لوط : هو ابن أخ إبراهيم ، هاجر مع عمه من العراق إلى فلسطين ثم سكن جنوب الأردن في سدوم وعامورة من منطقة البحر الميت الآن . الفاحشة : المقصود بها هنا إتيان الذكور .
جاء ذِكر قصّة لوطٍ بتمامها في عدة سُوَر باختلاف يسير . وتتلخّص في أن قوم لوطٍ كانوا أهل شرْ وأذى . . . كانوا يقطعون الطريق على الناس ، قد ذهب الحياء من وجوههم ، فلا يستقبحون قبيحا ، ولا يرغبون في حسن ، كما قال تعالى في سورة العنكبوت : { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر } .
{ وَلُوطاً } نصب بفعل مضمر أي أرسلنا معطوف على ما سبق أو به من غير خاجة إلى تقدير ، وإنما لم يذكر المرسل إليهم على طرز ما سبق وما لحق لأن قومه على ما قيل لم يعهدوا باسم معروف يقتضي الحال ذكره عليه السلام مضافاً إليهم كما في القصص من قبل ومن بعد وهو ابن هاران بن تارخ . وابن اسحق ذكر بدل تارخ آزر . وأكثر النسابين على أنه عليه السلام ابن أخي إبراهيم صلى الله عليه وسلم ورواه في «المستدرك » عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وأخرج ابن عساكر عن سليمان بن صرد أن أبا لوط عليه السلام عم إبراهيم عليه السلام ، وقيل : إن لوطاً كان ابن خالة إبراهيم وكانت سارة زوجته أخت لوط وكان في أرض بابل من العراق مع إبراهيم فهاجر إلى الشام ونزل فلسطين وأنزل لوطاً الأردن وهو كرة( {[291]} ) بالشام فأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم وهي بلدة بحمص . وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال : أرسل لوط إلى المؤتفكات وكانت قرى لوط أربع مدائن سدوم وأمورا وعامورا وصبوير وكان في كل قرية مائة ألف مقاتل وكانت أعظم مدائنهم سدوم وكان لوط يسكنها وهي من بلاد الشام ومن فلسطين مسيرة يوم وليلة ، وهذا اللفظ على ما قال الزجاج اسم أعجمي غير مشتق ضرورة أن العجمي لا يشتق من العربي وإنما صرف لخفته بسكون وسطه ، وقيل : إنه مشتق من لطت الحوض إذا ألزقت عليه الطين ، ويقال : هذا ألوط بقلبي من ذلك أي ألصق به ولاط الشيء أخفاه .
وقوله تعالى : { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } ظرف لأرسلنا كما قال غير واحد . واعترض بأن الإرسال قبل وقت القول لا فيه كما تقتضيه هذه الظرفية ، ودفع بأنه يعتبر الظرف ممتداً كما يقال زيد في أرض الروم فهو ظرف غير حقيقي يعتبر وقوع المظروف في بعض أجزائه كما قرره القطب ، وجوز أن يكون { لُوطاً } منصوباً بأذكر محذوقاً فيكون من عطف القصة على القصة ، و { إِذْ } بدل من لوط بدل اشتمال بناء على أنها لا تلزم الظرفية ، وقال أبو البقاء : إنه ظرف الرسالة محذوفاً أي واذكر رسالة لوط إذ قال : { أَتَأْتُونَ الفاحشة } استفهام على سبيل التوبيخ والتقريع أي أتفعلون تلك الفعلة التي بلغت أقصى القبح وغايته .
{ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن العالمين } أي ما عملها أحد قبلكم في زمن من الأزمان فالباء للتعدية كما في «الكشاف » من قولك : سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله ، ومنه ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم : " سبقك بها عكاشة "
وتعقبه أبو حيان بأن معنى التعدية هنا قلق جداً لأن الباء المعدية في الفعل المعدى إلى واحد تجعل المفعول الأول يفعل ذلك الفعل بما دخلت عليه الباء فهي كالهمزة فإذا قلت : صككت الحجر بالحجر كان معناه أصككت الحجر الحجر أي جعلت الحجر يصك الحجر وكذلك دفعت زيداً بعمرو عن خالد معناه أدفعت زيداً عمراً عن خالد أي جعلت زيداً يدفع عمراً عن خالد فللمفعول الأول تأثير في الثاني ولا يصح هذا المعنى فيما ذكر إلا بتكلف فالظاهر أن الباء للمصاحبة أي ما سبقكم أحد مصاحباً وملتبساً بها ، ودفع بأن المعنى على التعدية ، ومعنى سبقته بالكرة أسبقت كرتي كرته لأن السبق بينهما لا بين الشخصين أو الضربين وكذا في الآية ومثله يفهم من غير تكلف ، وقال القطب الرازي : إن المعنى سبقت ضربه الكرة بضربي الكرة أي جعلت ضربي الكرة سابقاً على ضربة الكرة . ثم استظهر جعل الباء للظرفية لعدم احتياجه إلى ما يحتاجه جعلها للتعدية أي ما سبقكم في فعل الفاحشة أحد ولعل الأمر كما قال .
و { مِنْ } الأولى صلة لتأكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض ، والجملة مستأنفة استئنافاً نحوياً مسوقة لتأكيد النكير وتشديد التقريع والتوبيخ ، وجوز أن يكون بيانياً كأنه قيل : لم لا نأتيها ؟ فقال : ما سبقكم بها أحد فلا تفعلوا ما لم تسبقوا إليه من المنكرات لأنه أشد ، ولا يتوهم أن سبب إنكار الفاحشة كونها مخترعة ولولاه لما أنكرت إذ لا مجال له بعد كونها فاحشة . ووجه كون هذه الجملة مؤكدة للنكير أنها مؤذنة باختراع السوء ولا شك أن اختراعه أسوأ إذ لا مجال للاعتذار عنه كما اعتذروا عن عبادتهم الأصنام مثلاً بقولهم : انا { وَجَدْنَا ءابَاءنَا } [ الزخرف : 22 ، 23 ] . وجوز أبو البقاء كون الجملة في موضع الحال من المفعول أو الفاعل ، والنيسابوري جوز كونها صفة للفاحشة على حد
: ولقد أمر على اللئيم يسبني *** ورد بأن الفاحشة هنا متعينة دون اللئيم ، وكيفما كان فالمراد من نفي سبق أحد بها إياهم كونهم سابقين بها كل أحد ممن عداهم من العالمين لا مساواتهم الغير بها ، فقد أخرج البيهقي وغيره عن عمرو بن دينار ( قال ما نزا ذكر حتى كان قوم لوط ) ، والذي حملهم على ذلك كما أخرج ابن عساكر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانت لهم ثمار في منازلهم وحوائطهم وثمار خارجة على ظهر الطريق وانهم أصابهم قحط وقلة من الثمار فقال بعضهم لبعض : إنكم إن منعتم ثماركم هذه الظاهرة من أبناء السبيل كان لكم فيها عيش قالوا : بأي شيء نمنعها ؟ قالوا : اجعلوا سنتكم أن تنكحوا من وجدتم في بلادكم غريباً وتغرموه أربعة دراهم فإن الناس لا يظهرون ببلادكم إذا فعلتم ذلك ففعلوه واستحكم فيهم . وفي بعض الطرق أن إبليس عليه اللعنة جاءهم عند ذكرهم ما ذكروا في هيئة صبي أجمل صبي رآه الناس فدعاهم إلى نفسه فنكحوه ثم جرؤوا على ذلك . وجاء من رواية ابن أبي الدنيا عن طاوس أن قوم لوط إنما أتوا أولاً النساء في أدبارهن ثم أتوا الرجال . وفي قول : { مّن العالمين } دون من الناس مبالغة لا تخفى .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{و} أرسلنا {لوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة}، يعني المعصية، يعني إتيان الرجال، وأنتم تبصرون أنها فاحشة، {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} فيما مضى قبلكم.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا لوطا. ولو قيل: معناه: واذكر لوطا يا محمد إذ قال لقومه...
وقوله:"إذْ قالَ لِقَوْمِه" يقول: حين قال لقومه من سدوم، وإليهم كان أرسل لوط: "أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ"، وكانت فاحشتهم التي كانوا يأتونها التي عاقبهم الله عليها: إتيان الذكور. "ما سَبَقَكُمْ بها مِنْ أحَد مِنَ العالَمِينَ "يقول: ما سبقكم بفعل هذه الفاحشة أحد من العالمين...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
... {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} يحتمل أن يكون منهم ما كان من سائر الأقوام تقليد الآباء في العبادة لغير الله كقولهم: {أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا} [الأعراف: 70]... ونحو ما قالوا. فعلى ذلك من قوم لوط للوط لمّا دعاهم إلى عبادة الله ووحدانيته، فأجابهم بما أجاب الأقوام لأنبيائهم من التقليد لآبائهم، فقال: {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} أي تعملون أنتم أعمالا لا يعملها آباؤكم، ولا تقلّدون آباءكم في تركها من نحو ما ذكر من إتيان الفاحشة فقال: {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} يعيّرهم، ويسفّه أحلامهم في إتيان ما يأتون من الفاحشة التي لم يسبقهم أحد بها من العالمين على علم منهم أن ذلك فاحشة.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
" أتأتون الفاحشة "؟! فالفاحشة هي السيئة العظيمة القبح.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
..أباح الحقُّ -سبحانه- في الشرع ما أزاح به العذر، فمن تَخَطَّ هذا الأمر وجرى على مقتضى الهوى استقبل هوانه، واستوجب إذلاله، واستجلب -باختياره- صغاره.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
استفهامه لهم هو على جهة...التوبيخ والتشنيع.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
عبر في قصة نوح عليه السلام ب {أرسلنا نوحاً إلى قومه} [الأعراف: 59] ثم نسق من بعده عليه فقيل: {وإلى عاد أخاهم هوداً} [الأعراف: 65] {وإلى ثمود أخاهم صالحاً} [الأعراف: 73] {وإلى مدين أخاهم شعيباً} [الأعراف: 85] وعدل عن هذا الأسلوب في قصة لوط فلم يقل: وإلى أهل سدوم أخاهم لوطاً، أو إلى أهل سدوم لوطاً أو وأرسلنا لوطاً إلى قومه ونحو ذلك كما سيأتي في قصة موسى عليه السلام، لأن من أعظم المقاصد بسياق هذه القصص تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، في مخالفة قومه له وعدم استجابتهم وشدة أذاهم وإنذار قومه أن يحل بهم ما حل بهذه الأمم من العذاب، وقصص من عدا قوم لوط مشابهة لقصة قريش في الشرك بالله والأذى لعباده المؤمنين، وأما قصة قوم لوط فزائدة عن ذلك بأمر فظيع عظيم الشناعة شديد العار والفحش فعدل عن ذلك النسق تنبيهاً عليه تهويلاً للأمر وتبشيعاً له، ليكون في التسلية أشد، وفي استدعاء الحمد والشكر أتم...
واذكر لوطاً وما حصل عليه من قومه زيادة على شركهم من رؤيته فيهم هذا الأمر الذي لم يبق للشناعة موضعاً، فالقصة في الحقيقة تسلية وتذكير بنعمة معافاة العرب من مثل هذا الحال وإنذار لهم سوء المآل مع ما شاركت فيه أخواتها من الدلالة على سوء جبلة هؤلاء القوم وشرارة جوهرهم المقتضي لتفردهم عن أهل الأرض بذلك الأمر الفاحش، والدليل على أنه أشنع الشنع بعد الشرك -مع ما جعل الله تعالى في كل طبع سليم من النفرة عنه- اختصاصه بمشاركته للشرك في أنه لم يحل في ملة من الملل في وقت من الأوقات ولا مع وصف من الأوصاف، وبقية المحرمات ليست كذلك...
ولما كان غير مستبعد على صفاقة وجوههم ووقاحتهم أن يقولوا: لم تكون فعلتنا منكراً موبخاً عليها؟ قال: {ما سبقكم بها} وأغرق في النفي بقوله: {من أحد} وعظم ذلك بتعميمه في قوله: {من العالمين} فقد اخترعتم شيئاً لا يكون مثل فحشه لتذكروا به أسوأ ذكر، كما أن ذوي الهمم العوال والفضل والكمال يستنبطون من المحاسن والمنافع ما يبقى لهم ذكره وينفعهم أجره، وفي ذلك أعظم إشارة إلى تقبيح البدع والتشنيع على فاعليها، لأن العقول لا تستقل بمعرفة المحاسن...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِين} بل هي من مبتدعاتكم في الفساد فأنتم فيها قدوة سوء فعليكم وزرها ومثل أوزار من يتبعكم فيها إلى يوم القيامة.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
..وتمضي عجلة التاريخ، فيظلنا عهد إبراهيم -عليه السلام- ولكن السياق لا يتعرض هنا لقصة إبراهيم. ذلك أن السياق يتحرى مصارع المكذبين؛ متناسقاً مع ما جاء في أول السورة: (وكم من قرية أهلكناها، فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون).. وهذا القصص إنما هو تفصيل لهذا الإجمال في إهلاك القرى التي كذبت بالنذير.. وقوم إبراهيم لم يهلكوا لأن إبراهيم -عليه السلام- لم يطلب من ربه هلاكهم. بل اعتزلهم وما يدعون من دون الله.. إنما تجيء هنا قصة قوم لوط -ابن أخي إبراهيم- ومعاصره، بما فيها من إنذار وتكذيب وإهلاك. يتمشى مع ظلال السياق، على طريقة القرآن... وتكشف لنا قصة قوم لوط عن لون خاص من انحراف الفطرة؛ وعن قضية أخرى غير قضية الألوهية والتوحيد التي كانت مدار القصص السابق. ولكنها في الواقع ليست بعيدة عن قضية الألوهية والتوحيد.. إن الاعتقاد في الله الواحد يقود إلى الإسلام لسننه وشرعه. وقد شاءت سنة الله أن يخلق البشر ذكراً وأنثى، وأن يجعلهما شقين للنفس الواحدة تتكامل بهما، وأن يتم الامتداد في هذا الجنس عن طريق النسل؛ وأن يكون النسل من التقاء ذكر وأنثى.. ومن ثم ركبهما وفق هذه السنة صالحين للالتقاء، صالحين للنسل عن طريق هذا الالتقاء، مجهزين عضوياً ونفسياً لهذا الالتقاء.. وجعل اللذة التي ينالانها عندئذ عميقة، والرغبة في إتيانها أصيلة، وذلك لضمان أن يتلاقيا فيحققا مشيئة الله في امتداد الحياة؛ ثم لتكون هذه الرغبة الأصيلة وتلك اللذة العميقة دافعاً في مقابل المتاعب التي يلقيانها بعد ذلك في الذرية. من حمل ووضع ورضاعة. ومن نفقة وتربية وكفالة.. ثم لتكون كذلك ضماناً لبقائهما ملتصقين في أسرة، تكفل الأطفال الناشئين، الذين تطول فترة حضانتهم أكثر من أطفال الحيوان، ويحتاجون إلى رعاية أطول من الجيل القديم! هذه هي سنة الله التي يتصل إدراكها والعمل بمقتضاها بالاعتقاد في الله وحكمته ولطف تدبيره وتقديره. ومن ثم يكون الانحراف عنها متصلاً بالانحراف عن العقيدة، وعن منهج الله للحياة. ويبدو انحراف الفطرة واضحاً في قصة قوم لوط، حتى أن لوطا ليجبههم بأنهم بدع دون خلق الله فيها، وأنهم في هذا الانحراف الشنيع غير مسبوقين: (ولوطاً إذ قال لقومه: أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين؟)...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
..وقوم لوط كانوا خليطاً من الكنعانيين وممّن نزل حولهم. ولذلك لم يوصف بأنّه أخوهم إذ لم يكن من قبائلهم، وإنّما نزل فيهم واستوطن ديارهم.
.. والسبق حقيقته: وصول الماشي إلى مكان مطلوب له ولغيره قبل وصول غيره، ويستعمل مجازاً في التّقدّم في الزّمان، أي الأوّلية والابتداءِ، وهو المراد هنا، والمقصود أنّهم سبقوا النّاس بهذه الفاحشة إذ لا يقصد بمثل هذا التّركيب أنّهم ابتدأوا مع غيرهم في وقت واحد...