اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} (17)

قوله تعالى : { إِنَّ الذين آمَنُواْ } الآية . لما قال : { وَأَنَّ الله يَهْدِي مَن يُرِيدُ } [ الحج : 16 ] أتبعه ببيان من يهديه ومن لا يهديه . واعلم أن ( إن ) الثانية واسمها وخبرها في محل رفع خبراً ل «أن » الأولى{[30497]} قال الزمخشري{[30498]} : وأدخلت «إنَّ » على كل واحد من جزأي الجملة لزيادة التأكيد ونحوه قول جرير :

إنَّ الخَلِيفَة إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ *** سِرْبَالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجَى الخَوَاتِيم{[30499]}

قال أبو حيان : وظاهر هذا أنه شبه{[30500]} البيت بالآية ، وكذلك قرنه الزجاج{[30501]} بالآية ، ولا يتعين أن يكون البيت كالآية ، لأن البيت يحتمل أن يكون ( إن الخليفة ) {[30502]} خبره ( به ترجى الخواتيم ) ويكون ( إنَّ{[30503]} اللَّهَ سَرْبَلَهُ ) جملة اعتراض بين اسم ( إنَّ ) وخبرها بخلاف الآية فإنه يتعين قوله : { إِنَّ الله يَفْصِلُ }{[30504]} وحسن دخول «إن » على الجملة الواقعة خبراً لطول الفصل بينهما بالمعاطيف{[30505]} . قال شهاب الدين : قوله : فإنه يتعين قوله : { إِنَّ الله يَفْصِلُ }{[30506]} يعني أن يكون خبراً . ليس كذلك ، لأن الآية محتملة لوجهين آخرين ذكرهما الناس :

الأول : أن يكون الخبر محذوفاً تقديره : يفترقون{[30507]} يوم القيامة ونحوه ، والمذكور تفسير{[30508]} له كذا ذكره أبو البقاء {[30509]} .

والثاني : أن «إن » الثانية تكرير{[30510]} للأولى على سبيل التوكيد{[30511]} ، وهذا ماش على القاعدة وهو أن الحرف إذا كرر توكيداً أعيد معه ما اتصل به{[30512]} أو ضمير ما اتصل به ، وهذا قد أعيد معه ما اتصل به أولاً ، وهي الجلالة المعظمة فلم يتعين أن يكون قوله { إِنَّ الله يَفْصِلُ } خبراً ل «إنَّ » الأولى{[30513]} كما ذكر{[30514]} . واختلف العلماء في المجوس ، فقيل : قوم يعبدون النار ، وقيل : الشمس والقمر وقيل : اعتزلوا النصارى ولبسوا المسوح{[30515]} ، وقيل : أخذوا من دين النصارى شيئاً ومن دين اليهود{[30516]} شيئاً ، وهم القائلون بأن للعالم أصلان ، نور وظلمة ، وقيل هم قوم يستعملون النجاسات ، والأصل : نجوس - بالنون - فأبدلت ميماً {[30517]} .

ومعنى { يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة } أي : يحكم بينهم ، { إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } أي : عالم{[30518]} بما يستحقه كل منهم ، فلا يجري في ذلك الفصل ظلم ولا حيف {[30519]} .


[30497]:انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج 3/171، التبيان 2/936.
[30498]:الكشاف 3/28.
[30499]:البيت من بحر البسيط قاله جرير، اللسان (ختم)، وقد تقدم.
[30500]:في ب: أشبه.
[30501]:قال الزجاج: (وخبر "إن" الأولى جملة الكلام مع "إن" الثانية. وقد زعم قوم أن قولك: إن زيدا إنه قائم رديء. وأن هذه الآية إنما صلحت في الذي. ولا فرق بين الذي وغيره في باب (إن)، إن قلت: إن زيدا إنه قائم كان جيدا، ومثله قول الشاعر: إن الخليفة إن الله سربله *** ... البيت وليس بين البصريين خلاف في أن "إن" تدخل على كل ابتداء وخبر، تقول: إن زيدا هو قائم وإن زيدا إنه قائم) معاني للقرآن وإعرابه 3/417 – 418.
[30502]:في ب: أن يكون كالخليفة وهو تحريف.
[30503]:إن سقط من ب.
[30504]:أي: يتعين أن يكون خبرا.
[30505]:البحر المحيط 6/359.
[30506]:في ب: "إن الله يفصل بينهم".
[30507]:في ب: يعترفون. وهو تحريف.
[30508]:في ب: يفسر. وهو تحريف.
[30509]:التبيان 2/936، وانظر أيضا البيان 2/171.
[30510]:في ب: تكرار.
[30511]:انظر التبيان 2/936.
[30512]:إذا كان المؤكد حرفا غير جواب عاملا أو غيره لم يعد اختبارا إلا مع ما دخل عليه إن كان مضمرا نحو قوله تعالى: {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون} [المؤمنون: 35] وإن كان ظاهرا يعاد هو أو ضميره نحو إن زيدا إن زيدا فاضل أو إن زيدا إنه فاضل، ولا بد من الفصل بين الحرفين كما سبق وشذ اتصالهما كقوله: إن إنّ الكريم يحلم ما لم *** يرين من أجاره قد ضيما الهمع 2/125، شرح الأشموني 3/82-83.
[30513]:في ب: الأول.
[30514]:أي: كما ذكر أبو حيان.
[30515]:في ب: المنسوخ. وهو تحريف والمسوح: جمع المسح، وهو الكساء من الشعر. اللسان (مسح).
[30516]:في ب: من اليهود.
[30517]:الدر المصون: 5/67.
[30518]:عالم: سقط من ب.
[30519]:انظر الفخر الرازي 23/20.