تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (17)

الذين هادوا : اليهود .

والصابئين : وهم فرقتان : جماعة يوحنا المعمدان واسمُهم المندائيون ، وصابئة حَران الذين عاشوا زمنا في كنف الإسلام . . وسيأتي في الشرح التعريف بهم .

المجوس : كلمة إيرانية ، أهلُها أتباع زرادشت . وهم يقدّسون الناروالشمس والقمر ، وقد انقرضت المجوسية أو كادت بعد استيلاء المسلمين على فارس .

الذين أشركوا : عبدةُ الأوثان .

إن الذين آمنوا بالله وبرسلِه جميعا واليهودَ ، والصابئين ( وهم فرقتان : جماعة المندائيين أتباع يوحنا المعمدان وصابئة حَرّان وقد ورد ذِكرهم في القرآن ثلاث مرات بجانب اليهود والنصارى ، مما يؤذن بأنهم أهلُ كتاب ، وقد فصّل تاريخهم وطقوسهم كل من الشهرستاني في « المِلل والنِحَل » والدمشقي في « نخبة الدهر في عجائب البحر » . وهم قوم لهم طقوس ، ويعدُّون من بين الروحانيين الذي يقولون بوسائط بينَ الله والعالم ، وهم يتطهرون بالماء إذا لمسوا جسداً ، ويحرّموا الخِتان ، كما يحرمون الطلاق إلا بأمر القاضي ، ويمنعون تعدُّد الزوجات ، ويؤدون ثلاث صلوات كل يوم . ولقد عاشوا متفرقين في العراق ، وكان مركزهم الرئيسي حَرّان ، ولغتهم السريانية ، وكان منهم المترجمون والرياضيون والنباتيون في صدر الإسلام كما نبغ منهم شخصيات عديدة . ومنهم بقية في العراق في الوقت الحاضر

والنصارى أتباع سيدنا عيسى . والمجوس : الذين يقدّسون النار ، ويقولون إن الخير من النور والشر من الظلام ، وهؤلاء تقريبا انقرضوا ولا يزال منهم بقية في الهند . والذين أشركوا هم عبدة الأوثان وهم كثيرون ، ولا يزال منهم عدد هائل في عصرنا الحاضر ، وهم منتشرون في إفريقيا ، وآسيا وكثير من البلدان . . ) إن الله سيفصل بين هؤلاء جميعا يوم القيامة بإظهار المحقّ من المبطِل منهم ، فهو مطّلع على كل شيء ، عالمٌ بأعمال خلقه وما تكنّه ضمائرهم .

تقدم في سورة البقرة 66 : { إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والنصارى والصابئين مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } فلم يذكر المجوس ولا الذين أشركوا ، وفي سورة المائدة 69 : { إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون والنصارى . . . . } فلم يذكر المجوسَ ولا الذين أشركوا .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (17)

ولما كان ذلك موجباً للسؤال ، عن حال الفريقين : المهدي والضال ، أجاب عن ذلك ببيان جميع فرق الضلال ، لأن لهذه السورة أتم نظر إلى يوم الجمع الذي هو مقصود السورة التي قبلها ، فقصد إلى استيعاب الفرق تصويراً لذلك اليوم بأليق صورة ، وقرن بكل من فريقي أهل الكتاب موافقة في معناه فقال : { إن الذين ءامنوا } أي من أيّ فرقة كانوا ، وعبر بالفعل ليشمل الإقرار باللسان ، الذي هو أدنى وجوه الإيمان { والذين هادوا } أي انتحلوا اليهودية ، على أيّ حال كانوا من إيمان أو كفران .

ولما كان اليهود عبدوا الأصنام متقربين بها إلى النجوم كما مضى في المائدة ، أتبعهم من شابهوه فقال : { والصابئين } ثم تلا بثاني فريقي أهل الكتاب فقال : { والنصارى } ثم أتبعهم من أشبهه بعض فرقهم في قولهم بإلهين اثنين فقال : { والمجوس } وهم عبدة النار ؛ ثم ختم بأعم الكل في الضلال كما فتح بأعمهم في الهدى فقال : { والذين أشركوا } لشموله كل شرك حتى الأصغر من الربا وغيره { إن الله } أي الملك الأعظم الذي له الملك كله وهو أحكم الحاكمين { يفصل بينهم يوم القيامة } فيجازي كلاًَّ بعمله على ما يقتضيه في مجاري عاداتكم ، ويقتص لبعضهم من بعض ، ويميز الخبيث منهم من الطيب ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي الجامع لجميع صفات الكمال { على كل شيء } من الأشياء كلها { شهيد* } فلا شيء إلا وهو به عليم ، فهو لذلك على كل شيء قدير ، كما مضى بيانه في

{ وسع كل شيء علماً }[ طه : 98 ] في طه ، وقال الحرالي في شرح الأسماء الحسنى : الشهادة رؤية خبرة بطية الشيء ودخلته ممن له غنى في أمره ، فلا شهادة إلا بخبرة وغنى ممن له اعتدال في نفسه بأن لا يحيف على غيره ، فيكون ميزان عدل بينه وبين غيره ، فيحق له أن يكون ميزاناً بين كل متداعيين ممن يحيط بخبرة أمرهما{ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً }[ البقرة : 143 ] وبحسب إحاطة علم الشهيد ترهب شهادته ، ولذلك أرهب شهادة شهادة الله على خلقه{ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله }[ الأنعام : 19 ] ولما كان أيّما الإحاطة والخبرة والرقبة لله كان بالحقيقة لا شهيد إلا هو - انتهى .