تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ} (40)

ولئن أَرَيْناك أيها الرسول ، بعض الذي نَعِدُ هؤلاء المشركين من العقاب ، أو توفَّيناك قبل أن نُريَك ذلك ، فليس عليك إلا تبليغُ رسالةِ ربك ، لا طَلَبَ صلاحِهم ، وعلينا محاسبتُهم ومجازاتهم بأعمالهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ} (40)

{ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ } أصله إن نريك و { مَا } مزيدة لتأكيد معنى الشرط ، ومن ثمة الحقت النون بالفعل ، قال ابن عطية : ولو كانت { ءانٍ } وحدها لم يجز إلحاق النون ، وهو مخالف لظاهر كلام سيبويه ، قال ابن خروف : أجاز سيبويه الإتيان بما وعدم الإتيان بها والإتيان بالنون مع { مَا } وعدم الإتيان بها ، والإراءة هنا بصرية والكاف مفعول أول وقوله سبحانه : { بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ } مفعول ثان ، والمراد بعض الذي وعدناهم من إنزال العذاب عليهم ، والعدول إلى صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو نعدم وعداً متجدداً حسب ما تقتضيه الحكمة من إنذار عقيب إنذار ، وفي إيراد البعض رمز على ما قيل إلى إراءة بعض الموعود { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل ذلك { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ } أي تبليغ أحكام ما أنزلنا عليك وما تضمنه من الوعد والوعيد لا تحقيق مضمون الوعيد الذي تضمنه ذلك ، فالمقصور عليه البلاغ ولهذا قدم الخبر ، وهذا الحصر مستفاد من { إِنَّمَا } لا من التقديم وإلا لانعكس المعنى ، وقوله تعالى : { وَعَلَيْنَا الحساب } الظاهر أنه معطوف على ما في حيز { إِنَّمَا } فيصير المعنى إنما علينا محاسبة أعمالهم السيئة والمؤاخذة بها دون جبرهم على اتباعك أو إنزال ما اقترحوه عليك من الآيات . واعتبر الزمخشري عطفه على جملة { إِنَّمَا * عَلَيْكَ البلاغ } فيصير المعنى وعلينا لا عليك محاسبة أعمالهم ، قيل : وهو الظاهر ترجيحاً للمنطوق على المفهوم إذا اجتمع دليلاً حصر ، وحاصل معنى الآية كيفما دارت الحال أريناك بعض ما وعدناهم من العذاب الدنيوي أو لم نركه فعلينا ذلك وما عليك إلا التبليغ فلا تهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك به من الظفر ولا يضجرك تأخره فإن ذلك لما نعلم من المصالح الخفية . وفي «البحر » عن الحوفي أنه قد تقدم في الآية شرطان { نُرِيَنَّكَ } لأن المعطوف على الشرط شرط ، وقوله تعالى : { تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ } لا يصلح أن يكون جواباً للشرط الأول ولا للشرط الثاني لأنه لا يترتب على شيء منهما وهو ظاهر فيحتاج إلى تأويل ، وهو أن يقدر لكل شرط منهما ما يناسب أن يكون جزاء مترتباً عليه ، فيقال والله تعالى أعلم : وإما نرينك بعض الذين نعدهم فذلك شافيك من أعدائك ودليل صدقك وإما نتوفينك قبل حلوله بهم فلا لوم عليك ولا عتب ، ويكون قوله تعالى : { فَإِنَّمَا } الخ دليلاً عليهما ، والواقع من الشرطين هو الأول كما في بدر .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ} (40)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وإن ما نرينك}، يعني وإن نرينك يا محمد في حياتك، {بعض الذي نعدهم} من العذاب في الدنيا، يعني القتل ببدر وسائر العذاب بعد الموت، ثم قال: {أو نتوفينك}، يقول: أو نميتك يا محمد قبل أن نعذبهم في الدنيا، يعني كفار مكة، {فإنما عليك} يا محمد {البلاغ} من الله إلى عباده، {وعلينا الحساب}، يقول: وعلينا الجزاء الأوفى في الآخرة...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإما نرينك يا محمد في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء المشركين بالله من العقاب على كفرهم، أو نتوفيّنك قبل أن نريك ذلك، فإنما عليك أن تنتهي إلى طاعة ربك فيما أمرك به من تبليغهم رسالته، لا طلب صلاحهم ولا فسادهم، وعلينا محاسبتهم فمجازاتهم بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

كأنه صلى الله عليه وسلم طمع، أو سأله أن يريه جميع ما وعد له من إنزال العذاب عليهم وأنواع ما وعد، فقال: إن شئنا (نرينك بعض) ما وعدنا، وإن شئنا (نتوفينك) ولم نرك (فإنما عليك البلاغ) أي ليس لك من الأمر شيء، أي ليس إليك هذا (فإنما عليك البلاغ)...

وقوله تعالى: (فإنما عليك البلاغ) فيخرج مخرج العتاب والتوبيخ، ليس مخرج الوعد والعدة؛ إذ قوله: ذا أو ذا بحرف شك، فهو يخرج على الوعد أو على النهي عن سؤال كان من رسول الله، فإن كان على النهي، فكأنه نهاه أن يسأل إنزال العذاب عليهم فهو يقول: إن شئنا أنزلنا، وإن شئنا لم ننزل. وإن كان على الوعد فهو يقول: نريك بعض ما وعدنا، ولا نريك كله، وإلا فظاهره حرف شك.

(وعلينا الحساب) يحتمل ما وعد وجزاءه، ويحتمل الحساب المعروف الذي يحاسبهم يوم القيامة، والله أعلم...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى له إنا إن أريناك بعض الذي نعد الكفار من العقوبة على كفرهم، ونصر المؤمنين حتى يظفروا بهم، فيقتلوهم ويستذلوا باقيهم إن لم يؤمنوا، فنبقيك إلى أن ترى ذلك، أو نميتك قبل أن ترى ذلك. وقيل: إن نفعله بهم، لأنه ليس ذلك مما لابد أن تراه لا محالة، فلا تنتظر كونه على ذلك بأن يكون في أيامك. وإنما عليك أن تبلغهم ما أرسلناك به إليهم، وتقوم في ذلك بما أمرك الله به، وعلينا نحن حسابهم، ومجازاتهم والانتقام منهم، إما عاجلا أو آجلا، وذلك كائن لا محالة على ما قلناه...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ} وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من إنزال العذاب عليهم. أو توفيناك قبل ذلك، فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب، وعلينا لا عليك حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم، فلا يهمنك إعراضهم، ولا تستعجل بعذابهم...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وخص «البعض» بالذكر إذ مفهوم أن الأعمار تقصر عن إدراك جميع ما تأتي به الأقدار مما توعد به الكفار. وكذلك أعطي الوجود، ألا ترى أن أكثر الفتوح إنما كان بعد النبي عليه السلام...

ومعنى الآية: إن نبقك يا محمد لترى أو نتوفينك، فعلى كلا الوجهين إنما يلزمك البلاغ فقط. وقوله: {نعدهم} محتمل أن يريد به المضار التي توعد بها الكفار، فأطلق فيها لفظة الوعد لما كانت تلك المضار معلومة مصرحاً بها، ويحتمل أن يريد الوعد لمحمد في إهلاك الكفرة، ثم أضاف الوعد إليهم لما كان في شأنهم...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما تم ما أراد مما يتعلق بتألفهم، وختم بأنه سبحانه يفعل ما يشاء من تقديم وتأخير ومحو وإثبات، وكان من مقترحاتهم وطلباتهم استهزاء استعجال السيئة مما توعدوا به، وكانت النفس ربما تمنت وقوع ذلك للبعض وإثباته ليؤمن غيره تقريباً لفصل النزاع، قال سبحانه وتعالى: {وإن ما نرينك} أكده لتأكيد الإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلالة من ضل بعد إبلاغه، نفياً لما يحمله عليه صلى الله عليه وسلم شدة رحمته لهم وشفقته عليهم من ظن أنه عليه أن يردهم إلى الحق حتماً {بعض الذي نعدهم} وأنت حي مما تريد أو يريد أصحابك، فصل الأمر به فثبت وقوعه إقراراً لأعينكم قبل وفاتك؛ ... {أو نتوفينك} قبل أن نريك ذلك، وهو ممحو الأثر لم يتحقق، فالذي عليك والذي إلينا مستو بالنسبة إلى كلتا الحالتين {فإنما عليك البلاغ} وهو إمرار الشيء إلى منتهاه، وهو هنا الرسالة؛ وليس عليك أن تحاربهم ولا أن تأتيهم بالمقترحات {وعلينا الحساب} وهو جزاء كل عامل بما عمل في الدنيا والآخرة، ولنا القوة التامة عليه...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ} أو وعدناهم من إنزال العذابِ عليهم، والعدولُ إلى صيغة المضارع لحكاية الحالِ الماضيةِ أو نعدهم وعداً متجدداً حسبما تقتضيه الحكمةُ من إنذار، وفي إيراد البعض رمزٌ إلى إراءة بعض الموعودِ {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل ذلك {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ} أي تبليغُ أحكام الرسالةِ بتمامها لا تحقيقُ مضمون ما بلّغته من الوعيد الذي هو من جملتها {وَعَلَيْنَا} لا عليك {الحساب} محاسبةُ أعمالهم السيئةِ والمؤاخذةُ بها أي كيفما دارت الحالُ أريناك بعض ما وعدناهم من العذاب الدنيوي أو لم نُرِكَه فعلينا ذلك وما عليك إلا تبليغُ الرسالة فلا تهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتمّ ما وعدناك من الظفر ولا يُضجِرْك تأخرُه فإن ذلك لما نعلم من المصالح الخفيةِ...

.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وفي هذا التوجيه الحاسم ما فيه من بيان طبيعة الدعوة وطبيعة الدعاة.. إن الدعاة إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا تكاليف الدعوة في كل مراحلها؛ وليس عليهم أن يبلغوا بها إلا ما يشاؤه الله. كما أنه ليس لهم أن يستعجلوا خطوات الحركة، ولا أن يشعروا بالفشل والخيبة، إذا رأوا قدر الله يبطئ بهم عن الغلب الظاهر والتمكين في الأرض، إنهم دعاة وليسوا إلا دعاة...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

عطف على جملة {يمحو الله ما يشاء ويثبت} باعتبار ما تفيده من إبهام مراد الله في آجال الوعيد ومواقيت إنزال الآيات، فبينت هذه الجملة أن النبي ليس مأموراً بالاشتغال بذلك ولا بترقبه وإنما هو مبلّغ عن الله لعباده والله يعلم ما يحاسب به عباده سواء شهد النبي ذلك أم لم يشهده. وجعل التوفي كناية عن عدم رؤية حلول الوعيد بقرينة مقابلته بقوله:"نرينك". والمعنى: ما عليك إلا البلاغ سواء رأيت عذابهم أم لم تره. وفي الإتيان بكلمة {بعض} إيماء إلى أنه يرى البعض. وفي هذا إنذار لهم بأن الوعيد نازل بهم ولو تأخر؛ وأن هذا الدين يستمر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه إذا كان الوعيد الذي أمر بإبلاغه واقعاً ولو بعد وفاته فبالأولى أن يكون شرعه الذي لأجله جاء وعيد الكافرين به شرعاً مستمراً بعده، ضرورة أن الوسيلة لا تكون من الأهمية بأشدّ من المقصد المقصودة لأجله...

وفي الآية إيماء إلى أن العذاب الذي يحل بالمكذبين لرسوله صلى الله عليه وسلم عذاب قاصر على المكذبين لا يصيب غير المكذب لأنه استئصال بالسيف قابل للتجزئة واختلاف الأزمان رحمةً من الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

والمعنى إنا نريك بعض الذي نعدهم من أهوال تنزل بهم في حياتك، أو نتوفينك قبل أن ينزل بهم ما نعدهم به، كيفما كانت الحال، فإنه نازل بهم جزاؤهم في الدنيا ما استقام أهل الإيمان على الطريقة، فإن حادوا عنها، حيد لهم...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

إشارة إلى أن خالق الكون متكفل بتسيير كونه طبقا لمشيئته العليا، وأن الأمر لا يتوقف على أحد من خلقه، وسواء شاهد الرسول عليه الصلاة والسلام بعيني رأسه ما بشر الله به –على لسانه- المؤمنين، وأنذر به الكافرين، أو توفاه الله إليه، وانتقل إلى الرفيق الأعلى قبل أن يشاهد ذلك، فالمهم بالنسبة إليه –بوصفه رسولا- هو أن يقوم بواجب التبليغ عن ربه خير قيام، وحساب الخلق في النهاية موكول إلى الله...