ومن استهزائهم بكم : أنكم إذا أذّن مؤذّنكم داعياً إلى الصلاة استهزؤوا بها ، وسخِروا منكم وتضاحكوا أو لعبوا فيها ، وذلك أنهم قوم لا يدركون الفرق بين الهدى والضلال .
الإسلام يأمر بالسماحة وحسن المعاملة لأهل الكتاب عامة وللنصارى خاصة إذا كانوا غير محاربين لنا ، وللمواطنين بيننا ، وأما المعادون لنا ، الذين يساعدون إسرائيل فهم أعداء لا يجوز موالاتهم ، فمن ولاهم فقد عصى الله .
نقم منه كذا : أنكره عليه وعابه بالقول أو الفعل .
بعد النداءات الثلاثة التي مرت { يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى . . . } و { يا أيها الذين آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ . . . } و { يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً . . . } يتوجّه الخِطاب إلى الرسول أن يواجه أهلَ الكتاب فيسألهم ماذا ينقمون من المسلمين ؟ قل لهم يا محمد : أنتم يا أهل الكتاب ، هل تعيبون علينا شيئا غير إيماننا الصادق بالله وتوحيدِه ، وإيماننا بما أَنزل الله إلينا وسابقينا من رُسُله ، واعتقادنا الجازم أن أكثركم خارجون عن حظيرة الإيمان الصحيح ؟
روى ابن جرير عن ابن عبّاس قال : أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نفرٌ من اليهود منهم أبو ياسر أخطب ، ورافع بن أبي رافع في جماعة ، فسألوه عمَّن يؤمن به من الرسل فقال : «أومن بالله وما أُنزل إلينا ، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيّون من ربهم ، لا نفرّق بين أحدٍ منهم ونحنُ له مسلمون » .
ولما عم في بيان استهزائهم جميع الدين ، خص روحه وخالصته وسره فقال{[26498]} : { وإذا ناديتم } أي دعا بعضكم الباقين إلى الإقبال إلى الندى وهو المجتمع ، فأجابه الباقون بغاية الرغبة ، ومنه دار{[26499]} الندوة ، أو يكون المعنى أن{[26500]} المؤذن كلم{[26501]} المسلمين برفع صوته كلام من هو معهم{[26502]} في الندى بالقول فأجابوه بالفعل ، فكان ذلك مناداة - هذا أصله ، فعبر بالغاية التي يكون الاجتماع بها{[26503]} فقال مضمناً له الانتهاء : { الى الصلاة } أي{[26504]} التي هي أعظم دعائم الدين ، وموصل إلى الملك العظيم ، وعاصم{[26505]} بحبله المتين{[26506]} { اتخذوها } على ما لها من العظمة والجد والبعد من الهزء بغاية هممهم{[26507]} وعزائمهم { هزواً ولعباً } فيتعمدون{[26508]} الضحك والسخرية ويقولون : صاحوا كصياح العير - ونحو هذا ، وبين سبحانه أن سبب ذلك عدم انتفاعهم بعقولهم فكأنهم{[26509]} لا عقول لهم ، وذلك لأن تأملها - في التطهر لها وحسن حال فاعلها عند التلبس بها من التخلي{[26510]} عن الدنيا جملة والإقبال على الحضرة الإلهية ، والتحلي{[26511]} بالقراءة{[26512]} لأعظم الكلام ، والتخشع والتخضع لملك الملوك الذي لم تخف{[26513]} عظمته على أحد ، ولا نازع قط في كبريائه وقدرته منازع - بمجرده كافٍ في اعتقاد حسنها وجلالها وهيبتها وكمالها فقال : { ذلك } أي الأمر العظيم الشناعة { بأنهم قوم } وإن كانوا أقوياء لهم قدرة على القيام في الأمور { لا يعقلون * } أي ليست لهم هذه الحقيقة ، ولو كان لهم شيء من عقل لعلموا أن النداء بالفم أحسن من التبويق{[26514]} وضرب الناقوس بشيء لا يقاس ، وأن التذلل بين يدي الله بالصلاة أمر لا شيء أحسن منه بوجه ، وللأذان من الأسرار ما تعجز عنه الأفكار ، منه أنه جعل تسع عشرة كلمة ، ليكف الله به عن قائله خزنة النار التسعة عشر{[26515]} ، وجعلت الإقامة إحدى عشرة كلمة رجاء أن يكون معتقدها رفيقاً لأحد عشر : العشرة المشهود لهم بالجنة ، وقطبهم وقطب الوجود كله النبي صلى الله عليه وسلم ، وناهيك أن من أسراره أنه جمع الدين كله أصولاً وفروعاً - كما بينت ذلك في كتابي " الإيذان بفتح أسرار التشهد والأذان " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.