تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا} (83)

ذكراً : خبرا .

اختلف المؤرخون والمفسرون في شخصية ذي القرنين ، فقال كثير من المفسرين : إنه اسكندر المقدوني ، وفي تاريخ ملوك حمير واقيال اليمن أن ذا القرنين هو تبَّع بن شمر يرعش . . وأنه غزا بلاد الروم وأوغل فيها حتى وصل إلى وادي الظلمات .

وفي رواية أنه الصعب بن تبع بن الحارث ويلقب بذي القرنين ، وروايات كثيرة ، وكلها من باب الرجم بالغيب والظن الذي لا يغني عن الحق شيئا .

ويقول أبو الكلام أراد في كتابه عن ذي القرنين أنه « كورش الأكبر » مؤسس الأسرة الأخمينية والذي يقول العقاد إننا إذا أمعنا النظر في التاريخ نجد أن أوصافه تنطبق على ما وصف به القرآن ذا القرنين ، إذ كان ملهماً وفاتحا عظيما ، غزا الأرض شرقا وغربا وأقام سدا ليصد به هجمات المغيرين من « يأجوج ومأجوج » على بلاده . وأما اسكندر المقدوني فقد كان وثنيا معروفا بالقسوة والوحشية ، ثم إن الاسكندر لا يعقل أن يكون هو باني سور الصين ، فهو أولا لم يصل الصين ، بل عاد من الهند حيث تمرد عليه رجاله ، وأن سد الصين بني بعده بنحو مائة وعشرين سنة . ما بين سنة 246 - 209 قبل الميلاد وبانيه معروف وهو الملك « ش هو انجتي » . وطول سد الصين 2400 كيلو متر استغرق بناؤه سنين عديدة . وسيأتي الكلام على السد ومكانه قريبا .

يسألك بعض زعماء قريش أيها الرسول عن نبأ ذي القرنين فقل لهم سأقص عليكم بعض أخباره روي في سبب نزول سورة الكهف أن زعماء قريش أرسلوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة ، وقالوا لهما : سلاهم عن محمد وَصِفا لهم صفته ، وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء . . فقال لهم اليهود : سلوه عن ثلاث ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإلا فهو رجل متقوِّل فروا فيه رأيكم : سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ، ما كان من أمرهم ، فإنهم كان لهم حديث عجيب ، وسلوه عن رجل طوّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبيّ فاتبعوه . . . فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، فأخبروهم بما قال اليهود . فجاؤا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه عن هذه الأمور الثلاثة . فقال : أخبركم غدا عما سألتم ولم يَقُلْ إن شاء الله ، ومكث خمس عشرة ليلة لم يأته الوحي . فأرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه ! وشق ذلك على النبي الكريم ، ثم جاءه جبريل بسورة الكهف . وهناك روايات أخرى في سبب النزول ولا يهمنا ذلك كله ، والمهم العبرة من القصص القرآني ويكفينا ذلك .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا} (83)

ولما فرغ من هذه القصة التي حاصلها أنها طواف في الأرض لطلب العلم ، عقبها بقصة من طاف الأرض لطلب الجهاد ، وقدم الأولى إشارة إلى علو درجة العلم لأنه أساس كل سعادة ، وقوام كل أمر ، فقال عاطفاً على

{ ويجادل الذين كفروا بالباطل }[ الكهف :56 ] { ويسألونك عن } الرجل الصالح المجاهد { ذي القرنين } {[47260]}سمي لشجاعته أو لبلوغه قرني مغرب الشمس ومشرقها ، أو لانقراض قرنين من الناس في زمانه ، أو لأنه كان له ضفيرتان من الشعر أو{[47261]} لتاجه قرنان{[47262]} ، وهو الإسكندر الأول - نقل ابن كثير عن الأزرقي{[47263]} أنه كان على زمن الخليل عليه السلام ، وطاف معه بالبيت ، ومن المناسبات الصورية أن في قصة{[47264]} كل منهما ثلاثة أشياء آخرها بناء جدار لا سقف له ، وإنما هو لأجل حفظ ما يهتم به خوف المفسد ، وصدّرها بالإخبار عن سؤالهم إشارة إلى أنهم لم يسألوا عن التي قبلها على ما فيها من العجائب واللطائف ، والأسرار والمعارف ، تبكيتاً لليهود في إغفال الأمر بالسؤال عنها إن كان مقصودهم الحق{[47265]} ، وإن لم يكن مقصوداً لهم كانوا بالتبكيت أجدر ، أو تكون معطوفة على مسألتهم الأولى وهي الروح ، وصدرها بالإخبار بالسؤال تنبيهاً على ذلك لطول الفصل ، إشارة إلى أن ذلك كله مرتبط بجوابهم ارتباط الدر بالسلك .

ولما كان من المعلوم أنه يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : {[47266]}فبماذا أجيبهم{[47267]} ؟ قال : { قل } {[47268]}أي لهم{[47269]} : { سأتلوا } {[47270]}أي أقص قصاً متتابعاً في مستقبل الزمان إن أعلمني الله به{[47271]} { عليكم } {[47272]}أيها المشركون وأهل الكتاب المعلمون لهم{[47273]} مقيداً بأن شاء الله كما سلف لك الأمر به { منه ذكراً * } كافياً لكم في تعرف أمره ، جامعاً لمجامع ذكره .


[47260]:العبارة من هنا إلى "لتاجه قرنان" ساقطة من ظ.
[47261]:من مد، وفي الأصل "و".
[47262]:زيد من مد والبحر المحيط 6 / 158.
[47263]:في ظ: الأزربي
[47264]:سقط من ظ.
[47265]:زيد من ظ ومد.
[47266]:من مد، وفي الأصل وظ: فيما إذا أجبتهم.
[47267]:من مد وفي الأصل وظ: فيما إذا أجبتهم.
[47268]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47269]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47270]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47271]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47272]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47273]:سقط ما بين الرقمين من ظ.