النجوم : جمع نجم وهي الأجرام السماوية التي نرى كثيرا منها بالعين المجردة .
الطلمات : المراد بالظلمات ظلمة الليل ، في أسفارنا برا وبحرا .
إن الله هو الذي خلق لكم النجوم أيها الناس ، تستدلّون بها على الطريق فتسلكونها وتنجون من الأخطار في البر والبحر . فالله سبحانه وتعالى يذكّرنا ببعض فضله علينا في تسخير هذه النيرات التي نراها صغيرة ، لبعدها عنا ، بعد أن سبق وذكَرنا ببعض فضله في الشمس والقمر اللّذين يبدوان كبيرين في أعين الناس لقربهما .
وأقرب كوكب منا هو القمر ، يبعد عن الأرض بنحو مائتين وأربعين ألف ميل ، وهو يدور حول الأرض ويكمل دورته في تسعة وعشرين يوما ونصف يوم . وتبعد أرضنا عن الشمس ثلاثة وتسعين مليون ميل ، وهي تدور حول محورها بسرعة ألف ميل في الساعة ، وتدور حول الشمس في دائرة مساحتها مائة وتسعون مليون ميل ، وتستكمل دورتها في هذه الدائرة مرة واحد في سنة كاملة . وتوجد تسعة كواكب مع الأرض هي : عطارد والزهرة والمّريخ وزحَل والمشتري واورانوس ونبتون وبلوتو ، وكلها تدور حول الشمس بسرعة فائقة ، وبعضها يكمل دورة كاملة في ثمانية وثمانين يوماً وهو عطارد ، أقرب الكواكب إلى الشمس ؛ وبعضها يكمل دورة كاملة في مدة مائتين وثمان وأربعين سنة وهو بلوتو ، أبعد الكواكب من الشمس . وهو يدور في دائرة مساحتُها سبعةُ بلايين وخمسمائة مليون ميل . وحول هذه الكواكب يدور واحد وثلاثون قمراً أخرى . وتوجد غير هذه الكواكب حلقة من ثلاثين ألفا من «النجيمات » وآلاف المذنبات ، وشهب لا حصر لها وكلها تدور حول ذلك السيّار العملاق الذي نسميه الشمس ، التي يبلغ قطرها : ثمانمائة وخمسة وستين ألف ميل . وهي أكبر من الأرض بمليون وربع مليون مرة .
ولا تشكّل هذه الشمس وما حولها من الكواكب المذكورة ، والأقمار ، والنجيمات ، والشهب التي تشغل هذا المجال الواسع ، ذرةً صغيرة في هذا الكون الواسع الذي لا يدركه عقل ولا بصر . ثم إن هذه الشمس ليست بثابتة أو واقفة في مكان ما ، وإنما هي بدورها ، ومع كل هذه الأجرام التي ذكرناها- تدور في النظام الرائع البديع بسرعة 600 ، 000 ألف ميل في الساعة وفي هذا الكون الفسيح العجيب آلاف الأنظمة غير نظامنا الشمسي يتكون منها ذلكم النظام الذي نسمّيه «المجرّات » أو مجاميع النجوم ، وكأنها جميعها طبق عظيم تدور عليه النجوم والكواكب منفردة ومجتمعة ، كما يدور الخذروف «البلبل » حين يلعب الأطفال .
ومجرّات النجوم هذه تتحرك بدورها أيضا ، فالجرّة التي يقع فيها نظامنا الشمسي تدور حول محورها بحيث تكمل دورةً واحدة كل مائتي بليون سنة ضوئية 200 ، 000 ، 000 ، 000 وهذا شيء مذهل ومحيِّر لا تتصوره العقول .
ويقدّر علماء الفلك أن هذا الكون يتألف من خمسمائة مليون من المجرات ، في كل منها «مائة مليار » من النجوم ، أو أكثر أو أقل .
ويقدّرون أن أقرب مجموعة من النجوم ، وهي التي نراها في الليل كخيوط بيضاء دقيقة والتي نسميها درب التبّانة ، تضم حَيّزاً مداه ألف سنة ضوئية . وسرعة الضوء 300 ، 000 ألف كيلو متر في الثانية . وبمعرفة هذه الحقيقة يتبين لنا اتساع السنة الضوئية ومقدار زمنها ، وكم تكون مسافة ألف سنة ضوئية . إنها شيء مذهل حقا ، فوق تفكير البشر وطاقته .
ونبعد نحن سكان الأرض عن مركز هذه المجموعة بمقدار ثلاثين ألف سنة ضوئية ، وهذه المجموعة جزء من مجموعة كبيرة تتألف من سبع عشرة مجرة . وقطرة هذه المجموعة الكبيرة ( ذات السبع عشرة ) مليونان من السنين الضوئية .
والحديث في هذا الموضوع طويل جدا ، ومحيّر ومذهل . وحين ينظر العقل إلى هذا النظام العجيب ، والتنظيم الدقيق الغريب المدهش لا يلبث أن يحكم باستحالة أن يكون هذا كله قائما بنفسه ، بل إن هنالك طاقة غير عادية هي التي تقيم هذا النظام العظيم ، وتهيمن عليه .
ولما في عالم السماوات وهذا الكون الذي بينا لمحة موجزة عنه- من بديع الصنع والنظام- ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله :
{ قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } .
أي : أنّا قد بينّا دلائل رحمتنا وقدرتنا لقوم ينتفعون بالعلم . فهو يوجّهنا إلى هذا الكون ، وما فيه من حقائق مذهلة ، تدفعنا إلى التدبر والتذكّر . اللهم اجعلنا ممن ينتفعون بالعلم والمعرفة ، وثّبت قلوبنا بالإيمان الصادق .
وبعد أن بيّن لنا تعالى بعض آياته في هذا الكون العجيب ليذكّرنا بذلك ، وينبّه الناس من غفلتهم ، عطف الحديث ليذكّرنا بآياته العجيبة في أنفسنا . ذلك لأن الإنسان هو أعظم شيء في الوجود .
{ وَهُوَ الذى جَعَلَ } أي أنشأ أو صير { لَكُمْ } أي لأجلكم { النجوم } قيل : المراد بها ما عدا النيرين لأنها التي بها الإهتداء الآتي ولأن النجم يخص في العرف بما عداهما . وجوز أن يدخلا فيها فيكون هذا بياناً لفائدتهما العامة إثر بيان فائدتهما الخاصة ، والمنجمون يقسمون النجوم إلى ثوابت وسيارات والسيارات سبع باجماع المتقدمين وثمان بزيادة هرشل عند المنجمين اليوم . والثوابت لايعلم عدتها إلا الله تعالى . والمرصود كما قال عبد الرحمن الصوفي : ألف وخمسة وعشرون بإدخال الضفيرة . ومن أخرجها قال : هي ألف واثنان وعشرون ، ورتبوا الثوابت على ست أقدار وسموها أقداراً متزائدة سدساً سدساً ، وجعلوا كل قدر على ثلاث مراتب : أعظم وأوسط وأصغر ؛ ولهم تقسيمات لها باعتبارات أخر بنوا عليها ما بنوا ولا يكاد يسلم لهم إلا ما لم يلزم منه محذور في الدين .
{ لِتَهْتَدُواْ بِهَا } بدل من ضمير { لَكُمْ } بإعادة العامل بدل اشتمال كأنه قيل : جعل النجوم لاهتدائكم { فِى ظلمات البر والبحر } أي في ظلمات الليل في البر والبحر ، وإضافتها إليهما للملابسة أو في مشتبهات الطرق وسماها ظلمات على الاستعارة ، وهذا إفراد لبعض منافعها بالذكر حسبما يقتضيه المقام وإلا فهي أجدى من تفاريق العصا ، وهي في جميع ما يترتب عليها كسائر الأسباب العادية لا تأثير لها بأنفسها ولا بأس في تعلم علم النجوم ومعرفة البروج والمنازل والأوضاع ونحو ذلك مما يتوصل به إلى مصلحة دينية .
قال العلامة ابن حجر عليه الرحمة : والمنهي عنه من علم النجوم ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان كمجيء المطر ووقوع الثلج وهبوب الريح وتغير الأسعار ونحو ذلك يزعمون أنهم يدركون ذلك بسير الكواكب لاقترانها وافتراقها ، وهذا علم استأثر الله تعالى به لا يعلمه أحد غيره فمن ادعى علمه بذلك فهو فاسق بل ربما يؤدي به إلى الكفر ، فأما من يقول : إن الاقتران أو الافتراق الذي هو كذا جعله الله تعالى علامة بمقتضى ما اطردت به عادته الإلهية على وقوع كذا وقد يتخلف فلا إثم عليه بذلك ، وكذا الإخبار عما يدرك بطريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعلم به الزوال وجهة القبلة وكم مضى وكم بقي من الوقت فإنه لا إثم فيه بل هو فرض كفاية ، وأما ما في حديث «الصحيحين » عن زيد بن خالد الجهني قال : " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح في أثر ماء أي مطر كان من الليل فلما انصرف أقبل علينا فقال : أتدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم قال : أصبح من عبادي مؤمن وكافر فأما من قال : مطرنا بفضل الله تعالى فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب ومن قال : مطرنا بنوء كذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب " .
فقد قال العلماء : إنه محمول على ما إذا قال ذلك مريداً أن النوء هو المحدث أما لو قال ذلك على معنى أن النوء علامة على نزول المطر ومنزله هو الله تعالى وحده فلا يكفر لكن يكره له قول ذلك لأنه من ألفاظ الكفر انتهى .
وأقول : قد كثرت الأخبار في النهي عن علم النجوم والنظر فيها ، فقد أخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد " وأخرج الخطيب عن ميمون بن مهران قال : " قلت لابن عباس رضي الله تعالى عنهما أوصني قال أوصيك بتقوى الله تعالى وإياك وعلم النجوم فإنه يدعو إلى الكهانة " . وأخرج عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم وعن أبي هريرة وعائشة رضي الله تعالى عنهما نحوه . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن متعلم حروف أبي جادوراء في النجوم ليس له عند الله تعالى خلاق يوم القيامة " . وأخرج هو والخطيب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا " إلى غير ذلك من الأخبار ، ولعل ما تفيده من النهي عن التعلم من باب سد الذرائع لأن ذلك العلم ربما يجر إلى محظور شرعاً كما يشير إليه خبر ابن مهران . وكذا النهي عن النظر فيها محمول على النظر الذي كان تفعله الكهنة الزاعمون تأثير الكواكب بأنفسها والحاكمون بقطعية ما تدل عليه بتثليثها وتربيعها واقترانها ومقابلتها مثلاً من الأحكام بحيث لا تتخلف قطعاً على أن الوقوف على جميع ما أودع الله تعالى في كل كوكب مما يمتنع لغير علام الغيوب . والوقوف على البعض أو الكل في البعض لا يجدي نفعاً ولا يفيد إلا ظناً المتمسك به كالمتمسك بحبال القمر والقابض عليه كالقابض على شعاع الشمس . نعم إن بعض الحوادث في عالم الكون والفساد قد جرت عادة الله تعالى بإحداثه في الغالب عند طلوع كوكب أو غروبه أو مقارنته لكوكب آخر وفيما يشاهد عند غيبوبة الثريا وطلوعها وطلوع سهيل شاهد لما ذكرنا . ولا يبعد أن يكون ذلك من الأسباب العادية وهي قد تتخلف مسبباتها عنها سواء قلنا : إن التأثير عندها كما هو المشهور عن الأشاعرة أم قلنا : إنها المؤثرة بإذن الله تعالى كما هو المنصور عند السلف ، ويشير إليه كلام حجة الإسلام الغزالي في العلة .
فمتى أخبر المجرب عن شيء من ذلك على هذا الوجه لم يكن عليه بأس .
وما أخرجه الخطيب عن عكرمة أنه سأل رجلاً عن حساب النجوم وجعل الرجل يتحرج أن يخبره فقال عكرمة : سمعت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول : علم عجز الناس عنه وددت أني علمته . وما أخرجه الزبير بن بكار عن عبد الله بن حفص قال : خصت العرب بخصال بالكهانة والقيافة والعيافة والنجوم والحساب فهدم الإسلام الكهانة وثبت الباقي بعد ذلك ، وقول الحسن بن صالح : سمعت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في النجوم : ذلك علم ضيعه الناس فلعل ذلك إن صح محمول على نحو ما قلنا . وبعد هذا كله أقول : هو علم لا ينفع والجهل به لا يضر فما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن .
{ قَدْ فَصَّلْنَا الآيات } أي بينا الآيات المتلوة المذكرة لنعمه سبحانه التي هذه النعمة من جملتها أو الآيات التكوينية الدالة على شؤونه تعالى فصلاً فصلاً { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } معاني الآيات المذكورة فيعملون بموجبها أو يتفكرون في الآيات التكوينية فيعلمون حقيقة الحال ، وتخصيص التفصيل بهم مع عمومه للكل لأنهم المنتفعون به .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَهُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ النجوم } أي المرشدين أو نجوم الحواس { لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِى ظلمات البر } وهو علم الآداب
{ والبحر } [ الأنعام : 97 ] وهو علم الحقائق أو المعنى لتهتدوا بها في ظلمات بر الأجساد إلى مصالح المعاش وبحر العلوم باكتسابها بها
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: والله الذي جعل لكم أيها الناس النجوم أدلة في البرّ والبحر إذا ضللتم الطريق، أو تحيرتم فلم تهتدوا فيها ليلا تستدلون بها على المحجة، فتهتدون بها إلى الطريق والمحجة فتسلكونه، وتنجون بها من ظلمات ذلك، كما قال جلّ ثناؤه:"وَعَلاماتٍ وَبالنّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ": أي من ضلال الطريق في البرّ والبحر، وعنى بالظلمات: ظلمة الليل، وظلمة الخطأ والضلال، وظلمة الأرض أو الماء. وقوله: "قَدْ فَصّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ "يقول: قد ميزنا الأدلة وفرّقنا الحجج فيكم وبيّنّاها أيها لناس ليتدبرها أولو العلم بالله منكم ويفهمها أولو الحجاج منكم، فينيبوا من جهلهم الذي هم عليه مقيمون، وينزجروا عن خطأ فعلهم الذي هم عليه ثابتون، ولا يتمادوا عناداً للّه -مع علمهم بأن ما هم عليه مقيمون خطأ- في غيهم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
يذكر في قوله تعالى: {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} عظيم ما أنعم عليهم بما جعل لهم في السماء نجوما ليهتدوا بها للطرق والمسالك في البحار والبراري عند اشتباهها عليهم. وفيه دليل وحدانية الرب وتدبيره وحكمته لأنه جعل في السماء أدلة يهتدون بها، ويستدلون على معرفة الطرق مع بعد ما بينهما من المسافة، وتسوية أسباب الأرض بأسباب السماء، وتعلق منافع بعضها ببعض ليعلموا أنه كان بواحد مدبر عليم حكيم؛ إذ لو كان بعدد أو بمن لا تدبير له ولا حكمة لا يحتمل ذلك، ولم يتسق ما ذكرنا. دل أنه بالواحد العليم الحكيم مع علمهم أن الأصنام التي يعبدونها، ويشركونها في عبادته لا تقدر على ذلك، لكنهم يعبدونها، ويشركونها في ألوهيته سفها منهم وعنادا، وبالله العصمة والتوفيق... {قد فصلنا الآيات} قيل: صرفنا الآيات أي صرفنا كل آية إلى موضعها الذي يكون لهم دليلا عند الحاجة إليها.
وقيل: {قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} أي لقوم ينتفعون بعلمهم؛ فإذا انتفعوا بها صارت الآيات لهم لأن من انتفع بشيء يصير ذلك له. لذلك ذكر {لقوم يعلمون} لأنهم إذا [لم ينتفعوا بها] لم تصر الآيات لهم.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
وليس في قوله أنه خلقها ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ما يدل على أنه لم يخلقها لغير ذلك. قال البلخي: بل يشهد أنه خلقها لأمور جليلة عظيمة. ومن فكر في صغر الصغير منها وكبر الكبير، واختلاف مواقعها ومجاريها وسيرها، وظهور منافع الشمس والقمر في نشوء الحيوان والنبات علم أن الأمر كذلك...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{فِي ظلمات البر والبحر} في ظلمات الليل بالبر والبحر، وأضافها إليهما لملابستها لهما، أو شبه مشتبهات الطرق بالظلمات.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
هذه المخاطبة تعم المؤمنين والكافرين، فالحجة بها على الكافرين قائمة والعبرة بها للمؤمنين ممكنة متعرضة، و {جعل} هنا بمعنى خلق لدخولها على مفعول واحد، وقد يمكن أن تكون بمعنى صير، ويقدر المفعول الثاني في {لتهتدوا} لأنه يقدر وهو الذي جعل لكم النجوم هداية، و {في ظلمات} هي ها هنا على حقيقتها في ظلمة الليل بقرينة النجوم التي لا تكون إلا بالليل، ويصح أن تكون «الظلمات» ها هنا الشدائد في المواضع التي يتفق أن يهتدى فيها بالشمس، وذكر الله تعالى النجوم في ثلاث منافع وهي قوله: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} وقوله: {وجعلناها رجوماً للشياطين} [المُلك: 5] وقوله: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} فالواجب أن يعتقد أن ما عدا هذه الوجوه من قول أهل التأثير باطل واختلاق على الله وكفر به. و {فصلنا} معناه: بيّنا وقسمنا و {الآيات}: الدلائل و {لقوم يعلمون} تخصيص لهم بالذكر وتنبيه منهم لتحصلهم الآية المفصلة المنصوبة، وغيرهم تمر عليهم الآيات وهم معرضون عنها.
قوله تعالى: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون}
هذا هو النوع الثالث من الدلائل الدالة على كمال القدرة والرحمة والحكمة، وهو أنه تعالى خلق هذه النجوم لمنافع العباد... ثم إنه تعالى لما ذكر الاستدلال بأحوال هذه النجوم. قال: {قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} وفيه وجوه:
الأول: المراد أن هذه النجوم كما يمكن أن يستدل بها على الطرقات في ظلمات البر والبحر، فكذلك يمكن أن يستدل بها على معرفة الصانع الحكيم، وكمال قدرته وعلمه.
الثاني: أن يكون المراد من العلم ههنا العقل فقوله: {قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} نظير قوله تعالى في سورة البقرة: {إن في خلق السماوات والأرض} إلى قوله: {لآيات لقوم يعقلون} وفي آل عمران في قوله: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب}.
والثالث: أن يكون المراد من قوله: {لقوم يعلمون} لقوم يتفكرون ويتأملون ويستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} هذا نوع آخر من آيات التكوين العلوية مقرون بفائدته في تعليل جعله، والمراد بالنجوم ما عدا الشمس والقمر من نيرات السماء، لأن ذلك هو المتبادر من السياق والمعهود في الاهتداء، ذكرنا تعالى ببعض فضله في تسخير هذه النيرات التي ترى صغيرة بعد التذكير ببعض فضله في النيرين الأكبرين في أعين الناس، وقيل إنهما يدخلان في عموم النجوم لأن القمر مما يهتدى به في الظلمات، فإذا استثنيت بعض ليالي الشهر قلنا وأي نجم يهتدي به في جميع الأوقات؟ وكانت العرب في بدايتها تؤقت بطلوع النجم لأنهم ما كانوا يعرفون الحساب، وإنما يحفظون أوقات السنة بالأنواء، وهي نجوم منازل القمر في مطالعها ومغاربها – وسيأتي بيان ذلك في موضع آخر – وقد سموا الوقت الذي يجب الأداء فيه « نجما» تجوزا لأن الاستحقاق لا يعرف إلا به، ثم سموا المال الذي يؤدى نجما، وقالوا: نجّمه إذا جعله أقساطا. وفي الظلمات هنا وجهان؛ ظلمات الليل بالبر والبحر أضافهما إليها لملابستها لهما – أو مشتبهات الطرق شبهها بالظلمات، قاله في الكشاف. وكان اهتداؤهم بالنجوم قسمان أحدهما معرفة الوقت من الليل أو من السنة، والثاني معرفة المسالك والطرق والجهات. وقد سبق ذكر الظلمات وبيان أنواعها في البر والبحر في تفسير الآية 63 من هذه السورة.
وهاهنا يذكر المفسرون النهي عن علم النجوم الذي يزعم أهله أنهم يعرفون به ما سيكون في المستقبل من الأحداث قبل حدوثها. ومنهم من بالغ فأطلق النهي عن علم النجوم إلا القدر الذي يهتدي به في الظلمات ويعرف به الحساب، ويحصل به الاعتبار بزينة السماء، لأن هذه الأشياء هي التي هدى إليها الكتاب. والصواب أن المذموم هو تلك الأوهام التي يزعمون معرفة الغيب بها دون علم الهيئة الفلكية الذي يعرف به آيات قدرة الله وعلمه وحكمته ما لا يعرف من علم آخر... ولعل كثرة الآيات في عالم السماء هي نكتة تذييل الآية بقوله تعالى: {قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} سواء أريد بها آيات التنزيل أو آيات التكوين؛ فإن أريد بها المعنى الأول، فوجهه أن هذه الآية وما قبلها وما في معناهما من الآيات المنزلة في الحث على النظر في ملكوت السماء كله تفصيل مبين لطرق النظر والبحث في العالم السماوي للذين يعلمون بالفعل أو بالقوة والاستعداد شيئا من حكم الله تعالى وعجائب صنعه فيه فيزدادون بهذا التفصيل بحثا وعلما، فيكون علمهم ناميا مستمرا. وإن أريد الثاني فوجهه أظهر، وهو أن الآيات الدالة على علم الله تعالى وحكمته وفضله على خلقه لا يستخرجها من النظر في النجوم إلا الذين يعلمون، أي أهل العلم بهذا الشأن، الذين يقرنون العلم بالاعتبار، ولا يرضون بأن يكون منتهى الحظ ما تمتع به اللحظ، ولا غاية النظر والحساب أن يقال إن هذا لشيء عجاب.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
فالاهتداء بالنجوم في ظلمات البر والبحر يحتاج إلى علم بمسالكها ودوراتها ومواقعها ومداراتها.. كما يحتاج إلى قوم يعلمون دلالة هذا كله على الصانع العزيز الحكيم.. فالاهتداء -كما قلنا- هو الاهتداء في الظلمات الحسية الواقعية، وفي ظلمات العقل والضمير.. والذين يستخدمون النجوم للاهتداء الحسي، ثم لا يصلون ما بين دلالتها ومبدعها، هم قوم لم يهتدوا بها تلك الهداية الكبرى؛ وهم الذين يقطعون بين الكون وخالقه، وبين آيات هذا الكون ودلالتها على المبدع العظيم..