ولما أتم سبحانه ما أراد من ذكر المنزل والمنزل ، وأخبر عن طعنهم في المنزل الذي هو المقصود بالذات من الرسالة ، وأقام تعالى ذلك الدليل على كذبهم ، أتبعه الإخبار عن طعنهم في الرسول الآتي به ، فقال معجباً من عقولهم التي يعدونها أصفى العقول أفكاراً ، وأعلاها آثاراً ، فيما أبدوه من ذلك مما ظنوا أنه دليل على عدم الرسالة ، ولا شيء منه يصلح أن يكون شبهة لذي مسكة من أمره ، فضلاً عن أن يكون دليلاً : { وقالوا } أي مستفهمين تهكماً بوصفه ، قادحين فيه بفعله ، قول من هو على ثقة من أن وصف الرسالة ينافيه : { مال هذا } والإشارة على هذا الوجه تفهم الاستهانة والتصغير ؛ ثم أظهروا السخرية بقولهم : { الرسول } أي الذي يزعم أنه انفرد عن بقية البشر في هذا الزمان بهذا الوصف العالي { يأكل الطعام } أي مثل ما نأكل { ويمشي في الأسواق } أي التي هي مطالب الدنيا ، كما نمشي .
ولما كانت ترجمة ما مضى : ما له مثلنا وهو يدعي الاختصاص عنا بالرسالة ؟ أتبعوه التعنيف على عدم كونه على واحد من وجوه مغايرة على سبيل التنزل جواباً لمن كأنه قال : فماذا يفعل ؟ بقولهم : { لولا } أي هلا ، وهي تأتي للتوبيخ ، وهو مرادهم { أنزل } أي من السماء ، من أيّ منزل كان ، منتهياً { إليه } أي على الهيئة التي هو عليها في السماء { ملك } أي من ملائكة الله على هيئاتهم المباينة لهيئات الآدميين { فيكون } بالنصب جواباً للتحضيض ذلك الملك وإن كان هو إنساناً { معه نذيراً* } فيكون ممتازاً بحال ليس لواحد منا ، ليكون أهيب في النذارة ، لما له من الهيبة والقوة ، وكأنهم عبروا بالماضي إعلاماً بأن مرادهم كونه في الظهور لهم على غير الهيئة التي يخبرهم بها من تجدد نزول الملك عليه في كل حين مستسراً بحيث لا ينظره غيره ، أو لأن الملك يمكن أن يكون على حالة المصاحبة له للنذارة ، وإنما لا يتحول عنها بصعود إلى السماء ولا غيره ، بخلاف الكنز فإنه للنفقة ، فإن لم يتعهد كل وقت نفد ، وهذا سر التعبير ب " إلى " دون " على " التي هي للتغشي بالوحي ، ولذلك عبروا بالمضارع في قولهم ، متنزلين عن علو تلك الدرجة : { أو يلقى }
قوله تعالى : ( وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ( 7 ) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ( 8 ) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيل ( 9 ) ا تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ( 10 ) بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب الساعة سعيرا ( 11 ) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا ( 12 ) وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ( 13 ) لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ( 14 ) ) الضمير في ( وقالوا ) عائد إلى المشركين من أهل مكة فقد سألوا- على سبيل الاستهزاء والتهكم- ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) ( ما ) ، استفهامية في محل رفع مبتدأ . والجار والمجرور بعدها في محل رفع خبر المبتدأ . و ( يأكل ) ، جملة فعلية حالية . وقد كتبت لام الجر مفصولة من مجرورها ، وهو خارج عن قياس الخط{[3301]} . على أن استفهام المشركين مستهجن يهذي به الظالمون السفهاء ، وهم يحفزهم إلى ذلك عتادهم وضلالتهم وهوان أحلامهم ؛ إذ قالوا لرسول الله : ما لك وأنت مرسل من ربك تأكل الطعام وتقف بالأسواق متجرا ملتمسا المعاش والرزق ؟ وتسميتهم له بالرسول ليس عن تصديق ؛ بل على سبيل التهكم والسخرية . فقد قالوا : إن كان حقا نبيا ، فما له يأكل الطعام كما نأكله نحن ، ويتردد في الأسواق من أجل العمل والاتجار كما نعمل ونتّجر ؛ أي لزم أن يكون ملكا من الملائكة ، ليكون مستغنيا عن السعي وطلب الرزق وتحصيل المعاش . وهذا هو مقتضى قوله : ( لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ) رجعوا عن اقتراحهم بكونه ملكا إلى كونه إنسانا معه ملك يعززه في الإنذار والتبليغ والتخويف .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.