقنا ، وهو من زلت الشيء عن مكانه أزيله أي أزلته ، والتضعيف للتكثير لا للتعدية ، وهو يائى ووزنه فعل بدليل زايل ، وقد قرىء به وهو بمعناه نحو كلمته وكالمته وصعر خده وصاعر خده .
وقال أبو البقاء : إنه واوى لأنه من زال يزول ، وإنما قلبت الواو ياءاً لأنه فيعل ، والأول أصح لما علمت ولأن مصدره التزييل لا الزيولة مع أن فعل أكثر من فيعل ، ونصب بين على الظرفية لا على أنه مفعول به كما توهم ، والمراد بالتفريق قطع الاقران والوصل التي كانت بينهم وبين الشركاء في الدنيا . وقيل : التفريق الجسماني وظاهر النظم الجليل لا يساعده ، والعطف على { نَّقُولُ } وإيثار صيغة الماضي للدلالة على التحقق لزيادة التوبيخ والتحسير ، والفاء الدلالة على وقوع التزييل ومبادية عقيب الخطاب من غير مهملة إيذاناً بكمال رخاوة ما بين الفريقين من العلاقة والوصلة ، وقوله سبحانه : { وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ } عطف على ما قبله ، وجوز أن يكون في موضع الحال بتقدير قد أو بدونها على الخلاف ، والإضافة باعتبار أن الكفار هم الذين اتخذوهم شركاء لله سبحانه وتعالى :
وقيل : لأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم فصيروهم شركاء لأنفسهم في ذلك ، والمراد بهؤلاء الشركاء قيل : الأصنام فإن أهل مكة إنما كانوا يعبدونها وهم المعنيون بأكثر هذه الآيات ، ونسبة القول لها غير بعيد من قدرته سبحانه فينطقها الله الذي أنطق كل شيء في ذلك الموقف فتقول لهم { مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } والمراد من ذلك تبريهم من عبادتهم وأنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءهم الداعية لهم وما أعظم هذا مكان الشفاعة التي كانوا يتوقعونها منهم . وقيل : المراد بهم الملائكة والمسيح عليهم السلام لقوله تعالى : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ * نَّقُولُ *للملائكة أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } [ سبأ : 40 ] وقوله سبحانه : { قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن } [ المائدة : 116 ] الآية ، والمراد من ذلك القول ما أريد منه أولاً أيضاً لأن نفي العبادة لا يصح لثبوتها في الواقع والكذب لا يقع في القيامة ممن كان ، وقيل : إن قول الشركاء مجرى على حقيقته بناء على أن ذلك الموقف موقف الدهشة والحيرة فذلك الكذب يكون جارياً مجرى كذب الصبيان والمجانين المدهوشين ، ويمكن أن يقال أيضاً : أنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزناً وجعلوها لبطلانها كالعدم فلذا نفوا عبادتهم إياهم أو يقال : إن المشركين لما تخيلوا فيما عبدون أوصافاً كثيرة غير موجودة فيه في نفس الأمر كانوا في الحقيقة إنما عبدوا ذوات موصوفة بتلك الصفات ولما كانت ذوات الشركاء خالية عن تلك الصفات صدق أن يقال : إن المشركين ما عبدوا الشركاء وهذا أولى من الأولين بل لا يكاد يلتفت إليهما وكأن حاصل المعنى عليه انكم عبدتم من زعمتم أنه يقدر على الشفاعة لكم وتخليصكم من العذاب وانه موصوف بكيت وكيت فاطلبوه فأنا لسنا كذلك .
والمراد من ذلك قطع عرى أطماعهم وإيقاعهم في اليأس الكلي من حصول ما كانوا يرجونه ويعتقدونه فيهم ولعل اليأس كان حاصلاً لهم من حين الموت والابتلاء بالعذاب ولكن يحصل بما ذكر مرتبة فوق تلك المرتبة . وقيل : المراد بهم الشياطين وقطع الوصل عليه من الجانبين لا من جانب العبدة فقط كما يقتضيه ما قبل ، والمراد من قولهم ذلك على طرز ما تقدم . وأورد على القول بأن المراد الملائكة والمسيح عليهم السلام بأنه لا يناسب قوله سبحانه : { مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ } حيث أن المراد منه الوعيد والتهديد ، وظاهر العطف انصراف ذلك إلى الشركاء أيضاً ، وتهديد أولئك الكرام عليهم الصلاة والسلام مما لا يكاد يقدم على القول به .
واعترض بأن هذا مشترك الإلزام فإنه يرد على القول الأول أيضاً إذ لا معنى للوعيد والتهديد في حق الأصنام مع عدم صدور شيء منها يوجب ذلك ، ولا مخلص إلا بالتزام أن التهديد والوعيد للمخاطبين فقط أو للمجموع باعتبارهم .
وأجيب بجواز كون تهديد الأصنام نظير ادخالها النار مع عبدتها كما يدل عليه قوله تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 98 ] وكذا قوله سبحانه : { فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة } [ البقرة : 24 ] على ما عليه جمع من المفسرين ، ودعوى الفرق بين التهديد والإدخال في النار تحتاج إلى دليل .
ومن باب الإشارة : { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } في المجمع الأكبر { ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } منهم وهم المحجوبون الواقفون مع الغير بالمحبة والطاعة { مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ } قفوا جميعاً وانتظروا الحكم { فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } أي قطعنا الأسباب التي كانت بينهم { وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } [ يونس : 28 ] بل كنتم تعبدون أشياء اخترعتموها في أوهامكم الفاسدة
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ويوم نحشرهم جميعا} يعني الكفار وما عبدوا من دون الله،
{ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم} يعني بهم الآلهة،
{فزيلنا بينهم} يعنى فميزنا بين الجزاءين،
{وقال شركاؤهم} يعني الآلهة وهم الأصنام: {ما كنتم إيانا تعبدون}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ويوم نجمع الخلق لموقف الحساب جميعا، ثم نقول حينئذ للذين أشركوا بالله الآلهة والأنداد:"مكانكم" أي: امكثوا مكانكم، وقفوا في موضعكم "أنتم "أيها المشركون "وشركاؤكم" الذين كنتم تعبدونهم من دون الله من الآلهة والأوثان. "فَزَيّلْنا بَيْنَهُمْ" يقول: ففرّقنا بين المشركين بالله وما أشركوه به، من قولهم: زِلْت الشيء أزيلُه، إذا فرّقت بينه وبين غيره وأبَنْتُه منه. وقال: «فزيلنا» إرادة تكثير الفعل وتكريره. ولم يقل: فزلنا بينهم. وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يقرأه: «فزايلنا بينهم»، كما قيل: "وَلا تُصعّرْ خَدّكَ" و "لا تصاعر خدّك"... "وقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ" وذلك حين "تَبرّأ الّذِينِ اتّبِعُوا مِنَ الّذِينَ اتّبَعُوا وَرَأوُا الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الأسبابُ" لما قيل للمشركين اتبعوا ما كنتم تعبدون من دون الله، ونصبت لهم آلهتهم، قالوا: كنا نعبد هؤلاء، فقالت الآلهة لهم: "ما كنتم إيانا تعبدون"...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
سماهم شركاء، وإن لم يكونوا شركاء في الحقيقة لما عندهم أنهم شركاء كما سمى الأصنام آلهة لما عندهم أنهم آلهة.
والثاني: (شركاؤهم) لما أشركوها في العبادة، فهم شركاؤهم.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
وفي الجملة.. يتبرأ بعضُهم مِنْ بعض، ويذوقُ كلُّ وبالَ فِعْلِه. وفائدةُ هذا التعريف أنه ما ليس لله فهو وبالٌ عليهم؛ فاشتغالُهم -اليوم- بذلك مُحَالٌ، ولهم في المآلِ- مِنْ ذلك- وبالُ.
المسألة الأولى: اعلم أن هذا نوع آخر من شرح فضائح أولئك الكفار، فالضمير في قوله {ويوم نحشرهم} عائد إلى المذكور السابق، وذلك هو قوله: {والذين كسبوا السيئات} فلما وصف الله هؤلاء الذين يحشرهم بالشرك والكفر، دل على أن المراد من قوله: {والذين كسبوا السيئات} الكفار، وحاصل الكلام: أنه تعالى يحشر العابد والمعبود، ثم إن المعبود يتبرأ من العابد، ويتبين له أنه ما فعل ذلك بعلمه وإرادته، والمقصود منه أن القوم كانوا يقولون: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} فبين الله تعالى أنهم لا يشفعون لهؤلاء الكفار، بل يتبرؤون منهم، وذلك يدل على نهاية الخزي والنكال في حق هؤلاء الكفار {مكانكم} كلمة مختصة بالتهديد والوعيد والمراد أنه تعالى يقول للعابدين والمعبودين مكانكم أي الزموا مكانكم حتى تسألوا، ونظيره قوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون}.
والقول الثالث: إن المراد بهؤلاء الشركاء، كل من عبد من دون الله تعالى، من صنم وشمس وقمر وأنسي وجني وملك.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما بين سبحانه مآل الفريقين، نبه على بعض مقدمات ذلك المانعة أن يشفع أحد من غير إذنه بقوله: {ويوم} أي و فرقنا بينهم لأنه لا أنساب هناك ولا أسباب فلا تناصر يوم {نحشرهم} أي الفريقين: الناجين والهالكين العابدين منهم والمعبودين حال كونهم {جميعاً} ثم يقطع ما بين المشركين وشركائهم فلا يشفع فيهم شيء مما يعتقدون شفاعته ولا ينفعهم بنافعة، بل يظهرون الخصومة ويبارزون بالعداوة وهو ناظر إلى قوله تعالى {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده} [يونس: 4] وإلى قوله {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم} [يونس: 18] والحشر: الجمع بكره من كل جانب إلى موقف واحد؛ وأشار سبحانه إلى طول وقوفهم بقوله: {ثم نقول للذين أشركوا} أي بنا من لم يشارك في خلقهم؛ وقوله: {مكانكم}... أي نقول لهم: قفوا وقوف الذل {أنتم وشركآؤكم} حتى ينفذ فيكم أمرنا إظهارا لضعف معبوداتهم التي كانوا يترجونها وتحسيراً لهم، فلا يمكنهم مخالفة ذلك.
ولما كان التقدير: فوقفوا موافقة للأمر على حسب الإرادة، عطف عليه مسبباً عنه قوله: {فزيلنا} أي أزلنا إزالة كثيرة مفرقة ما كان {بينهم} في الدنيا من الوصلة والألفة حتى صارت عداوة ونفرة فقال الكفار: ربنا هؤلاء الذين أضلونا، وكنا ندعو من دونك {وقال شركاؤهم} لهم متبرئين منهم بما خلق لهم سبحانه من النطق {ما كنتم} أي أيها المشركون، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم هم الذين نصبوهم بغير أمر ولا دليل ولأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم {إيانا تعبدون} أي تخصوننا بالعبادة لأنا لا نستحق ذلك إشارة إلى أنه لا يعبد إلاّ من يستحق الإخلاص في ذلك بأن يعبد وحده من غير شريك، ومن لا يستحق ذلك لا يستحق مطلق العبادة ولا يصلح لها، وكل عبادة فيها شرك لا تعد أصلاً ولا يرضى بها جماد لو نطق، فمتى نفي المقيد بالخلوص نفي المطلق لأنه لا اعتداد به أصلاً، ومن المعلوم أن ما كان بهذه الصفة لا يقدم عليه أحد، فنحن نظن أنه لم يعبدنا عابد فضلاً عن أن يخصنا بذلك، والشخص يجوز له أن ينفي ما يظن نفيه ونحن لم نعلم شيئاً من ذلك.
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} أي نقول للمشركين من بينهم ولأن توبيخَهم وتهديدَهم على رؤوس الأشهادِ أفظعُ والإخبارُ بحشر الكلِّ في تهويل اليومِ أدخل، وتخصيصُ وصفِ إشراكهم بالذكر في حيز الصلةِ من بين سائر ما اكتسبوه من السيئات لابتناء التوبيخِ والتقريعِ عليه مع ما فيه من الإيذان بكونه معظمَ جناياتِهم وعمدةَ سيئاتِهم...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
هذا لون آخر من ألوان البيان لعقيدة البعث والجزاء، وقد بينا حكمة هذا التكرار المختلف الأساليب والألوان وأمثاله في الكلام على أسلوب القرآن وإعجازه.
{ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} أي واذكر أيها الرسول لفريقي الناس الذين ضربنا لهم ما سبق من الأمثال، وبينا ما يعملون من الأعمال، يوم نحشرهم جميعا في موقف الحساب لا يتخلف منهم أحد، أو الظرف متعلق بقوله تعلى في الآية التالية {هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ}، وفي بعض الآيات {ويوم يحشرهم وما يعبدون} [الفرقان: 17].
{ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ} أي ثم نقول للمشركين منهم بعد وقوف طويل لا يخاطب فيه أحد بشيء كما تدل عليه بعض الآيات: الزموا مكانكم لا تبرحوه حتى تنظروا ما يفعل بكم.
{أَنتُمْ وشُرَكَآؤُكُمْ} أي الزموه أنتم وشركاؤكم، أي الذين جعلتموهم شركاء لله لنفصل بينكم فيما كان من سبب عبادتكم لهم، وما يقول كل منكم فيها.
{فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} أي فرقنا بين الشركاء ومن أشركوهم مع الله، وميزنا بعضهم من بعض كما يميز بين الخصوم عند الحساب، والتنزيل من زاله يزاله كناله يناله بمعنى نحاه، (وهو يائي)، وزايلته فارقته، وتزيلوا تميزوا بافتراق بعضهم من بعض، ومنه قوله في أهل مكة واختلاط مؤمنيهم بكفارهم قبل الفتح: {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} [الفتح: 25]. أو المراد من التنزيل والتفريق تقطيع ما كان بنيهم في الدنيا من الصلات، وما للمشركين في الشركاء من الآمال، وكل من المعنيين صحيح، والعبادة الشركية أنواع، والمعبودات والمعبودون أنواع، يصح في بعضهم ما لا يصح في الآخر، ولذلك تكرر معنى حشر الفريقين وحسابهم في سور أخرى، بعضها في عبادة الملائكة وعبادة الجن، وبعضها في عبادة الشر، وما اتخذ لهم من التماثيل والصور، ومثلها القبور المعظمة، وسنشير إلى شواهده.
{وقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} أي ما كنتم تخصوننا بالعبادة وإنما كنتم تعبدون أهواءكم وشهواتكم وشياطينكم المغوية لكم، وتتخذون أسماءنا وتماثيلنا هياكل ومواسم لمنافعكم ومصالحكم، وليس هذا شأن العبودية الصادقة للمعبود الحق الذي يطاع ويعبد؛ لأنه صاحب السلطان الأعلى على الخلق، وبيده تدبير الأمر، ومصادر النفع والضر، والمراد أنهم يتبرؤون منهم كما صرح به في آيات أخرى.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
تتابع هذه الآيات أيضاً البحوث السابقة حول المبدأ والمعاد ووضع المشركين، وتجسم حيرة وانقطاع هؤلاء عند حضورهم في محكمة العدل الإِلهي، ووقوفهم بين يدي الله لمحاسبتهم.
فتقول أوّلا: (ويوم نحشرهم جميعاً ثمّ نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم).
واللطيف أنّ الآية أعلاه قد عبّرت عن الأصنام بشركائكم، في حين أنّ المشركين كانوا قد جعلوا الأصنام شريكة لله، لا شريكة أنفسهم.
إِنّ هذا التعبير في الحقيقة إِشارة لطيفة إِلى أن الأصنام لم تكن شريكة لله، وأن أوهام وتخيلات عبدة الأوثان هي التي أعطتها هذا المقام...
في هذه الأثناء ينطق الشركاء الذين صنعتهم أوهام هؤلاء: (وقال شركاؤهم ما كنتم إِيانا تعبدون) فأنتم في الواقع كنتم تعبدون أهواءكم وميولكم وأوهامكم، لا أنّكم كنتم تعبدوننا، ولو سلمّنا ذلك فإِنّ عبادتكم لنا لم تكن بأمرنا ولا برضانا، والعبادة كهذه ليست بعبادة في الحقيقة.