سورة التكوير وآياتها تسع وعشرون ، نزلت بعد سورة المسد ، وسميت " سورة التكوير " لقوله تعالى { إذا الشمس كورت } .
تبدأ هذه السورة بذكر أهوال يوم القيامة وما يصاحبها من انقلاب كوني هائل ، يشمل الشمس والنجوم والجبال والبحار ، والأرض والسماء ، وبني الإنسان وسائر الحيوان والوحوش . ويستغرق هذا الموضوع أربع عشرة آية إلى قوله تعالى { علمت نفس ما أحضرت } . وفي ذلك اليوم تعلم كل نفس ما قدّمته من أعمال ويتبين لها ما كان منها من خير أو شر ، وتأخذ جزاءها عليه .
ثم يأتي بعد ذلك القَسم بأربعة أشياء من ظواهر هذا الكون العجيب : ( بالنجوم الخنّس والكنّس ، وبالليل إذا أقبل بظلامه ، وبالصبح إذا بدأ ضوؤه وهبّ النسيم اللطيف ) إن هذا القرآن قول رسول كريم ، هو كلام الله المنزل عليه . وأن الرسول الذي جاء بالقرآن الكريم إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، هو صاحب قوة في أداء مهمته ، وذو مكانة عند الله . وهو مطاع عند الملأ الأعلى ، مؤتمن على الوحي .
ثم تأتي تبرئة الرسول الكريم مما رموه به من الجنون { وما صاحبكم بمجنون } لأن زعماء قريش لما أعيتهم الحيلة في أمره قالوا عنه إنه مجنون . وهذه الصفة قد أطلقت من قبل على جميع الرسل ، كما جاء في قوله تعالى : { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا : ساحر أو مجنون } [ الذاريات : 52 ] .
ولقد رأى سيدنا محمد جبريل بالأفق الأعلى الواضح ، وهو صادق في جميع ما يبلّغ عن اليوم الآخر ، وحوادثه ، والوحي وما يجيء به .
وهو لا يقصّر في تبليغ ما يوحى إليه { وما هو بقول شيطان رجيم } . لقد عرفتم هذا النبي يا مشركي قريش ، بصحة العقل والأمانة منذ صغره ، فهل يكون ما يحدّث به الآن من خبر الآخرة والجنة والنار والشرائع والأحكام قول شيطان رجيم ؟ !
ثم يؤكد الله خطابه للمنكرين فيقول : { فأين تذهبون } وأي طريق أهدى من هذا الطريق تسلكون ! إن هذا الذي يتلوه عليكم محمد { إلا ذكر للعالمين } وموعظة يتذكّرون بها ما رُكّب في طباعهم من الميل إلى الخير . ثم يختم هذه السورة الكريمة بهذه الآية الرائعة { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } . ففي هذه السورة مشاهد عظيمة رائعة من هذا الكون البديع الذي نراه ونعيش فيه .
كوّرتْ : لفَّت ومحي ضَوْؤهَا .
في هذه الآية الكريمة والآيات التي بعدها تصويرٌ رائع لما يحدثُ يومَ القيامة من أهوالٍ تُشيبُ الأطفالَ . فإذا طُويت الشمسُ واختفت .
أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أنبأنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ، حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن سهل الماسرجسي إملاءً ، أنبأنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى الماسرجسي ، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا إبراهيم بن خالد ، حدثنا عبد الله بن بجير القاضي قال سمعت عبد الرحمن بن زيد الصنعاني قال سمعت ابن عمر يقول : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحب أن ينظر في أحوال القيامة فليقرأ : { إذا الشمس كورت } " .
قوله عز وجل :{ إذا الشمس كورت } قال علي بن أبي طلحة عنب ابن عباس : أظلمت ، وقال قتادة ومقاتل والكلبي : ذهب ضوءها . وقال سعيد بن جبير : غورت . وقال مجاهد : اضمحلت . وقال الزجاج : لفت كما تلف العمامة ، يقال : كورت العمامة على رأسي ، أكورها كوراً أو كورتها تكويراً ، إذا لففتها ، وأصل التكوير جمع بعض الشيء إلى بعض ، فمعناه : أن الشمس يجمع بعضها إلى بعض ثم تلف ، فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها . قال ابن عباس : يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ، ثم يبعث عليها ريحاً دبوراً فتضربها فتصير ناراً .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا مسدد ، حدثنا عبد العزيز بن المختار ، حدثنا عبد الله الداناج ، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الشمس والقمر يكوران يوم القيامة " .
1- سورة " التكوير " ، وتسمى –أيضا- بسورة : " إذا الشمس كورت " ، وهي من السور المكية بلا خلاف ، وعدد آياتها : تسع وعشرون آية .
وتعتبر من أوائل السور القرآنية نزولا ، فهي السورة السادسة أو السابعة في ترتيب النزول ، فقد كان نزولها بعد سورة الفاتحة . وقبل سورة " الأعلى " .
أخرج الإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سرَّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأيُ العين ، فليقرأ " إذا الشمس كورت " . " وإذا السماء انفطرت " " وإذا السماء انشقت " .
2- والمتأمل في هذه السورة الكريمة ، يراها في نصفها الأول ، تسوق أمارات يوم القيامة وعلاماته ، بأسلوب مؤثر يبعث في القلوب الخوف والوجل .
ويراها في نصفها الثاني تؤكد أن هذا القرآن الكريم من عند الله –تعالى- ، وليس من كلام البشر ، وأن جبريل الأمين قد نزل به على قلب النبي صلى الله عليه وسلم .
تكرر لفظ " إذا " فى هذه الآيات اثنى عشرة مرة ، وجواب الشرط قوله : { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ } . وهذا التكرار بلفظ إذا من مقاصده التشويق للجواب ، لأن السامع عندما يجد هذا الظرف وقد تكرر يكون فى ترقب وشوق لمعرفة الجواب .
وعندما يسمعه يتمكن من نفسه كل التمكن .
ولفظ " الشمس مرفوع على أنه فاعل بفعل محذوف يفسره ما بعده ، أى : إذا كورت الشمس كورت ، وأصل التكوير : لف الشئ على جهة الاستدارة ، تقول : كورت العمامة ، إذا لففتها .
قال صاحب الكشاف : فى التكوير وجهان : أحدهما : أن يكون من كورت العمامة إذا لففتها . أى : يلف ضوء الشمس لفا فيذهب انبساطه وانتشاره فى الآفاق ، وهو عبارة عن إزالتها والذهاب بها ، لأنها ما دامت باقية ، كان ضياؤها منبسطا غير ملفوف .
وثانيهما : أن يكون لفها عبارة عن رفعها وسترها ، لأن الثواب إذا أريد رفعه ، لف وطوى ونحوه قوله - تعالى - : { يَوْمَ نَطْوِي السمآء } أى : إذا الشمس أزيل ضوؤها بعد انتشاره وانبساطه ، فأصبحت مظلمة بعد أن كانت مضيئة ، ومستترة بعد أن كانت بارزة .
هذه السورة مكية وآياتها تسع وعشرون . وهي ، حقا مرعبة مفزعة ، فما يقرأها متدبر خاشع أو يتملاها وخياله وجنانه حتى تأخذه موجة من الذهول العارم ، وتغشاه غاشية من الفزع والوجوم . ذلك ما يستشعره المرء وهو يتلو هاتيك الآيات المتتابعة من هذه السورة العجيبة . آيات مفعمة عجاب يتبع بعضها بعضا في تعاقب رتيب مثير ، وفي إيقاع شديد بالغ يصخّ رنينه أعماق القلب و الحس فيشدههما شدها . ولا عجب فإنك ترى السورة بآياتها الندية وكلماتها المفخمة العذاب تنشر للخيال صورة وافية متكاملة عن أحداث القيامة وقوارعها العظام . فما يتلو القارئ هذه الآيات والكلمات حتى ليوشك أن ينظر إلى القيامة فيراها رأي العين . وفي ذلك أخرج أحمد والترمذي والطبراني والحاكم عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ : { إذا الشمس كوّرت ، وإذا السماء انفطرت ، وإذا السماء انشقت } " .
أما يوم القيامة فإنه بفظاعته وجسيم أحداثه ونوازله لهو أشبه بانقلاب كوني رعيب مخوف يأتي على الوجود كله فيهدّه هدّا ويدركه أيما اندكاك ثم يبدل كل شيء فيه تبديلا .
{ إذا الشمس كوّرت 1 وإذا النجوم انكدرت 2 وإذا الجبال سيّرت 3 وإذا العشار عطلت 4 وإذا الوحوش حشرت 5 وإذا البحار سجّرت 6 وإذا النفوس زوّجت 7 وإذا الموءودة سئلت 8 بأي ذنب قتلت 9 وإذا الصحف نشرت 10 وإذا السماء كشطت 11 وإذا الجحيم سعرت 12 وإذا الجنة أزلفت 13 علمت نفس ما أحضرت } .
هذه جملة أحداث مريعة في يوم القيامة ، وهي تكشف عن فظاعة هذا اليوم العصيب . لا جرم أن الساعة حدث مفظع هائل يفوق البال ويجاوز كل تصور وحسبان . إنه انفلات كامل لنواميس هذا الكون ونهاية عظمى لحركة الحياة في هذه الدنيا . بل إنه انقلاب شامل يأتي على الوجود كله فيبدله تبديلا . وهذه حقائق كبريات تكشف عنها هذه الآيات المؤثرة المصوّرة أيما تأثير وتصوير وهي قوله : { إذا الشمس كوّرت } من التكوير وهو جمع الشيء بعضه على بعض . ومنه تكوير العمامة وجمع الثياب بعضها إلى بعض . وكورت ، أي جمع بعضها إلى بعض ثم لفت فرمي بها وطرحت عن فلكها . وقيل : طرحت في جهنم لازدياد حرها ولهيبها .