بديع السماوات : خالقها ومنشؤها ، والبديع من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء .
هنا يواجه كذبهم واختلاقهم بالحقيقة الإلهية ويكشف لهم جهلهم وأوهامهم ، فيقول : إن الله هو الذي أنشأ السماوات والأرض على غير مثال سبق ، فكيف يكون له ولد ، كما يزعم هؤلاء ، مع أنه لم تكن له زوجة ، ولقد خلق جميع الأشياء بما فيها هؤلاء الذين اتخذوهم شركاء له ، فكيف يخلقهم ويشاركون في القدرة على الخلق ؟ إنه هو عالم بكل شيء يحصي عليهم ما يقولون وما يفعلون .
{ بَدِيعُ السموات والارض } أي مبدعهما «وموجدهما بغير آلة ولا مادة ولا زمان ولا مكان » قاله الراغب ، وهو كما يطلق على المبدع يطلق على المبدع اسم مفعول ، ومنه قيل : ركي بديع وكذلك البدع بكسر الباء يقال لهما . وقيل : هو من إضافة الصفة المشبهة إلى الفاعل للتخفيف بعد نصبه تشبيهاً لها باسم الفاعل كما هو المشهور أي بديع سمواته وأرضه من بدع إذا كان على نمط عجيب وشكل فائق وحسن رائق أو إلى الظرف كما في قولهم فلان ثَبْتُ الغَدَرِ أي ثبت في الغدر وهو بغين معجمة ودال وراء مهملتين المكان ذو الحجارة والشقوق ويقولون ذلك إذا كان الرجل ثبتاً في قتال أو كلام . والمراد من بديع في السموات والأرض أنه سبحانه عديم النظير فيهما . ومعنى ذلك على ما قال بعض المحققين أن إبداعه لهما لا نظير له لأنهما أعظم المخلوقات الظاهرة فلا يرد أنه لا يلزم من نفي النظير فيهما نفيه مطلقاً ، ولا حاجة إلى تكلف أنه خارج مخرج الرد على المشركين بحسب زعمهم أنه لا موجود خارج عنهما . واختار غير واحد التفسير الأول ، والمعنى عليه أنه تعالى مبدع لقطري العالم العلوي والسفلي بلا مادة فاعل على الإطلاق منزه عن الإنفعال بالكلية ، والوالد عنصر الولد منفعل بانتقال مادته عنه فكيف يمكن أن يكون له ولد ؟ . وقرىء { بَدِيعُ } بالنصب على المدح والجر على أنه بدل من الاسم الجليل أو من الضمير المجرور في { سبحانه } [ الأنعام : 100 ] على رأي من يجوزه ، وارتفاعه على القراءة المشهورة على ثلاثة أوجه كما قال أبو البقاء ، الأول : أنه خبر مبتدأ محذوف ، والثاني : أنه فاعل { تَعَالَى } [ الأنعام : 100 ] وإظهاره في موضع الإضمار لتعليل الحكم ، وتوسيط الظرف بينه وبين الفعل للاهتمام ببيانه .
والثالث : أنه مبتدأ خبره قوله سبحانه : { أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ } وهو على الأولين جملة مستقلة مسوقة كما قبلها لبيان استحالة ما نسبوه إليه تعالى وتقرير تنزيهه عنه جل شأنه . وقوله تعالى : { وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة } حال مؤكدة للاستحالة المذكورة ضرورة أن الولد لا يكون بلا والدة أصلاً وإن أمكن وجوده بلا والد أي من أين أو كيف يكون له ولد والحال أنه ليس له صاحبة يكون الولد منها . وقرأ إبراهيم النخعي { لَمْ يَكُنِ } بتذكير الفعل ؛ وجاز ذلك مع أن المرفوع مؤنث للفصل كما في قوله
: لقد ولد الأخيطل أم سوء *** على قمع استها صلب وشام
قال ابن جنى : تؤنث الأفعال لتأنيث فاعلها لأنهما يجريان مجرى كلمة واحدة لعدم استغناء كل عن صاحبه فإذا فصل جاز تذكيره وهو في باب كان أسهل لأنك لو حذفتها استقل ما بعدها .
وقيل : إن اسم { يَكُنِ } ضميره تعالى والخبر هو الظرف و { صاحبة } مرتفع به على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ والظرف خبره مقدم و { صاحبة } مبتدأ والجملة خبر { يَكُونَ } وعلى هذا يجوز أن يكون الاسم ضمير الشأن لصلاحية الجملة حينئذ لأن تكون مفسرة للضمير لا على الأول لأنه كما بين في موضعه لا يفسر إلا بجملة صريحة ، والاعتراض بأنه إذا كان العمدة في المفسرة مؤنثاً فالمقدر ضمير القصة لا الشأن فيعود السؤال ليس بوارد كعدم اللزوم وإن توهمه بعضهم .
وقوله تعالى : { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } استئناف لتحقيق ما ذكر من الاستحالة أو حال أخرى مقررة لها أي أنَّى يكون له ولد والحال أنه خلق كل شيء من الموجودات التي من جملتها ما سموه ولداً فكيف يتصور أن يكون المخلوق ولداً لخالقه . ويفهم من «التفسير الكبير » أن من زعم أن لله تعالى شأنه ولداً إن أراد أنه سبحانه أحدثه على سبيل الإبداع من غير تقدم نطفة مثلاً رد بأن خلقه للسموات والأرض كذلك فيلزم كونهما ولداً له تعالى وهو باطل بالاتفاق ، وإن أراد ما هو المعروف من الولادة في الحيوانات رد أولاً بأنه لا صاحبة له وهي أمر لازم في المعروف . وثانياً بأن تحصيل الولد بذلك الطريق إنما يصح في حق من لا يكون قادراً على الخلق والإيجاد والتكوين دفعة واحدة أما من كان خالقاً لكل الممكنات وكان قادراً على كل المحدثات فإذا أراد شيئاً قال له كن فيكون فيمتنع منه إحداث شخص بطريق الولادة . وإن أراد مفهوماً ثالثاً فهو غير متصور .
{ وَهُوَ بِكُلّ شَىْء } من شأنه أن يعلم كائناً ما كان مخلوقاً أو غير مخلوق كما ينبىء عنه ترك الإضمار إلى الإظهار { عَلِيمٌ } مبالغ في العلم أزلا وأبداً حسبما يعرب عنه العدول إلى الجملة الإسمية ، وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون الولد قديماً أو محدثاً لا جائز أن يكون قديماً لأن القديم يجب كونه واجب الوجود لذاته وما كان كذلك كان غنياً عن غيره فامتنع كونه ولداً للغير فتعين كونه حادثاً ، ولا شك أنه تعالى عالم بكل شيء فإما أن يعلم أن له في تحصيل الولد كمالاً أو نفعاً أو يعلم أنه ليس كذلك ، فإن كان الأول فلا وقت يفرض إلا والداعي إلى إيجاد هذا الولد كان حاصلاً قبله وهو يوجب كونه أزلياً وهو محال وإن كان الثاني وجب أن لا يحدث ألبتة في وقت من الأوقات . وقرر الإمام عليه الرحمة الرد بهذه الجملة بوجه آخر أيضاً ، وبعضهم جعل هذه الجملة مع ما قبلها متضمنة لوجه واحد من أوجه الرد ، والجملة إما حالية أو مستأنفة ، واقتصر بعضهم على الثاني فقال : إنها استئناف مقرر لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعة ببطلان مقالتهم الشنعاء التي اجترءوا عليها بغير علم . والظاهر من هذا أن ما في الآية أدلة قطعية على بطلان ما زعمه المختلقون ، وكلام الإمام حيث قال بعد تقرير الوجوه . «لو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يذكروا في هذه المسألة كلاماً يساويه أي ما دلت عليه الآية في القوة والكمال لعجزوا عنه » . وادعى الشهاب أن ما يفهم من ذلك أدلة اقناعية ، ولعل الأولى القول بأن البعض قطعي والبعض الآخر إقناعي فتدبر .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: الله الذي جعل هؤلاء الكفرة به له الجنّ شركاء وخرقوا له بنين وبنات بغير علم، "بَدِيعُ السّمَواتِ والأَرْضِ "يعني: مبتدعها ومحدثها وموجدها بعد أن لم تكن...
"أنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلمْ تَكُنْ لَهْ صَاحِبَةٌ" والولد إنما يكون من الذكر والأنثى، ولا ينبغي أن يكون لله سبحانه صاحبة فيكون له ولد، وذلك أنه هو الذي خلق كل شيء. يقول: فإذا كان لا شيء إلاّ الله خلقه، فأنى يكون لله ولد ولم تكن له صاحبة فيكون له منها ولد.
"وَخَلقَ كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" يقول تعالى ذكره: والله خلق كلّ شيء ولا خالق سواه، وكلّ ما تدّعون أيها العادلون بالله الأوثان من دونه خلقه وعبيده، ملكاً كان الذي تدعونه ربّا وتزعمون أنه له ولد أو جنيّا أو إنسيّا.
"وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" يقول: والله الذي خلق كلّ شيء، لا يخفى عليه ما خلق ولا شيء منه، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء، عالم بعددكم وأعمالكم وأعمال من دعوتموه ربّا أو لله ولداً، وهو محصيها عليكم وعليهم حتى يجازي كلاّ بعمله.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{بديع السموات والأرض} أي أنشأهما بلا احتداء/ 157-أ/ ولا امتثال بغير... والإبداع هو إحداث شيء، لم يسبق له أصل ولا مثال. ولهذا ما يقال لمن أحدث في دينه شيئا: مبتدع لأنه أحدث فيه شيئا لم يسبق له أصل ولا مثال. وقوله تعالى: {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد} يحتمل وجهين: أحدهما: أن من قدر على إبداع السماوات والأرض لا عن أصل سبق ولا عن مثال تقدم فأنى تقع له الحاجة إلى الولد؟ والولد في الشاهد إنما يتخذ لإحدى خصال ثلاث: إما للانتصار على الأعداء والانتقام منهم، وإما لوحشه تأخذهم، وأما لحاجة تمسهم. فالله، سبحانه، يتعالى عن ذلك كله، فأنى يتخذ ولدا؟ والثاني: {أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة} أي تعرفون أن الولد لا يكون في الشاهد إلا عن صاحبة، وليست له صاحبة، فأنى يكون له ولد؟.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{بَدِيعُ السماوات} من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، كقولك: فلان بديع الشعر أي بديع شعره أو هو بديع في السموات والأرض... والمعنى أنه عديم النظير والمثل فيها. وقيل: البديع بمعنى: المبدع... {أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ}... وفيه إبطال الولد من ثلاثة أوجه، أحدها: مبدع السموات والأرض وهي أجسام عظيمة لا يستقيم أن يوصف بالولادة لأن الولادة من صفات الأجسام ومخترع الأجسام لا يكون جسماً حتى يكون والداً.
والثاني: أن الولادة لا تكون إلا بين زوجين من جنس واحد وهو متعال عن مجانس، فلم يصحّ أن تكون له صاحبة، فلم تصحّ الولادة. والثالث: أنه ما من شيء إلا وهو خالقه والعالم به، ومن كان بهذه الصفة كان غنياً عن كل شيء، والولد إنما يطلبه المحتاج.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{بديع السماوات والأرض} هذا بيان لما قبله من معنى تسبيح الباري وتعاليه عما يصفه به المشركون.
البَدع (بالفتح): الإنشاء والإيجاد المبتدأ، والبِدع (بالكسر) والبديع الشيء الذي يكون أولا كما قال في اللسان، ومنه البدعة في الدين... وقال الراغب: الإبداع: إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء...وإذا استعمل في الله تعالى فهو: إيجاد الشيء بغير آلة ولا مادة ولا زمان ولا مكان وليس ذلك إلا لله.
وقال صاحب اللسان: والبديع المحدث العجيب، والبديع المبدع، وأبدعت الشيء اخترعته لا على مثال، والبديع من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها، وهو البديع الأول قبل كل شيء ويجوز أن يكون بمعنى مبدع أو يكون من بدع الخلق أي بدأه والله تعالى كما قال سبحانه: {بديع السموات والأرض} أي خالقهما ومبدعهما فهو سبحانه الخالق المخترع لا عن مثال سابق.اه...
والمعنى على اختلاف التقدير – أن الله هو الذي بدع السموات والأرض؛ أو البديع سمواته وأرضه بما كان من إبداعه واختراعه لهما، أو البديع فيهما بمعنى أنه لا شبه له ولا نظير فيهما، وإذا كان هو المبدع للسموات والأرض ولم يوصفا بكونهما من ولده فكذلك الملائكة، وأولى بهذا وأجدر أن يكون خلقه للمسيح من أم بغير أب غير مسوغ لجعله ولدا له، إذ قصارى ذلك أن يكون إبداعا ما، والإبداع التام هو إيجاد ما لم يسبق له نظير في ذاته ولا في وصفه ولا في سببه – إن كان له سبب – ليس ولادة، وأثر هذا الإبداع وهو المبدع لا يسمى ولدا، إذ الولادة ما كان ناشئا عن ازدواج بين ذكر وأنثى من جنس واحد وليس له تعالى جنس فيكون له منه زوج ولذلك قال:
{أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة} أي كيف يكون له – وهو المبدع لكل شيء – ولد، والحال أنه لم يكن له زوج ينشأ الولد من ازدواجه بها ولا معنى للولد إلا ما كان كذلك، وإنما صدور جميع الكائنات السماوية والأرضية عنه صدور إيجاد إبداعي للأصول الأوالي، وإيجاد سببي كالتوالد بينها بحسب سننه في التوالي، ولذلك قال: {وخلق كل شيء} خلقا ولم يلده ولادة فما خرقتم له من الولد مخلوق له لا مولود، فإن خرجتم عن وضع اللغات وسميتم صدور المخلوقات عنه ولادة فكل ما في السموات والأرض يكون من ولده وحينئذ يفوتكم ما أردتم من تخصيص بعض المخلوقات بهذه المرتبة تفضيلا لها على غيرها، ولا يقول أحد منهم بهذا. وهذه الجملة استئنافية مقررة لإنكار نفي الولد، أو حال بعد حال، واستدلال بعد استدلال، ومثلها قوله:
{وهو بكل شيء عليم} وبيانه: أن علمه بكل شيء ذاتي له، ولا يعلم كل شيء إلا الخالق لكل شيء «ألا يعلم من خلق.» ولو كان له ولد لكان هو أعلم به ولهدى العقول إليه بآيات الوحي ودلائل العلم، ولكنه كذب الذين خرقوه به بغير علم، بالوحي المؤيد بدلائل العقل...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
إن الذي يبدع هذا الوجود إبداعا من العدم ما تكون حاجته إلى الخلف!؟ والخلف إنما هو امتداد الفانين، وعون الضعفاء، ولذة من لا يبدعون! ثم هم يعرفون قاعدة التكاثر.. أن يكون للكائن صاحبة أنثى من جنسه.. فكيف يكون لله ولد -وليست له صاحبة- وهو -سبحانه- مفرد أحد، ليس كمثله شيء. فأنى يكون النسل بلا تزاوج؟! وهي حقيقة، ولكنها تواجه مستواهم التصوري؛ وتخاطبهم بالأمثلة القريبة من حياتهم ومشاهداتهم! ويتكئ السياق -في مواجهتهم- على حقيقة "الخلق "لنفي كل ظل للشرك. فالمخلوق لا يكون أبدا شريكا للخالق. وحقيقة الخالق غير حقيقة المخلوق: كما يواجههم بعلم الله المطلق الذي لا تقابله منهم إلا أوهام وظنون: (وخلق كل شيء).. (وهو بكل شيء عليم)..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
هذا شروع في الإخبار بعظيم قدرة الله تعالى، وهي تفيد مع ذلك تقوية التّنزيه في قوله: {سبحانه وتعالى عمّا يصفون} [الأنعام: 100] فتتنزّل منزلة التَعليل لمضمون ذلك التّنزيه بمضمونها أيضاً، وبهذا الوجه رَجَح فصلُها على عطفها فإنّ ما يصفونه هو قولهم: إنّ له ولداً وبنات، لأنّ ذلك التّنزيه يتضمّن نفي الشيء المنزّه عنه وإبطاله، فعُلّل الإبطال بأنّه خالقُ أعظم المخلوقات دلالة على القدرة فإذا كنتم تدّعون بنوّة الجنّ والملائكة لأجل عظمتها في المخلوقات وأنتم لا ترون الجنّ ولا الملائكة فلماذا لم تدّعوا البنوّة للسماوات والأرض المشاهدة لكم وأنتم ترونها وترون عظمها. فهذا الإبطال بمنزلة النّقض في علم الجدل والمناظرة.
وقوله: {بديع} خبر لمبتدأ ملتزم الحذف في مثله، وهو من حذف المسند إليه الجاري على متابعة الاستعمال عندما يتقدّم الحديث عن شيء ثمّ يعقّب بخبر عنه مفردٍ، كما تقدّم في مواضع. وتقدّم الكلام على {بديع السّماوات والأرض} عند قوله تعالى: {بل له ما في السّماوات والأرض كلّ له قانتون بديع السّماوات والأرض} في سورة [البقرة (116، 117].
والاستدلال على انتفاء البنوة عن الله تعالى بإبدَاع السّماوات والأرض لأنّ خلْق المحلّ يقتضي خلق الحالّ فيه، فالمشركون يقولون بأنّ الملائكة في السّماء وأنّ الجنّ في الأرض والفيافي، فيلزمهم حدوث الملائكة والجنّ وإلاّ لَوُجد الحالّ قبل وجود المحلّ، وإذا ثبت الحدوث ثبت انتفاء البنوّة لله تعالى، لأنّ ابن الإله لا يكون إلاّ إلهاً فيلزم قِدمه، كيف وقد ثبت حدوثه، ولذلك عقّب قولهم {اتّخذ الله ولداً} [البقرة: 116] بقوله: {سبحانه بل له ما في السّماوات والأرض كلّ له قَانِتُون} في سورة [البقرة: 116]. وقد أشرنا إلى ذلك عند قوله تعالى: {الحمد لله الَّذي خلق السّماوات والأرض} في أوّل هذه السّورة [1].
وجملة {أنَّى يكون له ولد} تتنزّل منزلة التّعليل لمضمون التنزيه مِن الإبطال، وإنّما لم تعطف على الّتي قبلها لاختلاف طريق الإبطال لأنّ الجملة الأولى أبطلتْ دعواهم من جهة فساد الشّبهة فكانت بمنزلة النقْض في المناظرة. وهذه الجملة أبطلت الدّعوى من جهة إبطال الحقيقة فكأنّها من جهة خطأ الدّليل، لأنّ قولهم بأنّ الملائكة بنات الله والجنّ أبناءُ الله يتضمّن دليلاً محذوفاً على البنوّة وهو أنّهم مخلوقات شريفة، فأبطل ذلك بالاستدلال بما ينافي الدّعوى وهو انتفاء الزّوجة الّتي هي أصل الولادة، فهذا الإبطال الثّاني بمنزلة المعارضة في المناظرة. و {أنّى} بمعنى من أيْن وبمعنى كَيْف.
والواو في {ولم تكن له صاحبة} واو الحال لأنّ هذا معلوم للمخاطبين فلذلك جيء به في صيغة الحال.
والصّاحبة: الزّوجة لأنّها تصاحب الزّوج في معظم أحْواله. وقد جعل انتفاء الزّوجة مسلّماً لأنّهم لم يدعوه فلزمهم انتفاء الولد لانتفاء شرط التولّد، وهذا مبنيّ على المحاجّة العرفيّة بناء على ما هو المعلوم في حقيقة الولادة.
وقوله: {وخلَقَ كلّ شيء} عطف على جملة: {بديع السّماوات والأرض} باعتبار ظاهرها وهو التّوصيف بصفات العظمة والقدرة، فبعد أن أخبر بأنّه تعالى مبدع السّماوات والأرض أخبر أنّه خالق كلّ شيء، أي كلّ موجود فيشمل ذوات السّماوات والأرض، وشمل ما فيهما، والملائكة من جملة ما تحويه السّماوات، والجنّ من جملة ما تحويه الأرض عندهم، فهو خالق هذين الجنسين، والخالق لا يكون أبا كما علمتَ. ففي هذه الجملة إبطال والولَد أيضاً، وهذا إبطال ثالث بطريق الكليّة بعد أن أبطل إبطالاً جزئياً، والمعنى أنّ الموجودات كلّها متساوية في وصف المخلوقيّة، ولو كان له أولاد لكانوا غير مخلوقين.
وجملة: {وهو بكلّ شيء عليم} تذييل لإتمام تعليم المخاطبين بعض صفات الكمال الثّابتة لله تعالى، فهي جملة معطوفة على جملة: {وخلق كلّ شيء} باعتبار ما فيها من التوّصيف لا باعتبار الردّ. ولكون هذه الجملة الأخيرة بمنزلة التّذييل عدل فيها عن الإضمار إلى الإظهار في قوله: {بكلّ شيء} دون أن يقول « به» لأنّ التّذييلات يقصد فيها أن تكون مستقلّة الدّلالة بنفسها لأنّها تشبه الأمثال في كونها كلاماً جامعاً لمعان كثيرة.