تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ} (16)

ماء صديد : ماء قبيح الطعم في جهنم .

إن جهنم لذلك الجبَّار الخاسر بالمرصاد ، سيصلاها يوم القيامة وشرابُه فيها ماء كريه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ} (16)

{ مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } أي من قدامه وبين يديه كما قال الزجاج . والطبري . وقطرب . وجماعة ، وعلى ذلك قوله( {[485]} ) :

أليس ورائي إن تراخت منيتي . . . لزوم العصا نحنيي عليها الأصابع

ومعنى كونها قدامه أنه مرصد لها واقف على شفيرها ومبعوث إليها ، وقيل : المراد من خلف حياته وبعدها ، ومن ذلك .

قوله :

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة . . . وليس وراء الله للمرء مذهب

وإليه ذهب ابن الأنباري ، واستعمال { وَرَاء } في هذا وذاك بناء على أنها من الأضداد عند أبي عبيدة والأزهري فهي من المشتركات اللفظية عندهما . وقال جماعة : إنها من المشتركات المعنوية فهي موضوعة لأمر عام صادق على القدام والخلف وهو ما توارى عنك . وقد تفسر بالزمان مجازاً فيقال : الأمر من ورائك على معنى أنه سيأتيك في المستقيل من أوقاتك { ويسقى } قيل عطف على متعلق { مِّن وَرَائِهِ } المقدر ، والأكثر على أنه عطف على مقدر جواباً عن سؤال سائل كأنه قيل : فماذا يكون إذن ؟ فقيل : يلقى فيها ما يلقى ويسقى { مِن مَّاء } مخصوص لا كالمياه المعهودة { صَدِيدٍ } قال مجاهد . وقتادة . والضحاك هو ما يسيل من أجساد أهل النار ، وقال محمد بن كعب . والربيع : ما يسيل من فروج الزناة والزواني ، وعن عكرمة هو الدم والقيح ؛ وأعربه الزمخشري عطف بيان لماء . وفي إبهامه أولاً ثم بيانه من التهويل ما لا يخفى ، وجواز عطف البيان في النكرات مذهب الكوفيين . والفارسي ، والبصريون لا يرونه وعلى مذهبهم هو بدل من { مَاء } أن أعتبر جامداً أو نعت أن أعتبر فيه الاشتقاق من الصد أي المنع من الشرب كأن ذلك الماء لمزيد قبحه مانع عن شربه ، وفي «البحر » قيل : إنه بمعنى مصدود عنه أي لكراهته يصد عنه ، وإلى كونه نعتاً ذهب الحوفي وكذا ابن عطية قال : وذلك كما تقول : هذا خاتم حديد ، وإطلاق الماء على ذلك ليس بحقيقة وإنما أطلق عليه باعتبار أنه بدله ، وقال بعضهم : هو نعت على إسقاط مفيد التشبيه كما تقول مررت برجل أسد ، والتقدير مثل صديد وعلى هذا فإطلاق الماء عليه حقيقة ، وبالجملة تخيص السقي من هذا الماء بالذكر من بين عذابها يدل على أنه من أشد أنواعه .


[485]:- وقوله: أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقوم تميم والفلاة ورائيا عسى الكرب الذي أمسيت فـــيـــه يكون وراءه فرج قريب
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ} (16)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول عزّ ذكره:"من ورائه"، من أمام كل جَبار "جهنم"، يَرِدُونها.

و"وراء "في هذا الموضع، يعني أمام، كما يقال: "إن الموت مِنْ ورائك"، أي قُدّامك... وقوله: "وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ"، يقول: ويسقى من ماءٍ، ثم بيَّن ذلك الماء جل ثناؤه وما هو، فقال: هو "صديد"، ولذلك رد الصَّديد في إعرابه على الماء، لأنه بيَانٌ عنه... و "الصديد"، هو القَيْحُ والدم.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

يريد الكافر يأتيه العذاب فيما بين يديه من الزمان، وعلى ما خَلْفَه؛ أي لأجل ما سلف من الماضي من قبيح أفعاله، ويُسْقَى من النار ما يشربه جرعة بعد جرعة، فلصعوبته ومرارته لا يشربه مرةً واحدةً.

{وَيَأْتِيِهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ}. يرى العذابَ- من شدته -في كل عضو، وفي كل وقت، وفي كل مكان وليس ذلك الموت؛ لأنَّ أهلَ النار لا يموتون، ولكنه في الشدة كالموت.

ثم {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ}: وهو الخلود في النار، وهذا جزاء مَنْ اغترَّ بأيامٍ قلائل ساعدته المشيئةُ فيها، وانخدع فلم يشرع بما يليها...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

هذا وصف حاله وهو في الدنيا، لأنه مرصد لجهنم، فكأنها بين يديه وهو على شفيرها، أو وصف حاله في الآخرة حين يبعث ويوقف.

فإن قلت: علام عطف {ويسقى}؟ قلت: على محذوف تقديره: من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى من ماء صديد، كأنه أشد عذابها فخصص بالذكر مع قوله: {وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ}...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

«الوراء» هنا على بابه، أي هو ما يأتي بعد في الزمان، وذلك أن التقدير في هذه الحوادث بالأمام والوراء إنما هو بالزمان، وما تقدم فهو أمام وهو بين اليد...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

ثم قال: {ومن ورآئه جهنم} أي ومن بعد الخيبة يدخل جهنم...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

أي: من وراء الجبار العنيد جهنم، أي: هي له بالمرصاد، يسكنها مخلدا يوم المعاد، ويعرض عليها غدوا وعشيا إلى يوم التناد.

{وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ} أي: في النار ليس له شراب إلا من حميم أو غساق، فهذا في غاية الحرارة، وهذا في غاية البرد والنتن، كما قال: {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ}...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ثم أتبعه ما هو كالدليل على خيبته من أن سيره إلى ما أمامه من العذاب، فهو واقع فيه لا محالة وهو لا يشعر، وعبر عن غفلته عنه بقوله: {من ورائه جهنم} أي لا بد أنه يتبوأها...

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

{من ورائه جهنم} جملة في محل جر صفة ل {جبار} كناية عن تطلبها له وترصدها إياه، ومن تطلب شيئا وترصده أدركه لا محالة...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

قوله: {من ورائه جهنم} صفة ل {جبار عنيد}، أي خاب الجبّار العنيد في الدنيا وليس ذلك حظه من العقاب بل وراءه عقاب الآخرة.

والوراء: مستعمل في معنى ما ينتظره ويحل به من بعد، فاستعير لذلك بجامع الغفلة عن الحصول كالشيء الذي يكون من وراء المرء لا يشعر به لأنه لا يراه، كقوله تعالى: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً} [سورة الكهف: 79]، أي وهم غافلون عنه ولو ظفر بهم لافتك سفينتهم...

وأما إطلاق الوراء على معنى (من بَعْد) فاستعمال آخر قريب من هذا وليس عينه.

والمعنى: أن جهنم تنتظره، أي فهو صائر إليها بعد موته.

والصديد: المُهلة، أي مثل الماء يسيل من الدمل ونحوه، وجعل الصديد ماء على التشبيه البليغ في الإسقاء، لأن شأن الماء أن يُسْقى. والمعنى: ويسقى صديداً عوض الماء إن طلب الإسقاء، ولذلك جعل {صديد} عطفَ بيان ل {ماء}. وهذا من وجوه التشبيه البليغ.

وعطف جملة {يسقى} على جملة {من ورائه جهنم} لأن السقي من الصديد شيء زائد على نار جهنم.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

... مع أنّ كلمة «وراء» بمعنى «الخلف» في مقابل أمام، إلاّ أنّها في هذه الموارد تعني نتيجة وعاقبة العمل...