تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا} (23)

وقدمنا إلى ما عملوا : ونأتي إلى ما عملوه .

هباء منثورا : غبارا متفرقا لا قيمة له .

ويوم القيامة نأتي إلى ما عملوه من الخير فنحرِمُهم ثوابه ونجعلُه كالغبار المتطاير في الهواء ، لا قيمةَ له ولا وزن .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا} (23)

{ وَقَدِمْنَا } أي عمدنا وقصدنا كما روي عن ابن عباس وأخرجه ابن أبي شيبة . وعبد بن حميد . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن مجاهد { إلى مَا عَمِلُواْ } في الدنيا { مِنْ عَمَلٍ } فخيم كصلة رحم . وإغاثة ملهوف . وقرى ضعيف . ومن على أسير وغير ذلك من مكارمهم ومحاسنهم التي لو كانوا عملوها مع الإيمان لنالوا ثوابها ، والجار والمجرور بيان لما وصحة البيان ابعتبار التنكير كصحة الاستثناء في { إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً } [ الجاثية : 32 ] لكن التنكير ههنا للتفخيم كما أشرنا إليه .

وجوز أن يكون للتعميم ودفع ما يتوهم من العهد في الموصول أي عمدنا إلى كل عمل عملوه خال عن الإيمان ، ولعل الأول أنسب بقوله تعالى : { فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء } مثل هباء في الحقارة وعدم الجدوى ، وهو على ما أخرج عبد الرزاق . والفريابي . وابن أبي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه وهج الغبار يسطع ثم يذهب .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه الشرر الذي يطير من النار إذا اضطرمت ، وفي رواية أخرى عنه أنه الماء المهراق . وعن يعلى بن عبيد أنه الرماد .

وأخرج جماعة عن مجاهد . والحسن . وعكرمة . وأبي مالك . وعامر أنه شعاع الشمس في الكوة وكأنهم أرادوا ما يرى فيه من الغبار كما هو المشهور عند اللغويين ، قال الراغب : الهباء دقاق التراب وما أنبث في الهواء فلا يبدو إلا في أثناء ضوء الشمس في الكوة ويقال : هبا الغبار يهبو إذا ثار وسطع ، ووصف بقوله تعالى : { مَّنثُوراً } مبالغة في إلغاء أعمالهم فإن الهباء تراه منتظماً مع الضوء فإذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب فلم يكف أن شبه أعمالهم بالهباء حتى جعل متناثراً لا يمكن جمعه والانتفاع به أصلاً ، ومثل هذا الإرداف يسمى في «البديع » بالتتميم والإيغال ، ومنه قول الخنساء :

أغر أبلج تاتم الهداة به *** كأنه علم في رأسه نار

حيث لم يكفها أن جعلته علماً في الهداية حتى جعلته في رأسه نار ، وقيل : وصف بالمنثور أي المتفرق لما أن أغراضهم في أعمالهم متفرقة فيكون جعل أعمالهم هباء متفرقاً جزاءً من جنس العمل ، وجوز أن يكون مفعولاً بعد مفعول لجعل وهو مراد من قال : مفعولاً ثالثاً لها على معنى جعلناه جامعاً لحقارة الهباء والتناثر ، ونظير ذلك قوله تعالى : { كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } [ البقرة : 65 ] أي جامعين للمسخ والخسء ، وفيه خلاف ابن درستويه حيث لم يجوز أن يكون لكان خبران وقياس قوله : أن يمنع أن يكون لجعل مفعول ثالث ، ومع هذا الظاهر الوصفية ، وفي الكلام استعارة تمثيلية حيث مثلت حال هؤلاء الكفرة وحال أعمالهم التي عملوها في كفرهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقدم إلى أشيائهم وقصد إلى ما تحت أيديهم فأفسدها وجعلها شذر مذر ولم يترك لها من عين ولا أثر ، واللفظ المستعار وقع فيه استعمال قدم بمعنى عمد وقصد لاشتهاره فيه وإن كان مجازاً كما يشير إليه كلام الأساس ، ويسمى القصد الموصل إلى المقصد قدوماً لأنه مقدمته ، وتضمن التمثيل تشبيه أعمالهم المحبطة بالهباء المنثور بدون استعارة ، فلا إشكال على ما قيل ، والكلام في ذلك طويل فليطلب من محله .

وجعل بعضهم القدوم في حقه عز وجل عبارة عن حكمه ، وقيل : الكلام على حذف مضاف أي قدم ملائكتنا ، وأسند ذلك إليه عز وجل لأنه عن أمره سبحانه ، ونقل عن بعض السلف أنه لا يؤول في قوله تعالى : { وَجَاء رَبُّكَ } [ الفجر : 22 ] وقوله سبحانه : { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام } [ البقرة : 210 ] على ما هو عادتهم في الصفات المتشابهة ، وقياس ذلك عدم التأويل في الآية ، ولعله من هنا قيل : إن تأويل الزمخشري لها بناءً على معتقده من إنكار الصفات ، والقلب إلى التأويل فيها أميل .

وأنت إن لم تؤول القدوم فلا بد لك أن تؤول جعلها هباءً منثوراً بإظهار بطلانها بالكلية وإلغائها عن درجة الاعتبار بوجه من الوجوه ، ولا يأبى ذلك السلف .

ومن باب الإشارة :وقال ابن عطاء في قوله تعالى : { وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } [ الفرقان : 23 ] أطلعناهم على أعمالهم فطالعوها بعين الرضا فسقطوا من أعيننا بذلك وجعلنا أعمالهم هباءً منثوراً ، وهذه الآية وإن كانت في وصف الكفار لكن في الحديث أن في المؤمنين من يجعل عمله هباءً كما تضمنته ، فقد أخرج أبو نعيم في الحلية والخطيب في المتفق والمفترق عن سالم مولى أبي حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ليجاءن يوم القيامة بقوم معهم حسنات مثل جبال تهامة حتى إذا جىء بهم جعل الله تعالى أعمالهم هباءً ثم قذفهم في النار ، قال سالم : بأبي وأمي يا رسول الله حل لنا هؤلاء القوم قال : كانوا يصومون ويصلون ويأخذون هنئة من الليل ولكن كانوا إذا عرض عليهم شيء من الحرام وثبوا عليه فادحض الله تعالى أعمالهم »

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا} (23)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وقدمنا} يعني: وجئنا، ويقال: وعمدنا {إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا}، يعني: كالغبار الذي يسطع من حوافر الدواب.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره:"وَقَدِمْنَا": وعمدنا إلى ما عمل هؤلاء المجرمون "مِنْ عَمَلٍ"... وقوله: "فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورا "يقول: فجعلناه باطلاً، لأنهم لم يعملوه لله وإنما عملوه للشيطان. والهباء: هو الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من كوّة يحسبه الناظر غبارا، ليس بشيء تقبض عليه الأيدي ولا تمسه، ولا يرى ذلك في الظلّ.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه...

وقال آخرون: بل هو ما تسفيه الرياح من التراب، وتذروه من حطام الأشجار، ونحو ذلك...

وقال آخرون: هو الماء المُهراق.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قال بعضهم: الهباء المنثور، هو غبار الثياب. وقال بعضهم: هو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس، وهو الذي يسمى الذر...

أي لا شيء، والهباء هباء النار، أي رماد يكون على أعلى النار إذا خمدت، ويقال: هبت النار، تهبو هبوا إذا خمدت،.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

ليس ههنا قدوم ولا ما يشبه القدوم، ولكن مثلت حال هؤلاء وأعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم، وإغاثة ملهوف، وقرى ضيف، ومنّ على أسير، وغير ذلك من مكارمهم ومحاسنهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه، فقدم إلى أشيائهم، وقصد إلى ما تحت أيديهم فأفسدها ومزقها كل ممزق، ولم يترك لها أثراً ولا عثيراً، والهباء: ما يخرج من الكوّة مع ضوء الشمس شبيه الغبار. وفي أمثالهم: أقل من الهباء.

{مَّنثُوراً} صفة للهباء، شبهه بالهباء في قلته وحقارته عنده، وأنه لا ينتفع به، ثم بالمنثور منه، لأنك تراه منتظماً مع الضوء، فإذا حركته الريح رأيته قد تناثر وذهب كل مذهب. ونحوه قوله: {كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} [الفيل: 5] لم يكف أن شبههم بالعصف حتى جعله مؤوفاً بالأكال ولا أن شبه عملهم بالهباء حتى جعله متناثراً، أو مفعول ثالث لجعلناه جامعاً لحقارة الهباء والتناثر...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{وقدمنا} أي قصد حكمنا وإنفاذنا ونحو هذا من الألفاظ اللائقة، وقيل هو قدوم الملائكة أسنده إليه لأنه عن أمره.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}، وهذا يوم القيامة، حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من خير وشر، فأخبر أنه لا يتحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال -التي ظنوا أنها منجاة لهم- شيء؛ وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية، فهو باطل. فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معا، فتكون أبعد من القبول حينئذ؛ ولهذا قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان المريد لإبطال الشيء -لشدة كراهته له لا يقنع في إبطاله بغيره، بل يأتيه بنفسه فيبطله، عبر بقوله: {وقدمنا} أي بما لنا من العظمة الباهرة في ذلك اليوم الذي يرون فيه الملائكة سواء كان في الدنيا أو في الآخرة {إلى ما عملوا من عمل} أي من مكارم الأخلاق من الجود وصلة الرحم والحلم والنجدة في الخير وإغاثة الملهوف وغيره {فجعلناه} لكونه لم يؤسس على الإيمان، وإنما هو للهوى والشيطان- باطلاً لا نفع فيه، وهو معنى {هباء} وهو ما يرى في شعاع الشمس الداخل من الكوة مما يشبه الغبار، فهو أشبه شيء بالعدم لأنه لا نفع له أصلاً.

ولما كان الهباء يرى مع السكون منتظماً، فإذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب، فعظم دخوله في حيز العدم مع أنه محسوس، قال مبالغاً في وصف أعمالهم: {منثوراً} وهو صفة، وقيل: مفعول ثالث لجعل، أي جعلنا الأعمال جامعة لحقارة الهباء والتناثر.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هكذا في لحظة. والخيال يتبع حركة القدوم المجسمة المتخيلة -على طريقة القرآن في التجسيم والتخييل- وعملية الإثارة للأعمال، والتذرية في الهواء؛ فإذا كل ما عملوا في الدنيا من عمل صالح هباء. ذلك أنه لم يقم على الإيمان، الذي يصل القلب بالله، والذي يجعل العمل الصالح منهجا مرسوما وأصلا قاصدا، لا خبط عشواء، ولا نزوة طارئة، ولا حركة مبتورة لا قصد لها ولا غاية. فلا قيمة لعمل مفرد لا يتصل بمنهج، ولا فائدة لحركة مفردة ليست حلقة من سلسلة ذات هدف معلوم.

إن وجود الإنسان وحياته وعمله في نظرة الإسلام موصولة كلها بأصل هذا الكون، وبالناموس الذي يحكمه، والذي يصله كله بالله. بما فيه الإنسان وما يصدر عنه من نشاط. فإذا انفصل الإنسان بحياته عن المحور الرئيسي الذي يربطه ويربط الكون، فإنه يصبح لقي ضائعا لا وزن له ولا قيمة، ولا تقدير لعمله ولا حساب. بل لا وجود لهذا العمل ولا بقاء.

والإيمان هو الذي يصل الإنسان بربه؛ فيجعل لعمله قيمة ووزنا، ويجعل له مكانه في حساب هذا الكون وبنائه.

وهكذا تعدم أعمال أولئك المشركين. تعدم إعداما يصوره التعبير القرآني تلك الصورة الحسية المتخيلة:

(وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا)..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

كانوا في الجاهلية يعدّون الأعمال الصالحة مَجلبة لخير الدنيا لأنها ترضي الله تعالى فيجازيهم بنعم في الدنيا إذ كانوا لا يؤمنون بالبعث، وقد قالت خديجة للنبيء صلى الله عليه وسلم حين تحيّر في أمر ما بدأه من الوحي وقالَ لها: « لقد خشِيتُ على نفسي»، فقالت: « والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم وتَقري الضيف وتعين على نوائب الحق».

فالظاهر أن المشركين إذا سمعوا آيات الوعيد يقولون في أنفسهم: لئن كان البعث حقّاً لنجدنّ أعمالاً عملناها من البرّ تكون سبباً لنجاتنا، فعلم الله ما في نفوسهم فأخبر بأن أعمالهم تكون كالعدم يومئذٍ. والقدوم مستعمل في معنى العَمْد والإرادة، وأفعال المشي والمجيء تجيء في الاستعمال لمعاني القصد والعَزم والشروع مثل: قَام يفعل، وذَهب يقول، وأقبل، ونحوها. وأصل ذلك ناشئ عن تمثيل حال العامد إلى فعل باهتمام بحال من يَمشي إليه، فموقعه في الكلام أرشق من أن يقول: وعَمَدْنا أو أردنا إلى ما عملوا. و {مِن} في قوله: {من عمل} بيانية لإبهام {ما} وتنكير {عمل} للنوعية، والمراد به عمل الخير، أي إلى ما عملوه من جنس عمل الخير.

والهباء: كائنات جسمية دقيقة لا تُرى إلا في أشعة الشمس المنحصرة في كوّة ونحوها، تلوح كأنها سَابحة في الهواء وهي أدق من الغبار، أي فجعلناه كهباء منثور، وهو تشبيه لأعمالهم في عدم الانتفاع بها مع كونها موجودة بالهَباء في عدم إمساكه مع كونه موجوداً، وهذا تشبيه بليغ وهو هنا رشيق. ونظيره قوله تعالى: {وبُسّت الجبالُ بسّاً فكانت هباءً منبثاً} [الواقعة: 5، 6].

والمنثور: غير المنتظم، وهو وصف كاشِف لأن الهباء لا يكون إلاّ منثوراً، فذكر هذا الوصف للإشارة إلى ما في الهباء من الحقارة ومن التفرق.