تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (17)

بينة : برهان واضح .

يتلوه : يتبعه .

مرية : شك .

وبعد أن ذكَر اللهُ مآل من يعمل للدنيا وزينتِها ، ولا يهتمُّ بالآخرة وأعمالِها ، ذكر هنا من كان يريدُ الآخرة ويعمل لها ، ومعه شاهد على صدقه وهو القرآن .

أفمَن كان يسير في حياته على بصرةٍ وهداية من ربّه ، ومعه شاهدٌ بالصدِق من الله وهو القرآن ، وشاهدٌ من قبله وهو كتابُ موسى الذي أنزله الله قدوةً ورحمة لمتّبعيه ، كمن يسيرُ على ضلالٍ وكفرٍ فلا يهتمُّ إلا بالدنيا وزينتها ؟ ! كلاّ أبداً .

أولئك الأَوّلون هم الذين أنارَ الله بصائرهم ، فهم يؤمنون بالنبيّ والكتابِ الذي أُنزل عليه .

ومن يكفر به ممن تألّبوا على الحقّ وتحزَّبوا ضده ، فالنارُ موعدُه يوم القيامة .

لا تكن أيها النبيّ في شكّ من هذا القرآن . وحاشا النبيَّ أن يشكّ . وإذا كان الخطاب موجَها إليه فالمقصود به كل من سمع برسالة محمد ، والمعنى : لا ينبغي لعاقل أن يشك في رسالة محمد ولا في القرآن المنزل عليه .

إن هذا القرآن هو الحقُّ النازل من عند ربّك ، لا يأتيه الباطل ، ولكنّ أكثر الناس تُضِلُّهم شهواتهم فلا يؤمنون .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (17)

{ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } تدل على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره ، ويدخل في ذلك الإسلام دخولاً أولياً ، واقتصر عليه بعضهم بناءاً على أنه المناسب لما بعد ، وأصل البينة كما قيل : الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة ، وتطلق على الدليل مطلقاً ، وهاؤها للمبالغة ، أو النقل ، وهي وإن قيل : إنها من بان بمعنى تبين واتضح لكنه اعتبر فيها دلالة الغير والبيان له ، وأخذها بعضهم من صيغة المبالغة ، والتنوين فيها هنا للتعظيم أي بينة عظيمة الشأن ، والمراد بها القرآن وباعتبار ذلك أو البرهان ذكر الضمير الراجع إليها في قوله سبحانه : { وَيَتْلُوهُ } أي يتبعه { شَاهِدٌ } عظيم يشهد بكونه من عند الله تعالى شأنه وهو كما قال الحسين بن الفضل الإعجاز في نظمه ، ومعنى كون ذلك تابعاً له أنه وصف له لا ينفك عنه حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها فلا يستطيع أحد من الخلق جيلاً بعد جيل معارضته ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً . وكذا الضمير في { مِنْهُ } وهو متعلق بمحذوف وقع صفة لشاهد ، ومعنى كونه منه أنه غير خارج عنه .

وجوز أن يكون هذا الضمير راجعاً إلى الرب سبحانه ، ومعنى كونه منه تعالى أنه وارد من جهته سبحانه للشهاد ، وعلى هذا يجوز أن يراد بالشاهد المعجزات الظاهرة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها من الشواهد التابعة للقرآن الواردة من قبله عز وجل ، وأمر التبعية فيها ظاهر ، والمراد بالموصول كل من اتصف بتلك الكينونة من المؤمنين .

وعن أبي العالية أنه النبي عليه الصلاة والسلام ولا يخفى أن قوله سبحانه الآتي : { أولئك } الخ لا يلائمه إلا أن يحمل على التعظيم ، وأيضاً إن السياق كما ستعلم إن شاء الله تعالى للفرق بين الفريقين المؤمنين . ومن يريد الحياة الدنيا لا بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، وفسر أبو مسلم . وغيره البينة بالدليل العقلي ، والشاهد بالقرآن وضمير { مِنْهُ } لله تعالى ، ومن ابتدائية ، أو للقرآن فقد تقدم ذكره ، ومن حينئذٍ إما بيانية . وإما تبعيضية بناءاً على أن القرآن ليس كله شاهداً وليس من التجريد على ما توهم الطيبي ، فيكون في الآية إشارة إلى الدليلين العقلي . والسمعي ، ومعنى كون الثاني تابعاً للأول على ما قيل : إنه موافق له لا يخالفه أصلاً ، ومن هنا قالوا : إن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح ، ولذا أولوا الدليل السمعي إذا خالف ظاهره الدليل العقلي ، ولعل في التعبير عن الأول بالبينة التي جاء إطلاقها في كلام الشارع على شاهدين ، وعن الثاني بالشاهد الإيماء إلى أن الدليل العقلي أقوى دلالة من الدليل السمعي لأن دلالة الأول قطعية .

ودلالة الثاني ظنية غالباً للاحتمالات الشهيرة التي لا يمكن القطع معها ، وقد يقال : إن التعبير عن الثاني بالشاهد لمكان التلو .

وعن ابن عباس . ومجاهد . والنخعي . والضحاك . وعكرمة . وأبي صالح . وسعيد بن جبير أن البينة القرآن ، والشاهد هو جبريل عليه السلام ويتول من التلاوة لا التلو ، وضمير { مِنْهُ } لله تعالى ، وفي رواية عن مجاهد أن الشاهد ملك يحفظ القرآن وليس المراد الحفظ المتعارف لأنه كما قال ابن حجر خاص بجبريل عليه السلام ، وضمير { مِنْهُ } كما في سابقه إلا أن يتلو من التلو والضمير المنصوب للبينة ، وقيل : لمن كان عليها ، وعن الفراء أن الشاهد هو الإنجيل ، { وَيَتْلُوهُ } وضمير { مِنْهُ } على طرز ما روي عن مجاهد سوى أن ضمير يتلوه للقرآن .

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن الحنفية أن الشاهد لسانه صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكر أهل اللغة ذلك ؛ وكذا الملك من معانيه ، و يتلو حينئذٍ من التلاوة ، والإسناد مجازي ومفعوله للبينة ، وضمير { مِنْهُ } للرسول صلى الله عليه وسلم بناءاً على أنه المراد بالموصول ، ومن تبعيضية ، وقيل : الشاهد صورته عليه الصلاة والسلام ومخايله لأن كل عاقل يراه يعلم أنه عليه الصلاة والسلام رسول الله .

وأخرج ابن أبي حاتم . وابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : «ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن ، فقال له رجل : ما نزل فيك ؟ قال : أما تقرأ سورة هود { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ } الآية من كان على بينة من ربه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شاهد منه » ، وأخرج المنهال عن عبادة بن عبد الله مثله ، وأخرج ابن مردويه بوجه آخر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } أنا { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ } علي » .

وأخرج الطبرسي نحو ذلك عن بعض أهل البيت رضي الله تعالى عنهم وتعلق به بعض الشيعة في أن علياً كرم الله تعالى وجهه هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى سماه شاهداً كما سمى نبيه عليه الصلاة والسلام كذلك في قوله سبحانه : { إِنَّا أرسلناك شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً } [ الفتح : 8 ] والمراد { شاهدا } على الأمة كما يشهد له عطف { مُبَشّرًا وَنَذِيرًا } عليه فينبغي أن يكون مقامه كرم الله تعالى وجهه بين الأمة كمقامه عليه الصلاة والسلام بينهم ، وحيث أخبر سبحانه أنه يتلوه أي يعقبه ويكون بعد دل على أنه خليفته ، وأنت تعلم أن الخبر مما لا يكاد يصح ، وفيما سيأتي في الآية إن شاء الله تعالى إباءً عنه ، ويكذبه ما أخرجه ابن جرير . وابن المنذر .

وابن أبي حاتم . وأبو الشيخ . والطبراني في الأوسط عن محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه قال : قلت لأبي كرم الله تعالى وجهه : إن الناس يزعمون في قول الله تعالى : { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } أنك أنت التالي ؟ قال : وددت أني هو ولكنه لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، على أن في تقرير الاستدلال ضعفاً وركاكة بلغت الغاية القصوى كما لا يخفى على من له أدنى فطنة .

ونقل أبو حيان أن هذا الشاهد هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وفيه ما فيه ، وفي عطف يتلوه احتمالان : الأول : أن يكون على ما وقع صفة لبينة ، والثاني : أن يكون على جملة { كَانَ } ومرفوعها ، وقوله سبحانه : { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } عطف على { شَاهِدٌ } والضمير المجرور له ، وقد توسط الجار والمجرور بينهما ، والظاهر أنه متعلق بمحذوف وقع حالاً من الكتاب أي { وَيَتْلُوهُ } في التصديق { كِتَابُ موسى } منزلاً من قبله ، وحاصله { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } ويشهد لصدقه شاهد منه وشاهد آخر من قبله وهو كتاب موسى ، قيل : وإنما قدم في الذكر المؤخر في النزول لكونه وصفاً لازماً له غير مفارق عنه ولعراقته في وصف التلو ، وهذا على تقدير أن يكون المراد بالشاهد الإعجاز كما اختاره بعض المحققين وقد يقال : إن تأخير بيان شهادة هذا الشاهد عن بيان شهادة الشاهد الأول لأنها ليست في الظهور عند الأمة كشهادة الأول وهو جار على غير ذلك التقدير أيضاً ، وتخصيص كتاب موسى عليه السلام بالذكر بناءً على عدم إرادة الإنجيل فيما تقدم لأن الملتين مجتمعتان على أنه من عند الله تعالى بخلاف الإنجيل فإن اليهود مخالفون فيه فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الفريقين أولى .

وأوجب بعضهم كون { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } جملة مبتدأة غير داخلة في حيز شيء مما قبلها وهو مبني على كثير من الاحتمالات السابقة في الشاهد ، وقرأ محمد بن السائب الكلبي . وغيره { كِتَابٌ } بالنصب على أنه معطوف على مفعول يتلوه أو منصوب بفعل مقدر أي ويتلو كتاب موسى ، والأول أولى لأن الأصل عدم التقدير ، ويتلو في هذه القراءة من التلاوة ، والضمير المنصوب للقرآن والمجرور لمن ، و { مِنْ } تبعيضية لا تجريدية ، والمعنى على ما يقتضيه كلام الكشاف { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ } على أن القرآن حق لا مفترى ، والمراد به أهل الكتاب ممن كان يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق وأن كتابه هو الحق لما كانوا وجدوه في التوراة ، ويقرأ القرآن شاهد من هؤلاء ، ويقرأ من قبل القرآن كتاب موسى ، والمراد بهذا الشاهد ما أريد به في قوله سبحانه : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِهِ }

[ الأحقاف : 10 ] وهو عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه ، ففي الآية مدح أهل الكتاب وخص من بينهم تالي الكتابين وشاهدهم بالذكر دلالة على مزيد فضله وتنبيهاً على أنهم مشايعوه في اتباع الحق وإن لم يبلغوا رتبة الشاهد ، وفي قوله تعالى : { *ويتلوه } استحضار للحال ودلالة على استمرار التلاوة ، وهو كما قيل في غاية التطابق للكلام { لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } أي مؤتماً به في الدين ومقتدى ، وفي التعرض لهذا الوصف مع بيان تلو الكتاب ما لا يخفى من تفخيم شأن المتلو والتنوين فيه للتعظيم ، وكذا في قوله سبحانه : { وَرَحْمَةً } أي نعمة عظيمة على من أنزل إليهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة باعتبار أحكامه الباقية المؤيدة بالقرآن العظيم وهما حالان من الكتاب { أولئك } أي الموصوفون بتلك الصفة الحميدة وهي الكون على بينة { يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي يصدقون بالقرآن حق التصديق حسبما يشهد به تلك الشواهد الحقة المعربة عن حقيته ولا يقلدون أحداً من عظماء الدين ؛ فالضمير للقرآن ، وقيل : إنه لكتاب موسى عليه السلام لأنه أقرب ولا يناسب ما بعد ، وإن لم يك خالياً عن الفائدة ، وقيل : إنه للنبي صلى الله عليه وسلم { وَمن يَكْفُرْ بِهِ } أي بالقرآن ولم يعتد بتلك الشواهد الحقة ولم يصدق بها { مّن الاحزاب } من أهل مكة ومن تحزب معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله بعضهم ، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة أن الأحزاب الكفار مطلقاً فإنهم تحزبوا على الكفر ، وروي ذلك عن ابن جبير ، وفي رواية أبي الشيخ عن قتادة أنهم اليهود . والنصارى ، وقال السدي : هم قريش ، وقال مقاتل : هم بنو أمية . وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي . وآل أبي طلحة بن عبيد الله { فالنار مَوْعِدُهُ } أي يردها لا محالة حسبما نطق به قوله سبحانه : { لَيْسَ لَهُمْ في الآخرة إِلاَّ النار } [ هود : 16 ] وآيات أخر ، والموعد اسم مكان الوعد كما في قول حسان

: أوردتموها حياض الموت ضاحية *** فالنار موعدها والموت لاقيها

وفي جعل النار موعداً إشعار بأن له فيها ما لا يوصف من أفانين العذاب { فَلاَ تَكُ في مِرْيَةٍ مّنْهُ } أي في شك من أمر القرآن وكونه من عند الله تعالى غبَّ ما شهدت به الشواهد وظهر فضل من تمسك به ، أو لا تك في شك من كون النار موعدهم ، وادعى بعضهم أنه الأظهر وليس كذلك ، وأياً مّا كان فالخطاب إن كان عاماً لمن يصلح له فالمراد التحريض على النظر الصحيح المزيل للشك ، وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فهو بيان لأنه ليس محلاً للشك تعريضاً بمن شك فيه ولا يلزم من نهيه عليه الصلاة والسلام عنه وقوعه ولا توقعه منه صلى الله عليه وسلم ، وقرأ السمعي .

وأبو رجاء . وأبو الخطاب السدوسي . والحسن { مِرْيَةٍ } بضم الميم وهي لغة أسد . وتميم ، والكسر لغة أهل الحجاز { أَنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ } أي الذي يربيك في دينك ودنياك { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } بذلك إما لقصور أنظارهم واختلال أفكارهم وإما لاستكبارهم وعنادهم و { الناس } على ما روى عن ابن عباس أهل مكة ، قال صاحب الفينان : جميع الكفار ، هذا والهمزة في { أَفَمَنِ } قيل : للتقرير و من مبتدأ والخبر محذوف أي أفمن كان كذا كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها ، وحذف معادل الهمزة ومثله كثير ، واختار هذا أبو حيان ، والذي يقتضيه كلام الزمخشري ولعله الأولى خلافه حيث قال : المعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة أي لا يعقبونهم ولا يقاربونهم في المنزلة إلى آخر ما قال ، وحاصله على ما في «الكشف » أن الفاء عاطفة للتعقيب مستدعية ما يعطف عليه وهو الدال عليه قوله سبحانه : { مَن كَانَ } [ هود : 15 ] الآية ، فالتقدير أمن كان يريد الحياة الدنيا على أنها موصولة فمن كان على بينة من ربه ، والخبر محذوف لدلالة الفاء أي يعقبونهم أو يقربونهم ، والاستفهام للإنكار فيفيد أن لا تقارب بين الفريقين فضلاً عن التماثل فلذلك صار أبلغ من نحو قوله تعالى : { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً } [ السجدة : 18 ] وأما إنها عطف على قوله تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا } [ هود : 15 ] فلا وجه له لأنه يصير من عطف الجملة ، ولا يدل على إنكار التماثل ، ولا معنى لتقدير الاستفهام في الأول فإن الشرط والجزاء لا إنكار عليه انتهى ، وهو جار على أحد مذهبين للنحاة في مثله ، ويعلم مما تقرر أن الآية مرتبطة بقوله سبحانه : { مَن كَانَ } [ هود : 15 ] الخ ، ومساقها عند شيخ الإسلام للترغيب أيضاً فيما ذكر من الإيمان بالقرآن . والتوحيد . والإسلام ، وادعى الطبرسي أنها مرتبطة بقوله تعالى : { قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ } [ هود : 13 ] وأن المراد أنهم إذا لم يأتوا بذلك فقل لهم : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ } ولا بينة له على ذلك .

( ومن باب الإشارة ) : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } أي يقين برهاني عقلي أو وجداني كشفي { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } وهو القرآن المصدق لذلك ، ومن هنا تؤيد الأدلة العقلية بالآيات النقلية القرآنية . ويحكم بكون الكشف صحيحاً إذا شهدت له ووافقته ، ولذا قالوا : كل كشف خالف ما جاء عن الله تعالى ليس بمعتبر { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } أي يتبع البرهان من قبل هذا الكتاب كتاب موسى عليه السلام في حالة كونه { إِمَاماً } يؤتم به في تحقيق المطالب { وَرَحْمَةً } [ هود : 17 ] لمن يهتدي به ، وهذا وجه في الآية ذكره بعضهم ، وقد قدمنا ما فيها من الاحتمالات ؛ وقد ذكروا أن المراد بيان بعدما بين مرتبتي من يريد الحياة الدنيا ومن هو على بينة من ربه .

وللصوفية قدست أسرارهم عبارات شتى في البينة فقال رويم : هي الإشراف عن القلوب والحكم على الغيوب ، وقال سيد الطائفة : هي حقيقة يؤيدها ظاهر العلم ، وقيل : غير ذلك ، وعن أبي بكر بن طاهر أن من كان على بينة من ربه كانت جوارحه وقفاً على الطاعات والموافقات ولسانه مشغولاً بالذكر ونشر الآلاء والنعماء وقلبه منوراً بأنوار التوفيق وضياء التحقيق وسره وروحه مشاهدين للحق في جميع الأوقات وكان عالماً بما يبدو من مكنون الغيوب ورؤيته يقين لا شك فيه وحكمه على الخلق كحكم الحق لا ينطق إلا بالحق ولا يرى إلا الحق لأنه مستغرق به فأنى يرى سواه

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ} (17)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه} يعني القرآن، {شاهد منه}، يقول: يقرأه جبريل، عليه السلام، على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو شاهد لمحمد أن الذي يتلوه محمد من القرآن أنه جاء من الله تعالى.

ثم قال: {ومن قبله كتاب موسى} يقول: ومن قبل كتابك يا محمد، قد تلاه جبريل على موسى، يعني التوراة؛ ، {إماما} يقتدى به، يعني التوراة، {ورحمة} لهم من العذاب، لمن آمن به، {أولئك يؤمنون به}، يعني أهل التوراة يصدقون بالقرآن كقوله في الرعد: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون} [الرعد:36]، يعني بقرآن محمد صلى الله عليه وسلم أنه من الله عز وجل. {ومن يكفر به} بالقرآن {من الأحزاب}... {فالنار موعده}، يقول: ليس الذي عمل على بيان من ربه كالكافر بالقرآن موعده النار ليسوا بسواء، {فلا تك في مرية منه} وذلك أن كفار قريش قالوا: ليس القرآن من الله، إنما تقوله محمد، وإنما يلقيه الري، وهو شيطان... على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {فلا تك في مرية منه}، يقول: في شك من القرآن، {إنه الحق من ربك}، إنه من الله عز وجل، وأن القرآن حق من ربك، {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون}، يعني ولكن أكثر أهل مكة لا يصدقون بالقرآن أنه من عند الله تعالى...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره:"أفمَنْ كانَ على بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ" قد بين له دينه فتبينه، "وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ".

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: يعني بقوله: "أفمَنْ كانَ على بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ "محمدا صلى الله عليه وسلم... عن الحسن: "وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ" قال: لسانه...

وقال آخرون: يعني بقوله: "وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ" محمدا صلى الله عليه وسلم... قال ابن زيد، في قوله: "أفمَنْ كانَ على بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ" قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على بينة من ربه، والقرآن يتلوه شاهد منه أيضا من الله بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم...

وقال آخرون: هو عليّ بن أبي طالب... وقال آخرون: هو جبرئيل...

وقال آخرون: هو ملك يحفظه... وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصواب في تأويل قوله: "وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ": قول من قال: هو جبرئيل، لدلالة قوله: "وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى إماما وَرَحْمَةً" على صحة ذلك وذلك أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لم يتلُ قبل القرآن كتاب موسى، فيكون ذلك دليلاً على صحة قول من قال: عُنِي به لسان محمد صلى الله عليه وسلم، أو محمد نفسه، أو عليّ على قول من قال: عُنِي به عليّ. ولا يعلم أن أحدا كان تلا ذلك قبل القرآن أو جاء به ممن ذكر أهل التأويل أنه عُنِي بقوله: "وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ" غير جبرئيل عليه السلام...

وأما قوله: "إماما"... وقوله "وَرَحْمَةً"... كأنه قيل: ومن قبله كتاب موسى إماما لبني إسرائيل يأَتَمّون به، ورحمة من الله تلاه على موسى... وفي الكلام محذوف قد ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ذكر عليه منه، وهو: "أفمَنْ كانَ على بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى إِمَاما وَرَحْمَةً" كمن هو في الضلالة متردّد، لا يهتدي لرشد، ولا يعرف حقّا من باطل، ولا يطلب بعمله إلا الحياة الدنيا وزينتها؟ وذلك نظير قوله: "أمّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللّيْلِ ساجِدا وقائِما يَحْذَرُ الاَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" والدليل على حقيقة ما قلنا في ذلك أن ذلك عَقِيب قوله: "مَنْ كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدّنْيا..." الآية، ثم قيل: أهذا خير أمّن كان على بينة من ربه؟...

وقوله: "أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ" يقول: هؤلاء الذين ذكرت يصدّقون ويقرّون به إن كفر به هؤلاء المشركون الذين يقولون: إن محمدا افتراه.

"وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إنّهُ الحَقّ مِنْ رَبّكَ وَلَكِنّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ".

يقول تعالى ذكره: ومن يكفر بهذا القرآن فيجحد أنه من عند الله من الأحزاب وهم المتحزبة على مللهم، "فالنار موعده"، إنه يصير إليها في الآخرة بتكذيبه. يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: "فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ" يقول: فلا تك في شكّ منه، من أن موعد من كفر بالقرآن من الأحزاب النار، وأن هذا القرآن الذي أنزلناه إليك من عند الله، ثم ابتدأ جلّ ثناؤه الخبر عن القرآن، فقال: إن هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد الحقّ من ربك لا شكّ فيه، ولكن أكثر الناس لا يصدّقون بأن ذلك كذلك.

فإن قال قائل: أو كان النبيّ صلى الله عليه وسلم في شكّ من أن القرآن من عند الله، وأنه حقّ، حتى قيل له: فلا تك في مرية منه؟ قيل: هذا نظير قوله: "فإنْ كُنْتَ فِي شَكَ مِمّا أَنْزَلْنا إلَيْكَ" وقد بيّنا ذلك هنالك...

[عن] سعيد بن جبير قال: ما بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت مِصْداقه في كتاب الله تعالى، حتى قال «لا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمّةِ وَلاَ يَهُودِيّ وَلا نَصْرَانِيّ ثُمّ لا يُؤْمِنُ بِمَا أُرْسِلْتُ بِهِ إلاّ دَخَلَ النّارَ». قال سعيد: فقلت أين هذا في كتاب الله؟ حتى أتيت على هذه الآية: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى إماما وَرَحْمَةً أُولَئكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ قال: من أهل الملل كلها...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ} معناه: أمّن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة أي لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم، يريد أنّ بين الفريقين تفاوتاً بعيداً وتبايناً بيناً، وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره، كان على بينة {مّن رَّبّهِ} أي على برهان من الله وبيان أنّ دين الإسلام حق وهو دليل العقل {وَيَتْلُوهُ} ويتبع ذلك البرهان {شَاهِدٌ مّنْهُ} أي شاهد يشهد بصحته، وهو القرآن {مِنْهُ} من الله، أو شاهد من للقرآن، فقد تقدّم ذكره آنفاً {وَمِن قَبْلِهِ} ومن قبل القرآن {كِتَابُ موسى} وهو التوراة، أي: ويتلو ذلك البرهان أيضاً من قبل القرآن كتاب موسى. وقرئ: «كتاب موسى» بالنصب، ومعناه: كان على بينة من ربه، وهو الدليل على أنّ القرآن حق، {وَيَتْلُوهُ}: ويقرأ القرآن {شَاهِدٌ مّنْهُ} شاهد ممن كان على بينة. كقوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسرائيل على مِثْلِه} [الأحقاف: 10]، {قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب} [الرعد: 43]، {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى} ويتلو من قبل القرآن والتوراة {إِمَاماً} كتاباً مؤتما به في الدين قدوة فيه {وَرَحْمَةً} ونعمة عظيمة على المنزل إليهم {أولئك} يعني من كان على بينة {يُؤْمِنُونَ بِهِ} يؤمنون بالقرآن {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب} يعني أهل مكة ومن ضامهم من المتحزِّبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم {فالنار مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ}: الشك. {مِّنْهُ} من القرآن أو من الموعد...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

...اعلم أن كون كتاب موسى تابعا للقرآن ليس في الوجود بل في دلالته على هذا المطلوب و {إماما} نصب على الحال، فالحاصل أنه يقول اجتمع في تقرير صحة هذا الدين أمور ثلاثة؛

أولها: دلالة البينات العقلية على صحته.

وثانيها: شهادة القرآن بصحته.

وثالثها: شهادة التوراة بصحته. فعند اجتماع هذه الثلاثة لا يبقى في صحته شك ولا ارتياب...

واعلم أنه تعالى وصف كتاب موسى عليه السلام بكونه إماما ورحمة، ومعنى كونه إماما أنه كان مقتدى العالمين، وإماما لهم يرجعون إليه في معرفة الدين والشرائع، وأما كونه رحمة فلأنه يهدي إلى الحق في الدنيا والدين، وذلك سبب لحصول الرحمة والثواب، فلما كان سببا للرحمة أطلق اسم الرحمة عليه إطلاقا لاسم المسبب على السبب.

ثم قال تعالى: {أولئك يؤمنون به} والمعنى: أن الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم في صحة هذا الدين يؤمنون...

ثم قال: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} والتقدير: لما ظهر الحق ظهورا في الغاية، فكن أنت متابعا له ولا تبال بالجهال سواء آمنوا أو لم يؤمنوا، والأقرب أن يكون المراد لا يؤمنون بما تقدم ذكره من وصف القرآن...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

يخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى التي فطر عليها عباده، من الاعتراف له بأنه لا إله إلا هو، كما قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30]... فالمؤمن باق على هذه الفطرة. [وقوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} أي]: وجاءه شاهد من الله، وهو ما أوحاه إلى الأنبياء، من الشرائع المطهرَة المُكَمَّلَة المعظَّمة المُخْتَتَمَةِ بشريعة محمد، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. ولهذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمة، وأبو العالية، والضحاك، وإبراهيم النَّخَعي، والسُّدِّي، وغير واحد في قوله تعالى: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} إنه جبريل عليه السلام...

.وعن علي، والحسن، وقتادة: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وكلاهما قريب في المعنى؛ لأن كلا من جبريل ومحمد، صلوات الله عليهما، بلَّغ رسالة الله تعالى، فجبريل إلى محمد، ومحمد إلى الأمة. وقيل: هو عليّ. وهو ضعيف لا يثبت له قائل، والأول والثاني هو الحق؛ وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة، والتفاصيل تؤخذ من الشريعة، والفطرة تصدقها وتؤمن بها؛

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما اتضحت الحجج وانتهضت الدلائل فأغرقتهم عوالي اللجج، كان ذلك موضع الإنكار على من يسوي بين المهتدي والمعتدي، فكيف بمن يفضل إما باعتبار النظر إلى الرئاسة الدنيوية غفلة من حقائق الأمور أو عناداً كمن قال من اليهود للمشركين: أنتم أهدى منهم، فقال: {أفمن كان على بينة} أي برهان وحجة {من ربه} بما آتاه من نور البصيرة وصفاء العقل فهو يريد الآخرة ويبني أفعاله على أساس ثابت {ويتلوه} أي ويتبع هذه البينة {شاهد} هو القرآن {منه} أي من ربه، أو تؤيد ذلك البرهان برسالة رسول عربي بكلام معجز وكان {من قبله} أي هذا الشاهد مؤيداً له {كتاب موسى} أي شاهد أيضاً وهو التوراة حال كونه {إماماً} يحق الاقتداء به {ورحمة} أي لكل من اتبعه. ولما كان الجواب ظاهراً حذفه، وتقديره -والله أعلم: كمن هو على الضلالة فهو يريد الدنيا فهو يفعل من المكارم ما ليس مبنياً على أساس صحيح، فيكون في دار البقاء والسعادة هباء منثوراً؛ ولما كان هذا الذي على البينة عظيماً، ولم يكن يراد به واحداً بعينه، استأنف البيان لعلو مقامه بأداة الجمع بشارة لهذا النبي الكريم بكثرة أمته فقال: {أولئك} أي العالو الرتبة بكونهم على هدى من ربهم وتأيد هداهم بشاهد من قبله وشاهد من بعده مصدق له {يؤمنون به} أي بهذا القرآن الذي هو الشاهد ولا ينسبون الآتي به إلى أنه افتراه {ومن يكفر به} أي بهذا الشاهد {من الأحزاب} من جميع الفرق وأهل الملل سواء، سوى بين الفريقين جهلاً أو عناداً {فالنار موعده} أي وعيده وموضع وعيده يصلى سعيرها ويقاسي زمهريرها. ولما عم بوعيد النار، اشتد تشوف النفس لما سبب عنه فقرب إزالة ما حملت من ذلك بالإيجاز، فاقتضى الأمر حذف نون "تَكن "فقيل: {فلا تكُ} أي أيها المخاطب الأعظم {في مرية} أي شك عظيم ووهم {منه} أي من القرآن ولا يضيق صدرك عن إبلاغه، أو من الوعد الذي هو النار والخيبة وإن أنعمنا على المتوعد بذلك ونعمناه في الدنيا؛ ثم علل النهي بقوله: {إنه} القرآن أو الموعد {الحق} أي الكامل، وزاد في الترغيب فيه بقوله: {من ربك} أي المحسن إليك بإنزاله عليك. ولما كان كونه حقاً سبباً يعلق الأمل بإيمان كل من سمعه، قال: {ولكن أكثر الناس} أي الذين هم في حيز الاضطراب {لا يؤمنون} بأنه حق لا لكون الريب يتطرق إليه بل لما على قلوبهم من الرين ويؤولون إليه من العذاب المعد لهم ممن لا يبدل القول لديه ولا ينسب الظلم إليه، والقصد بهذا الاستفهام الحث على ما حث عليه الاستفهام في قوله {فهل أنتم مسلمون} من الإقبال على الدين الحق على وجه مبين لسخافة عقول الممترين وركاكة آرائهم...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ من ربّهِ} أي برهانٍ نيِّرٍ عظيمِ الشأنِ يدل على حقية ما رَغّب في الثبات عليه من الإسلام وهو القرآنُ، وباعتباره أو بتأويل البرهانِ ذُكر الضميرُ الراجعُ إليها في قوله تعالى: {وَيَتْلُوهُ} أي يتبعه {شَاهِدٌ} يشهد بكونه من عند الله تعالى وهو الإعجازُ في نظمه المطّردِ في كل مقدارِ سورةٍ منه أو ما وقع في بعض آياتِه من الإخبار بالغيب، وكلاهما وصفٌ تابعٌ له شاهدٌ بكونه من عند الله عز وجل غيرَ أنه على التقدير الأولِ يكون في الكلامِ إشارةٌ إلى حال رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في تمسّكهم بالقرآن عند تبيُّنِ كونِه منزلاً بعلم الله بشهادة الإعجاز {مِنْهُ} أي من القرآنِ غيرَ خارجٍ عنه أو من جهة الله تعالى فإن كلاًّ منهما واردٌ من جهته تعالى للشهادة، ويجوز على هذا التقديرِ أن يراد بالشاهد المعجزاتُ الظاهرةُ على يدَيْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك أيضاً من الشواهد التابعةِ للقرآن الواردةِ من جهته تعالى، فالمرادُ بَمنْ في قوله تعالى: {أَفَمَنِ} كلُّ من اتصف بهذه الصفةِ الحميدةِ فيدخُل فيه المخاطَبون بقوله تعالى {فاعلموا فَهَلْ أَنتُمْ} [هود: 14] دخولاً أولياً... ولما كان المرادُ بتلوّ الشاهدِ للبرهان إقامةَ الشهادة بصحته وكونِه من عند الله تابعاً له بحيث لا يفارقه في مشهد من المشاهد فإن القرآنَ بيِّنةٌ باقيةٌ على وجه الدهرِ مع شاهدها الذي يشهد بأمرها إلى يوم القيامةِ عند كلِّ مؤمنٍ وجاحدٍ عُطف كتابُ موسى في قوله عز قائلاً: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى} على فاعله مع كونه مقدَّماً عليه في النزول فكأنه قيل: أفمن كان على بينةٍ من ربه ويشَهد به شاهدٌ منه وشاهدٌ آخرُ مِنْ قبله هو كتابُ موسى، وإنما قُدّم في الذكر المؤخَّرِ في النزول لكونه وصفاً لازماً له غيرَ مفارِقٍ عنه ولعراقته في وصف التلوِّ، والتنكيرُ في (بينةٍ) و (شاهدٌ) للتفخيم {إِمَاماً} أي مؤتماً به في الدين ومقتدىً، وفي التعرض لهذا الوصفِ بصدد بيانِ تلوِّ الكتابِ ما لا يخفى من تفخيم شأنِ المَتْلوِّ {وَرَحْمَةً} أي نعمةً عظيمة على من أُنزل إليهم ومَنْ بعدهم إلى يوم القيامة باعتبار أحكامِه الباقيةِ المؤيَّدةِ بالقرآن العظيمِ وهما حالان من الكتاب. {أولئك} الموصوفون بتلك الصفةِ الحميدةِ وهو الكونُ على بينة من الله، ولِما أن ذلك عبارةٌ عن مطلق التمسكِ بها وقد يكون ذلك بطريق التقليدِ لمن سلف من عظماء الدين من غير عُثورٍ على دقائق الحقائقِ وصفهم بأنهم {يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي يصدقونه حقَّ التصديقِ حسبما تشهد به الشواهدُ الحقّة المعربةُ عن حقيته {وَمن يَكْفُرْ بِهِ} أي بالقرآن ولم يصدِّق بتلك الشواهد الحقَّةِ {من الأحزاب} من أهل مكةَ ومن تحزّب معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم {فالنار مَوْعِدُهُ} يردّها لا محالة حسبما نطَق به قوله تعالى: {لَيْسَ لَهُمْ في الآخرة إِلاَّ النار} [هود، الآية 16] وفي جعلها موعداً إشعارٌ بأن له فيها ما لا يوصف من أفانين العذابِ {فَلاَ تَكُ في مِرْيَةٍ منْهُ} أي في شك من أمر القرآنِ وكونِه من عند الله عز وجل حسبما شهِدت به الشواهدُ المذكورةُ وظهر فضلُ من تمسك به {أَنَّهُ الحق مِن ربّكَ} الذي يربِّيك في دينك ودنياك {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ} بذلك إما لقصور أنظارِهم واختلالِ أفكارِهم وإما لعنادهم واستكبارِهم...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

هذه الآية في المقابلة والموازنة بين من يهتدي ويهدي بالقرآن على علم وبينة ومن يكفر به على جهل وتقليد، أو عناد وجحود، فهي صلة بين ما قبلها وما بعدها.

{أفمن كان على بينة من ربه} أي على حجة وبصير من ربه فما يؤمن به ويدعو إليه هاديا مهتديا به، فالبينة ما يتبين به الحق في كل شيء بحسبه، كالبرهان في العقليات، والنصوص في النقليات، والخوارق في الإلهيات، والتجارب في الحسيات، والشهادات في القضائيات، والاستقراء في إثبات الكليات، وقد نطق القرآن بأن الرسل كلهم قد جاءوا بالبينات، وأن كل نبي منهم كان يحتج على قومه بأنه على بينة من ربه، وأنه جاءهم ببينة من ربهم، كما ترى في قصصهم من سورة الأعراف وهذه السورة وكانت بيناتهم قسمين: حججا عقلية، وآيات كونية، وكان من لم يقتنع ببينة الرسول أو يكابرها يقولون: {ما جئتنا ببينة} [هود: 53] وكان من جحد الآية الكونية بعد التحدي والإنذار بالعذاب يهلكون بعذاب الاستئصال، وتجد هذا وذاك مفصلا في قصصهم من هذه السورة، وفرق بين قول الرسول منهم (إني على بينة من ربي) وقوله: (قد جئتكم ببينة من ربكم) فالأولى ما علم هو به أنه رسول من ربه بوحيه إليه، وبإظهاره على ما شاء من رؤية ملك الوحي وغيره من عالم الغيب، والثانية ما آتاه من الحجة العقلية على قومه كقوله: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] أو ما آتاه من آية كونية نستخذي لها أنفسهم، وتنقطع بها مكابرتهم.

وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يطلق البينة تارة على الحجة والبرهان، وتارة على آيته الكبرى الجامعة للبراهين الكثيرة وهي القرآن، قال تعالى له: {قل إني على بينة من ربي وكذبتم به} [الأنعام: 57] وأمره أن يقول لهم بعد ذكر موسى والتوراة {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كان عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون} [الأنعام: 155-157] فهذا السياق يشبه سياق الآية التي نفسرها.

وفي المراد بصاحب البينة فيها وجهان: أحدهما: أنه عام قوبل به ما قبله وهو من لا يريدون من حياتهم إلا لذات الدنيا وزينتها، وإن البينة هي نور البصيرة الفطرية والحجة العقلية التي يميز بها الإنسان بين الحق والباطل، والهدى والضلال. والمعنى: أفمن كان على بينة وبصيرة في دينه من ربه –فهو كقوله: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} [الزمر: 22] {ويتلوه شاهد منه} أي ويتبع هذا النور الفطري والبرهان العقلي المراد بالبينة وأعاد الضمير عليها مذكر باعتبار معناها، ويؤيده نور آخر غيبي إلهي منه تعالى يشهد بحقيته وصحته، وهو هذا القرآن، الذي هو مشرق النور والهدى والبرهان.

{ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة} ويتبعه ويؤيده شاهد آخر جاء من قبله وهو الكتاب الذي أنزل على موسى عليه السلام حال كونه إماما متبعا في الهدى والتشريع، ورحمة لمن آمن وعمل به من بني إسرائيل، وشهادته له من وجهين: شهادة مقال وشهادة حال، فالأولى تصريحه بالبشارة بنبوة محمد ورسالته وقد بيناها مفصلة في تفسير والثانية ما بين رسالة موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام من التشابه.

وحاصل المعنى أفمن كان هذا شأنه في كمال الفطرة والعقل، الذي عرف به حقية الوحي العام الأخير، وما فيه من كمال الهداية والنور، وعرف تأييده بالوحي السابق الذي اهتدى به بنو إسرائيل، فاتسقت له أنوار الحجج الثلاث في هداية دينه، كمن كان يريد من حياته الحياة الدنيا الناقصة الفانية وزينتها الموقتة، محروما من الحياة العقلية والروحية العالية، الموصولة إلى سعادة الآخرة الباقية.

{أولئك يؤمنون به} أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الجمع بين البينة الوهبية، وشهادة الوحي لعقائدهم وأعمالهم الكسبية، يؤمنون بهذا القرآن إيمان معرفة وإذعان، على علم بما فيه من الهدى والفرقان، وأنه ما كان أن يفترى من دون الله {ومن يكفر به من الأحزاب} الذين تحزبوا من أهل مكة وزعماء قريش للصد عنه، وقال مقاتل هم بنو أمية وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي وآل طلحة بن عبيد الله، والذين سيتحزبون لمثل ذلك من أهل الكتاب {فالنار موعده} أي فإن نار جهنم هي الدار التي ينتهون إليها بمقتضى وعده تعالى آنفا: {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} [هود: 16] وما في معناه في السور الكثيرة، فالموعد اسم مكان.

{فلا تكن في مرية منه} أي فلا تكن أيها المكلف العاقل في شك من هذا الوعد، أو من أمر هذا القرآن {إنه الحق من ربك} إنه هو الحق الكامل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه من ربك وخالقك الذي يربيك بما تكمل به فطرتك ويوصلك إلى السعادة في دنياك وآخرتك {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} هذا الإيمان الكامل، أما المشركون فلاستكبار زعمائهم ورؤسائهم، وتقليد مرؤوسيهم ودهمائهم، وأما أهل الكتاب فلتحرفيهم وابتداعهم في دين أنبيائهم، قال ابن عباس: المراد بالناس في مثل هذه الآية أهل مكة، وقال غيره: جميع الكفار، ولكن أكثر أهل مكة أو كلهم كانوا قد آمنوا في عهد ابن عباس (رضي الله عنهما) فإذا صحت الرواية عنه مراده بيان حالهم عند نزول السورة، وأن فعل المضارع لبيان الحال الواقع.

الوجه الثاني: في الآية أن المراد ب (من كان على بينة من ربه) فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن تكون البينة على هذا علمه اليقيني الضروري بنبوته كما تقدم، وسيأتي مثله في هذه السورة حكاية عن نوح في الآية 28 وعن صالح في الآية 63 وعن شعيب في الآية 88 ويكون الشاهد الذي يتلوه منه تعالى القرآن، وهو الأظهر عندي، وروي عن ابن عباس ومجاهد والنخعي والضحاك وعكرمة وأبي صالح وسعيد بن جبير أن البينة القرآن والشاهد جبريل عليه السلام، وقوله: [يتلوه] على هذا من التلاوة لا من التلو والتبعية، فهو الذي كان يقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم عند نزوله به، وكان يعارضه ويدارسه في رمضان من كل سنة جميع ما نزل منه، حتى إذا كان آخر رمضان من آخر عمره صلى الله عليه وسلم عارضه القرآن مرتين.

وفي الشاهد روايات أخرى ضعيفة الرواية والدراية:"منها" أنه ملك "آخر "غير جبريل كان يحفظه القرآن أن ينسى منه شيء، "ومنها" أنه لسانه صلى الله عليه وسلم الذي كان يتلوه به على الناس، "ومنها" أنه علي [رضي الله عنه] يرويه الشيعة ويفسرونه بالإمامة، وروي أنه كرم الله وجهه سئل عنه فأنكره وفسره بأنه لسانه صلى الله عليه وسلم، وقابلهم خصومهم بمثلها فقالوا إنه أبو بكر، وهما من التفسير بالهوى، وأنت ترى أن بقية الآية لا تظهر على هذا الوجه بالجلاء والضياء الذي يظهر به الوجه الأول، بل يحتاج الجمع في قوله تعالى: {أولئك يؤمنون به} إلى تأويل متكلف.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

يذكر تعالى، حال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من ورثته القائمين بدينه، وحججه الموقنين بذلك، وأنهم لا يوصف بهم غيرهم ولا يكون أحد مثلهم، فقال: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} بالوحي الذي أنزل الله فيه المسائل المهمة، ودلائلها الظاهرة، فتيقن تلك البينة. {وَيَتْلُوهُ} أي: يتلو هذه البينة والبرهان برهان آخر {شَاهِدٌ مِنْهُ} وهو شاهد الفطرة المستقيمة، والعقل الصحيح، حين شهد حقيقة ما أوحاه الله وشرعه، وعلم بعقله حسنه، فازداد بذلك إيمانا إلى إيمانه...

{إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} إما جهلا منهم وضلالا، وإما ظلما وعنادا وبغيا، وإلا فمن كان قصده حسنا وفهمه مستقيما، فلا بد أن يؤمن به، لأنه يرى ما يدعوه إلى الإيمان من كل وجه...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

بعد ذلك يلتفت السياق إلى موقف المشركين من رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وما جاءه من الحق؛ وإلى هذا القرآن الذي يشهد له بأنه على بينة من ربه، وأنه مرسل من عنده؛ كما يشهد له كتاب موسى من قبله. يلتفت السياق إلى هذا الحشد من الأدلة المحيطة بالنبي [صلى الله عليه وسلم] وبدعوته ورسالته. ذلك ليثبت بهذه الالتفاتة قلب رسول الله [صلى الله عليه وسلم] والقلة المؤمنة معه. ثم ليوعد الذين يكفرون به من أحزاب المشركين بالنار؛ وليعرضهم في مشهد من مشاهد العذاب يوم القيامة يجلله الخزي والعار جزاء العتو والاستكبار؛ وليقرر أن هؤلاء المتبجحين بالباطل، المعاندين في الحق أعجز من أن يفلتوا من عذاب الله؛ وأعجز من أن يجدوا لهم من دون الله أولياء (لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون).. وليعقد بينهم وبين المؤمنين موازنة في صورة حسية مشهودة؛ تصور الفارق البعيد بين الفريقين في طبيعتهما، وفي موقفهما وحالهما في الدنيا وفي الآخرة سواء...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

الفاء للتفريع على جملة {أم يقولون افتراه إلى قوله: فهل أنتم مسلمون} [هود: 13، 14] وأن ما بينهما اعتراض لتقرير توغلهم في المكابرة وابتعادهم عن الإيمان، وهذا التفريع تفريع الضدّ على ضده في إثبات ضد حكمه له، أي إن كان حال أولئك المكذبين كما وُصف فثَمّ قوم هم بعكس حالهم قد نفعتهم البيّنات والشواهد، فهم يؤمنون بالقرآن وهم المسلمون وذلك مقتضى قوله: {فهل أنتم مسلمون} [هود: 14]، أي كما أسلم من كانوا على بيّنة من ربهم منكم ومن أهل الكتاب. والهمزة للاستفهام التقريري، أي إن كفر به هؤلاء أفيُؤمِنُ به من كان على بينة من ربه... و {مَن كان على بيّنة} لا يراد بها شخص معيّن. فكلمة (مَن) هنا تكون كالمعرّف بلام العهد الذهني صادقة على من تحققت له الصلة، أعني أنه على بينة من ربه. وبدون ذلك لا تستقيم الإشارة. وإفراد ضمائر {كان على بيّنة من ربه} مراعاةٌ للفظ (مَن) الموصولة وذلك أحد استعمالين. والجمع في قوله: {أولئك يؤمنون} مراعاة لمعنى (مَن) الموصولة وذلك استعمال آخر. والتقدير: أفمن كانوا على بينة من ربهم أولئك يؤمنون به...

والذين هم على بينة من ربهم يجوز أن يكونوا النصارى فقط فإنهم كانوا منتشرين في العرب ويعرف أهل مكة كثيراً منهم، وهم الذين عرفوا أحقية الإسلام مثل ورقة بن نوفل ودحية الكلبي، ويجوز أن يراد النصارى واليهود مثل عبد الله بن سلام ممّن آمن بعد الهجرة فدلوا على تمكنهم من معرفة البينة لصحة أفهامهم ولوضوح دلالة البيّنة، فأصحابها مؤمنون بها. والمراد بالبيّنة حجة مجيء الرسول المبشّر به في التوراة والإنجيل. فكون النصارى على بينة من ربهم قبل مجيء الإسلام ظاهر لأنهم لم يكذّبُوا رسولاً صادقاً. وكون اليهود على بيّنة إنما هو بالنسبة لانتظارهم رسولاً مبشّراً به في كتابهم وإن كانوا في كفرهم بعيسى عليه السلام ليسوا على بيّنة. فالمراد على بيّنة خاصة يدل عليها سياق الكلام السابق من قوله: {فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} [هود: 14]، ويعينها اللاحق من قوله: {أولئك يؤمنون به} أي بالقرآن. و (مِن) في قوله: {من ربه} ابتدائية ابتداء مجازياً. ومعنى كونها من ربه أنها من وحي الله ووصايته التي أشار إليها قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لَمَا آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لمَا مَعكم لتُؤمنن به ولتنصرنه} [آل عمران: 81] وقوله: {الذينَ يَتبعون الرسول النّبيء الأمّيّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التّوراة والإنجيل} [الأعراف: 157]. وذكر كتاب موسى وأنه من قبله يشير إلى أن البيّنة المذكورة هنا من الإنجيل، ويقوي أن المراد ب {من كان على بينة من ربه} النصارى...

و {إماماً ورحمة} حالان ثناء على التوراة بما فيها من تفصيل الشريعة فهو إمام يهتدى به ورحمة للنّاس يعملون بأحكامها فيرحمهم الله في الدنيا بإقامة العدل وفي الآخرة بجزاء الاستقامة إذ الإمام ما يؤتم به ويعمل على مثاله...

وحاصل معنى الآية وارتباطها بما قبلها {فهل أنتم مسلمون} [هود: 14] فإن الذين يؤمنون به هم الذين كانوا على بيّنة من ربّهم مؤيّدة بشاهد من ربهم ومعضودة بكتاب موسى عليه السلام من قَبْل بيّنتهم... وجملة {ومن يكفر به من الأحزاب} عطف على جملة {أفمن كان على بيّنة من ربّه} لأنه لمّا حرض أهل مكة على الإسلام بقوله: {فهل أنتم مسلمون} [هود: 14]، وأراهم القِدْوة بقوله: {أولئك يؤمنون به}، عاد فحذر من الكفر بالقرآن فقال: {ومن يكفر به من الأحزاب}، وأعرض عما تبين له من بيّنة ربه وشواهد رسله فالنّار موعده. والأحزاب: هم جماعات الأمم الذين يجمعهم أمْرٌ يجتمعون عليه، فالمشركون حزب، واليهود حزب، والنصارى حزب، قال تعالى: {كذبت قبلهم قوم نوحٍ وعادً وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب ليكة أولئك الأحزاب} [ص: 12، 13]. والباء في {يكفر به} كالباء في {يؤمنون به}. والموعد: ظرف للوعد من مكان أو زمان. وأطلق هنا على المصير الصائر إليه لأن شأن المكان المعيّن لعمل أن يعين به بوعد سابق. {فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون}. تفريع على جملة {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم. والنهي مستعمل كناية تعريضية بالكافرين بالقرآن لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه ونقصه، فمن لوازمه ذم المتلبس بالمنهي عنه. ولما كان المخاطب غير مظنة للتلبس بالمنهي عنه فيُطلبَ منه تركه ويكون النهيُ طلبَ تحصيل الحاصل، تعيّنَ أن يكون النهي غير مراد به الكفّ والإقلاع عن المنهي عنه فيكون مستعملاً في لازم ذلك بقرينة المقام، ومما يزيد ذلك وضوحاً قوله تعالى في سورة آلم [السجدة: 23] {ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه} فإنه لو كان المقصود تحذير النّبيء صلى الله عليه وسلم من الامتراء في الوحي لما كان لتفريع ذلك على إيتاء موسى عليه السلام الكتاب ملازمة، ولكن لما كان المراد التعريض بالذين أنكروا الوحي قدّم إليهم احتجاجَ سبق الوحي لموسى عليه السلام. و {في} للظرفية المجازية المستعملة في تمكن التلبس نظراً لحال الذين استعمل النهي كناية عن ذمّهم فإنهم متلبسون بمزية شديدة في شأن القرآن. وضميرا الغيبة عائدان إلى القرآن الذي عاد إليه ضمير {افتراه} [هود: 13]. وجملة {إنه الحق من ربك} مستأنفة تأكيد لما دلت عليه جملة {فلا تَكُ في مرية منه} من أنه لوضوح حقيته لا ينبغي أن يمترى في صدقه. وحرف التأكيد يقوم مقام الأمر باعتقاد حقيته لما يدل عليه التأكيد من الاهتمام. والمرية: الشك. وهي مرادفة الامتراء المتقدم في أول الأنعام. واختير النهي على المرية دون النهي عن اعتقاد أنه كذب كما هو حال المشركين، لأن النهي عن الامتراء فيه يقتضي النهي عن الجزم بالكذب بالأوْلى، وفيه تعريض بأن ما فيه المشركون من اليقين بكذب القرآن أشد ذمّاً وشناعة. و {مِن} ابتدائية، أي في شك ناشئ عن القرآن، وإنما ينشأ الشك عنه باعتبار كونه شكّاً في ذاته وحقيقته لأن حقيقة القرآنية أنه كتاب من عند الله، فالشك الناشئ على نزوله شك في مجموع حقيقته. وهذا مثل الضمير في قوله: {يؤمنون به} من غير احتياج إلى تقدير مضاف يؤول به إلى إضافة الحكم إلى الأعيان المراد أوصافها. وتعريف {الحق} لإفادة قصر جنس الحق على القرآن. وهو قصر مبالغة لكمال جنس الحق فيه حتى كأنه لا يوجد حق غيره مثل قولك: حاتم الجواد. والاستدراك بقوله: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} ناشئ على حكم الحصر، فإنّ الحصر يقتضي أن يؤمن به كل من بلغه ولكن أكثر الناس لا يؤمنون. والإيمان هو التصديق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الدين. وحذف متعلق {يؤمنون} لأن المراد انتفاء حقيقة الإيمان عنهم في كل ما طلب الإيمان به من الحق، أي أن في طباع أكثر الناس تغليب الهوى على الحق فإذا جاء ما يخالف هواهم لم يؤمنوا...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

هذه موازنة بين الذين يتبعون الحق والذين يطلبون الدنيا وزينتها وتكون وحدها مقصدهم ويشركون بالله تعالى، وبين الذين يؤمنون بالله. {أفمن كان على بينة من ربه} (الفاء) هنا مؤخرة عن تقديم، وهي تفيد أن الاستفهام المتسائل مترتب على ما قبله من عمل غير فاضل، وكلمة {من} اسم موصول بمعنى الذي، والمعنى أمن كان على بينة من ربه كمن هو في عماية عن الحق ولا يدرك إلا الحياة الدنيا، وحذفت الموازنة الدالة على المفارقة الواضحة بينهما، إذا فرق بين من يطلب الحق الباقي ومن يطلب العاجل الفاني. (البينة) الأمر البين الذي تدركه العقول السليمة في غير اعوجاج، ويصح أن يراد به الإسلام؛ لأنه بين لا يأتي إلا بما تقبله العقول ولا ينهي إلا عن الأمر المنكر غير المعقول؛ ولأنه دين الفطرة السليمة. أسند الله تعالى البينة إلى ربه، للدلالة على أن الهادي إليها بمقتضى ما ركزه الله تعالى في النفوس، وبمقتضى ما هدى إليه بالرسلات الإلهية، وقال تعالى: {بينة من ربه} بالتعدية ب {على} للدلالة على تمكنه من المعرفة، وأنها ليست وهما يتوهم ولا ظنا يظن بل عقيدة متمكنة. ذكر الله تعالى بعد البينة أن لها شاهدا من الله تعالى: {ويتلوه شاهدا منه} أي يجيء شاهدا من الله، فالضمير الأول في {يتلوه} يعود إلى البينة، وعاد مذكرا لأن البينة البرهان القاطع الحاسم الذي تهدى إليه الفطرة، فعاد الضمير مذكرا للإشارة إلى أنها برهان بين واضح الدلالة على الوحدانية. والضمير الثاني في قوله {شاهد} يعود على الله ربك، أي أنه هداك وأيدك، والشاهد هو القرآن الكريم النازل من لدن عزيز حكيم. وإن القرآن الكريم جاء مع البينة، وقلنا إنها الإسلام، فكيف يقال إنه وليها ونقول في ذلك إن الإسلام يكون دفعة واحدة؛ لأن لبه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والقرآن نزل منجما فهو كان يتلى على بعده لا قبله، وإن قلنا إن البينة هي برهان العقل المدرك فالقرآن جاء واليا، جاء به الحق. وقد نقول وبحق نقول: إن القرآن جاء مع البينة مؤيدا لها، والتعبير بأنه تلاها للإشارة إلى التلاوة فيه وهي الترتيل، كما قال تعالى: {ورتلناه ترتيلا} (الفرقان32) وكما قال سبحانه: {ورتل القرآن} (المزمل 4)، وللإشارة إلى أنه هناك مراتب في الإدراك، فالأولى أن تجيء البينة، والمرتبة الثانية هي التأييد من الله بالقرآن ولا تراخ بين المرتبتين بل هما متصاحبتان، كما تقول: فكر ثم اقرأ، أي اقرأ قراءة متفكر متدبر، وكأن القرآن شاهد؛ لأنه ببلاغته، وفصاحة كلمه، وعمق معانيه مع وضوحها، وعلمه وقصصه الحكيم كان المعجزة الخالدة، فهو شاهد دائما ناطق بالحق إلى يوم القيامة، وفيه الدلالة الواضحة على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين. ثم أشار سبحانه إلى تصدقيه للكتب السابقة وبشارتها به فقال تعالى: {ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة}، فدلت هذه العبارة على أمرين. الأمر الأول: بشارة التوراة والإنجيل به كما قال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وغزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون157} (الأعراف). الأمر الثاني: الذي دلت عليه الآية أنه مصدق لما بين يديه من الكتاب، وأن الإيمان به إيمان برسالة الرسل أجمعين كما صرح بذلك القرآن الكريم...