تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ} (4)

هؤلاء ، هم الذين يوصفون بالإيمان حقا وصدقا . ولهم جزاؤهم درجات عالية عند الله ، وهو الذي يمنحهم رضاه ، ويغفر لهم سيئاتِهم ، ويرزقهم رزقاً طيباً كريما في الحياة الدنيا ، ونعيماً دائماً في الآخرة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ} (4)

{ أولئك } أي المتصفون بما ذكر من الفات الحميدة من حيث إنهم كذلك { هُمُ المؤمنون حَقّاً } لأنهم حقوا إيمانهم بأن ضموا إليه ما فضل من أفاضل الأعمال .

وأخرج الطبراني عن الحرث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : " كيف أصبحت يا حارث قال : أصبحت مؤمناً حقاً فقال صلى الله عليه وسلم : انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ فقال : عزفت نفسي عن الدنيا فاسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتصارخون فيها قال عليه الصلاة والسلام : يا حارث عرفت فالزم ثلاثاً " ونصب { حَقّاً } على أنه صفة مصدر محذوف فالعامل فيه المؤمنون أي إيماناً حقاً أو هو مؤكد لمضمون الجملة فالعامل فيه حق مقدر ، وقيل : إنه يجوز أن يكون مؤكداً لمضمون الجملة التي بعده فهو ابتداء كلام ، وهو مع أنه خلاف الظاهر إنما يتجه على القول بجواز تقديم المصدر المؤكد لمضمون الجملة عليها والظاهر منعه كالتأكيد ، واستدل بعضهم بالآية على أنه لا يجوز أن يصف أحد نفسه بكونه مؤمناً حقاً لأنه سبحانه وتعالى : إنما وصف بذلك أقواماً على أوصاف مخصوصة وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه بل يلزمه أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله تعالى .

وقرر بعضهم وجه الاستدلال بما يشير إليه ما روى عن الثوري أنه قال : من زعم أنه مؤمن بالله تعالى حقاً ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية ولم يؤمن بالنصف الآخر ، وهذا ظاهر في أن مذهبه الاستثناء ، وهو كما قال الإمام مذهب ابن مسعود وتبعه جمع عظيم من الصحابة والتابعين ، وبه قال الشافعي ونسب إلى مالك وأحمد ، ومنعه الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ؛ وروى عنه أنه قال لقتادة : لم تستثني في إيمانك ؟ قال : اتباعاً لإبراهيم عليه السلام في قوله تعالى : { والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين } [ الشعراء : 82 ] فقال له : هلا اقتديت به في قوله بلى حين قيل له { أو لم تؤمن } [ البقرة : 260 ] ؟ فانقطع قتادة ؛ قال الرازي كان لقتادة أن يجيب أبا حنيفة عليهما الرحمة ويقول : قول إبراهيم عليه السلام { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } بعد قوله بلى طلب لمزيد الطمأنينة وذلك يدل على جواز الاستثناء .

وفي «الكشف » أن الحق أن من جوز الاستثناء إنما جوز إذا سئل عن الايمان مطلقاً أما إذا قيل : هل أنت مؤمن بالقدر مثلاً فقال : أنا مؤمن إن شاء الله تعالى لا يجوز لا لأن التبرك لا معنى له بل للإبهام فيما ليس له فائدة ، وأما في الأول فلما كان الإطلاق يدل على الكمال وهو الايمان المنتفع به في الآخرة علق بالمشيئة تفاؤلاً وتيمناً ، وذلك لأن الكلمة خرجت عن موضوعها الأصلي إلى المعنى الذي ذكر في عرف الاستعمال تراهم يستعملونها في كل ما لهم اهتمام بحصوله شائعاً بين العرب والعجم فلا وجه لقول من قال : إن معنى التبرك أنا أشك في إيماني تبركاً وذلك لأن المشيئة عنده غير مشكوكة عنده بل هو تعليق بما لا بدمنه نظراً إلى أنه السبب الأصلي وأنه تفويض من العبد إلى الله تعالى ومن فوض كفي لا نظراً إلى أن المشيئة غيب غير معلوم فيكون شكا في الايمان ، وقد جاء «من شك في إيمانه فقد كفر » وما أحسن ما نقل عن الحسن أن رجلاً سأله أمؤمن أنت ؟ فقال : الايمان إمامان فإن كنت تسألني عن الايمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن وإن كنت تسألني عن قوله تعالى

{ إِنَّمَا المؤمنون } [ الأنفال : 2 ] الخ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا ؟ وهذا ونحوه ما يجعل الخلاف لفظياً ، وقد صرح بذلك جمع من المحققين عليهم الرحمة .

{ لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ } أي كرامة وعلو مكانة على أن يراد بالدرجات العلو المعنوي وقد يراد بها العلو الحسي ، وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : «في الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم » وعن الربيع بن أنس «سبعون درجة ما بين كل درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة » ووجه الجمع على الوجهين ظاهر ، والتنوين للتفخيم والظرف ، إما متعلق بمحذوف وقع صفة لها مؤكدة لما أفاده التنوين أو بما تعلق به الخبر أعني لهم من الاستقرار .

وجوز أبو البقاء أن يكون العامل فيه { درجات } لأن المراد بها الأجور ، وفي إضافته إلى الرب المضاف إلى ضميرهم مزيد تشريف لهم ولطف بهم وإيذان بأن ما وعدهم متيقن الثبوت مأمون الفوات ، والجملة جوز أن تكون خبراً ثانياً لأولئك وأن تكون مبتدأة مبنية على سؤال نشأ من تعدد مناقبهم كأنه قيل : ما لهم بمقابلة هذه الخصال ؟ فقيل : لهم درجات { وَمَغْفِرَةٌ } عظيمة لما فرط منهم { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } وهو ما أعط لهم من نعيم الجنة . وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد القرظي قال : إذا سمعت الله تعالى يقول رزق كريم فهو الجنة . والكرم كما نقل الواحدي اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن في بابه فلعل وصف الرزق به هنا حقيقة .

/ وقال بعض المحققين : معنى كون الرزق كريماً أن رازقه كريم ، ومن هنا وصفوه بالكثرة وعدم الانقطاع إذ من عادة الكريم أن يجزل العطاء ولا يقعه فكيف بأكرم الأكرمين تبارك وتعالى ، وجعله نفسه كريماً على الإسناد المجازي للمبالغة ، ولم يذكروا لتوسيط المغفرة ، والظاهر كما قيل تقديمها هنا نكتة ، وربما يقال في وجه ذكر هذه الأشياء الثلاثة على هذا الوجه أن الدرجات في مقابلة الأوصاف الثلاثة أعني الوجل والإخلاص والتوكل ، ويستأنس له بالجمع والمغفرة في مقابلة إقامة الصلاة ويستأنس له بما ورد في غير ما خبر أن الصلوات مكفرات لما بينها من الخطايا وأنها تنقى الشخص من الذنوب كما ينقى الماء من الدنس ، والرزق الكريم بمقابلة الأنفاق ، والمناسبة في ذلك ظاهرة ، وإلى هذا يشير كلام أبي حيان أو يقال : قدم سبحانه الدرجات لأنها بمحض الفضل ، وذكر بعدها المغفرة لأنها أهم عندهم من الرزق مع اشتراكهما في كونهما في مقابلة شيء ، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن ابن زيد أنه قال في الآية : المغفرة بترك الذنوب والرزق الكريم بالأعمال الصالحة فتدبر والله تعالى أعلم بأسرار كلامه .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً } لأنهم الذي ظهرت فيهم الصفات الحقة وغدوا مرايا لها ومن هنا قيل : المؤمن مرآة المؤمن { لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ } من مراتب الصفات وروضات جنات القلب { وَمَغْفِرَةٌ } لذنوب الأفعال { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [ الأنفال : 4 ] من ثمرات أشعار التجليات الصفاتية ، وق لبعض العارفين : المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة من الاشتغال بغير الله تعالى والرزق الكريم الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفته ومحبته وهو قريب مما ذكرنا .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ} (4)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ". يعني جلّ ثناؤه بقوله: "لَهُمْ دَرَجاتٌ": لهؤلاء المؤمنين الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم درجات، وهي مراتب رفيعة. ثم اختلف أهل التأويل في هذه الدرجات التي ذكر الله أنها لهم عنده ما هي؛ فقال بعضهم: هي أعمال رفيعة وفضائل قدّموها في أيام حياتهم... وقال آخرون: بل ذلك مراتب في الجنة...

وقوله "وَمَغْفرَةٌ "يقول: وعفو عن ذنوبهم وتغطية عليها. "وَرِزْقٌ كَرِيمٌ "قيل: الجنة. وهو عندي ما أعدّ الله في الجنة لهم من مزيد المآكل والمشارب وهنيء العيش...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا} أي حققوا حقاً وصدقوا صدقاً. ويقال حق لهم ذلك حقاً. قوله: {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} على حسب ما أَهَّلَهُمْ له من الرُّتَبِ؛ فَبِسَابقِ قِسْمَتِه لهم استوجبوها، ثم بصادقِ خِدْمَتِهِم -حين وفَّقَهم لها- بلغوها. ولهم مغفرةٌ في المآل، والسَّتْرُ في الحال لأكابرهم، فالمغفرة الستر، والحق سبحانه يستر مثالِبَ العاصين ولا يفضحهم لئلا يحجبوا عن مأمول أفضالهم، ويستر مناقِبَ العارفين عليهم لئلا يُعْجَبُوا بأعمالهم وأحوالهم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{حَقّاً} صفة للمصدر المحذوف، أي أولئك هم المؤمنون إيماناً حقاً، أو هو مصدر مؤكد للجملة التي هي {أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون} كقولك: هو عبد الله حقاً، أي حق ذلك حقاً... {درجات} شرف وكرامة وعلو منزلة {وَمَغْفِرَةٌ} وتجاوز لسيئاتهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} نعيم الجنة. يعني لهم منافع حسنة دائمة على سبيل التعظيم، وهذا معنى الثواب.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن الصفات المذكورة قسمان:

الثلاثة الأول: هي الصفات القلبية والأحوال الروحانية، وهي الخوف والإخلاص والتوكل.

والاثنتان الأخيرتان: هما الأعمال الظاهرة والأخلاق. ولا شك أن لهذه الأعمال والأخلاق تأثيرات في تصفية القلب، وفي تنويره بالمعارف الإلهية. ولا شك أن المؤثر كلما كان أقوى كانت الآثار أقوى وبالضد، فلما كانت هذه الأخلاق والأعمال لها درجات ومراتب. كانت المعارف أيضا لها درجات ومراتب، وذلك هو المراد من قوله: {لهم درجات عند ربهم} والثواب الحاصل في الجنة أيضا مقدر بمقدار هذه الأحوال. فثبت أن مراتب السعادات الروحانية قبل الموت وبعد الموت، ومراتب السعادات الحاصلة في الجنة كثيرة ومختلفة، فلهذا المعنى قال: {لهم درجات عند ربهم}.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما حققوا إيمانهم بأفعال القلوب والجوارح والأموال، فاستوفوا بذلك جميع شعب الدين، عظم سبحانه شأنهم بقوله: {أولئك} أي العالو الهمم {هم} أي خاصة {المؤمنون} وأكد مضمون الجملة بقوله: {حقاً}. ولما كانت صفاتهم الخمس المذكورة المشتملة على الأخلاق والأعمال لها تأثيرات في تصفية القلوب وتنويرها بالمعارف الإلهية، وكلما كان المؤثر أقوى كانت التأثيرات أعلى، فلما كانت هي درجات كان جزاؤها كذلك، فلهذا قال سبحانه تعالى في جواب من كأنه قال: فما جزاؤهم على ذلك؟ {لهم درجات} ولما كثرها بجمع السلامة بما دل عليه سياق الامتنان، عظمها بقوله: {عند ربهم} أي بتسليمهم لأمره. ولما كان قدر الله عظيماً، وكان الإنسان عن بلوغ ما يجب عليه من ذلك ضعيفاً حقيراً، وكان بأدنى شيء من أعماله يستفزه الإعجاب، أشار سبحانه إلى أنه لا يسعه إلا العفو ولو بذل فوق الجهد فقال: {ومغفرة} أي لذنوبهم إن رجعوا عن المنازعة في الأنفال وغيرها، {ورزق كريم} أي لا ضيق فيه ولا كدر بوجه ما من منازعة ولا غيرها، فهو يغنيهم عن هذه الأنفال، ويملأ أيديهم من الأموال من غنائم فارس والروم وغير ذلك، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فما لا يحيط به الوصف،...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{أولئك هم المؤمنون حقا} أي أولئك الموصوفون بتلك الصفات كلها هم دون سواهم ممن لم يتصف بها المؤمنون إيمانا حقا أو حق الإيمان الذي لا نقص فيه، أو حق ذلك حقا أو حققته حقا، ذلك بأن الإيمان حق الإيمان وهو ما أعقب التصديق الإذعاني فيه أثره من أعمال القلوب والجوارح وبذل المال في سبيله عز وجل. وقد جمعت الصفات التي وصفوا بها كل ذلك بحيث تتبعها سائر شعب الإيمان...

ثم بين تعالى جزاء هؤلاء المؤمنين الكملة فقال: {لهم درجات عند ربهم} الدرجات منازل الرفعة ومراقي الكرامة وكونها عند الرب تعالى وذكره مضافا إلى ضميرهم تنبيه إلى عظم قدر هذه الدرجات وتكريم لأهلها، فإن الله تعالى فضل بعض الناس ورفعهم على بعض درجة أو درجات في الدنيا وفي الآخرة وعند الرب عز وجل وهذا الأخير وإن كان يكون في الآخرة فإن وصفه بكونه عند الرب وبإضافة اسم الرب إلى أصحاب الدرجات يدل على مزيد رفعة واختصاص.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

جملة مؤكدة لمضمون جملة: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله} [الأنفال: 2] إلى آخرها ولذلك فصلت. وعُرف المسند إليه بالإشارة لوقوعه عقب صفات لتدل الإشارة على أنهم أحرياء بالحكم المسند إلى اسم الإشارة من أجل تلك الصفات، فكان المخبرَ عنهم قد تميزوا للسامع بتلك الصفات فصاروا بحيث يشار إليهم. وفي هذه الجملة قصر آخر يشبه القصر الذي قوله: {إنما المؤمنون} [الأنفال: 2] حيث قصر الإيمان مرة أخرى على أصحاب تلك الصفات ولكنه قرن هنا بما فيه بيان المقصور وهو أنهم المؤمنون الأحقاء بوصف الإيمان. والحق أصله مصدر حَق بمعنى ثبت واستعمل استعمال الأسماء للشيء الثابت الذي لا شك فيه قال تعالى: {وعد الله حقاً ومن أصدق من الله قيلاً} [النساء: 122]. ويطلق كثيراً، على الكامل في نوعه، الذي لا سترة في تحقق ماهية نوعه فيه، كما يقول أحد لابنه البار به: أنت ابني حَقاً، وليس يريد أن غيره من أبنائه ليسوا لرشدة ولكنه يريد أنت بنوتك واضحة آثارها، ويطلق الحق على الصواب والحكمة فاسم الحق يجمع معنى كمال النوع. ولكل صيغة قصر: منطوق ومفهوم، فمنطوقها هنا أن الذين جَمعوا ما دلت عليه تلك الصلات هم مؤمنون حقاً، ومفهومها أن من انتفى عنه أحدُ مدلولات تلك الصلات لم يكن مؤمناً كاملاً، وليس المقصود أن من ثبتت له إحداها كان مؤمناً كاملاً، إذا لم يتصف ببقية خصال المؤمنين الكاملين، فمعنى أولئك هم المؤمنون حقا: أن من كان على خلاف ذلك ليس بمؤمن حقا أي كاملاً. وهذا تأويل للكلام دعا إليه الجمع بين عديد الأدلة الواردة في الكتاب والسنة القولية والفعلية من ثبوت وصف الإيمان لكل من أيقن بأن الله منفرد بالإلهية وأن محمداً رسول الله إلى الناس كافة، فتلك الأدلة بلغت مبلغ التواتر المعنوي المحصّل للعلم الضروري بأن الإخلال بالواجبات الدينية لا يسلب صفة الإيمان والإسلام عن صاحبه...

.وانتصب {حقاً} على أنه مفعول مطلق صفة لمصدر محذوف دل عليه {المؤمنون} أي إيماناً حقاً، أو على أنه موكدٌ لمضمون جملة {أولئك هم المؤمنون} أي ثبوت الإيمان لهم حق لا شبهة فيه، وهو تحقيق لمعنى القصر بما هو عليه من معنى المبالغة، وليس تأكيداً لرفع المجاز عن القصر حتى يصير بالتأكيد قصراً حقيقياً، بل التأكيد بمعنى المبالغة اعتماداً على القرائن، والأحسن أن يكون منصوباً على الحال من ضمير {هم} فيكون المصدر مؤولاً باسم الفاعل كما هو الشأن في وقوع المصدر حالاً مثل {أو تأتيهم الساعة بغتة} [يوسف: 107]، أي محققين إيمانهم بجلائل أعمالهم،...

(وجملة: {لهم درجات} خبر ثان عن اسم الإشارة. واللام للاستحقاق، أي درجات مستحقة لهم، وذلك استعارة للشرف والكرامة عند الله، لأن الدرجات حقيقتها ما يتخذ من بناء أو أعواد لإمكان تخطي الصاعد إلى مكان مرتفع مُنقطع عن الأرض، كما تقدم عند قوله تعالى: {وللرجال عليهن درجةٌ} في سورة [البقرة: 228]، وفي غير موضع، وتستعار الدرجة لعناية العظيم ببعض من يصطفيهم فتشبه العناية بالدرجة تشبيه معقول بمحسوس، لأن الدنو من العُلْو عُرفاً يكون بالصعود إليه في الدرجات، فشبه ذلك الدنو بدرجات وقوله: {عند ربهم} قرينة المجاز. ويجوز أن تستعار الدرجة هنا لمكان جلوس المرتفع كدرجة المنبر كما في قوله تعالى: {وللرجال عليهن درجةٌ} [البقرة: 228] والقرينة هي. وقد دل قوله: {عند ربهم} على الكرامة والشرف عند الله تعالى في الدنيا بتوجيه عنايته في الدنيا، وفي الآخرة بالنعيم العظيم. وتنوين {درجات} للتعظيم لأنها مراتب متفاوتة. والرزق اسم لما يُرزقُ أي يعطى للانتفاع به، ووصفه بكريم بمعنى النفيس فهو وصف حقيقي للرزق، وفعله كرُمَ بضم العينَ، والكرم في كل شيء الصفات المحمودية في صنفه أو نوعه كما في قوله تعالى: {إني ألْقيَ إلي كتابٌ كريمٌ} في سورة [النمل: 29]، ومنه إطلاق الكرم على السخاء والجود، والوصفُ منه كريم، وتصح إرادته هنا على أن وصف الرزق به مجازٌ عقلي، أي كريم رازقه، فإن الكريم يرزق بوفرة وبغير حساب.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

ولقد حكم الله تعالى للمؤمنين الذين وجلت قلوبهم عند ذكر الله، والذين يزداد إيمانهم إذا تليت آيات الله تعالى، والذين بعد إحكام العمل، لا يتوكلون إلا على الله، حكم الله تعالى لهم بما كتب فقال:

{أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)}.

حكم الله تعالى لهم بأنهم المؤمنون حقا، أي إيمانا حقا صادقا، ثابتان وفي النص الكريم ما يدل على القصر، أي أنهم وحدهم دون غيرهم المقصور عليهم وصف الإيمان، أي لا مؤمن على وجه الكمال غيرهم، وهذه شهادة من الله تعالى بانفرادهم بكمال الإيمان، وكفى بالله شهيدا.

وقد وصفهم الله تعالى بثلاثة أوصاف هي صفات الكمال للمؤمنين:

أولها – أن لهم عند الله درجات، والدرجات لا تذكر إلا للدرجات العليا، ومعنى {لهم درجات}، أن السبق عند الله، وأنهم علوا على الناس بهذه الدرجات فهو بيان للتشريف كما نقول – ولكلام الله المنزلة – لفلان مكانة عندي فأي درجة أعلى من درجات عند الله.

الوصف الثاني – أن لهم مغفرة أي غفار الذنوب وقابل التوب يغفر لهم وذلك تقريب من الله تعالى لهم، فإنه تعالى يتجاوز عن سيئاتهم إذا تابوا وأنابوا، وتلك منزلة مقربة، وتثبيت؟أنهم قريبون منه تبارك وتعالى.

والثالثة – رزق كريم، والرزق عطاء الله تعالى، وهو رزقان: مادي ومعنوي، فأما المادي: فهو عطاء الله في الدنيا، بحيث يغنيه عن الناس لا يجعل حاجته عند أحد، بل تكون حاجته عند الله، والمال نعمة لمن أحسن تحصيله، فلم ينله إلا من حلال، ولم ينفقه إلا في حلال، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ورد أنه قال: (نعم المال الصالح للمرء الصالح) (1).

والمعنوي: هو رضا الله تعالى وتغمده برحمته في الآخرة، بالنعيم المقيم وإبعاده عن العذاب الأليم، فهذا رزق، ومن الرزق المحامد، وأن يقول أهل التقى فيه الخير، ولا يقولون إلا خيرا، ومن الرزق الكريم ألا يوفق لعمل السوء، ولا يوفق إلا للخير.

ووصف الرزق بالكريم يفيد أنه لا يكسب إلا بشريف الأعمال، ولا يتدلى في طلبه إلى حيث الأشرار، والمعنى أنه يرزق من خير، ولا ينفق إلا في خير، ولا يكتسب إلا من مكان كريم، والله يرزقه من حيث لا يحتسب.