تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91)

بعد أن أمر الله تعالى باجتناب الخمر والميسر ذكر أن فيهما مفسدتين : إحداهما : دنيوية ، هي إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس . والثانية : دينية هي الصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة التي هي عماد الدين . ثم أكد بذلك بهذا الاستفهام بقوله تعالى : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } ، أي انْتَهُوا عن هذه الأشياء .

وأسمعُ بعض الناس يقولون : إن الخمر غير محرّمة ، لأنه لم يقل الله أنها حرام صراحةً بل قال : اجتنبوه .

وقولهم هذا كلام فيه الهوى والتذرّع بالتلاعب بالألفاظ لتعليل الأمور التي يحبونها ، فالقرآن ليس كتاب فقه حتى ينصّ على كل شيء بأنه حرام أو حلال ، وإنما هو قرآن كريم له أسلوب عربي فريد لا يدانيه أسلوب . وأكبر دليل على تحريم الخمر تحريما نهائياً أن الله تعالى قرن الخمر بالميسر الذي هو القمار ، وبالأزلام والأنصاب ، وقد جاء تحريم الأزلام والأنصاب صريحاً بقوله تعالى في أول هذه السورة { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وَمَآ أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام ذلكم فِسْقٌ . . . } الآية ولما نزلت { إِنَّمَا الخمر والميسر . . . } الآية قال سيدُنا عمر : أُقرِنْتِ بالميسِر والأنصابِ والأزلام ، بعداً لكِ وسحُقا .

فإذا كانت عبادة الأصنام والذبحُ عندها تقرّباً لها حلالا ، فإن الخمر تكون حلالا ، وإذا كانت الأزلام والاستقسام بها حلالا ، فإن الخمر تكون كذلك ، وإذا كان الميسر والمقامرة حلالاً فإن الخمر كذلك تكون حلالا . . فالذين يقولون بتحليلها أناس يتّبعون أهواءهم ، ولا يخشَون الله فيما يقولون .

والأزلام : هي سهام من خشب ، وهي ثلاثة أقسام . ( 1 ) قِداح الميسر وهي عشرة وأسماؤها كما يلي : الفَذّ والتوأم والرقيب والحِلْسُ والنافِس والمُسيل والمعلَّى والمَنِيح والسَّفِيح والوغد ، ولكل واحدٍ من هذه نصيبٌ إذا فاز ، وإذا خاب عليه ذلك النصيب . وأعلاها المعلَّى له سبعة أجزاء . ( 2 ) والقسم الثاني : ثلاثة أزلام : مكتوب على أحدها : أمرني ربي ، وعلى الثاني نهاني ربي ، والثالث غُفل ليس عليه كتابة . ( 3 ) وهذا القسم للأحكام .

وكانت العرب في الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً أو تجارة أو نكاحاً أو اختلفوا في نسب ، أو أمر قتيل أو تحمُّل دية مقتول أو غير ذلك من الأمور ، جاء إلى هُبَل ، أعظم صنم في الكعبة لقريش ، وقدّم مائة درهم إلى السادن ، فيخرج له القداح ويسحب واحداً منها من الكيس التي هي فيه . فإذا خرج أمرني ربي ، أمضى عمله ، وإلا تركه .

ولقد حرم الإسلام هذه الأمور لأنها تشتمل على مفاسد ، والإسلام يريد أن يبني مجتمعاً نقيا طاهرا .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91)

ولما كانت حكمة النهي عن الأنصاب والأزلام قد تقدمت في أول السورة ، وهي أنها فسق ، اقتصر على بيان علة النهي عن الخمر والميسر إعلاماً بأنهما المقصودان بالذات ، وإن كان الآخرينَ ما ضما{[27581]} إلا لتأكيد تحريم هذين - كما تقدم ، لأن المخاطب أهل الإيمان ، وقد كانوا مجتنبين لذينك ، فقال مؤكداً لأن الإقلاع عما حصل التمادي في المرون عليه يحتاج{[27582]} إلى مثل ذلك : { إنما يريد الشيطان } أي بتزيين الشرب والقمار لكم { أن يوقع بينكم العداوة } .

ولما كانت العداوة قد تزول أسبابها ، ذكر ما ينشأ عنها مما إذا{[27583]} استحكم تعسر{[27584]} أو تعذر زواله ، فقال : { والبغضاء في الخمر والميسر } أي تعاطيهما لأن الخمر تزيل العقل ، فيزول المانع من إظهار الكامن من الضغائن والمناقشة والمحاسدة ، فربما أدى ذلك إلى حروب طويلة وأمور مهولة ، والميسر يذهب المال فيوجب ذلك الإحنة على من سلبه ماله ونغص عليه أحواله{[27585]} .

ولما ذكر ضررهما في الدنيا ، ذكر ضررهما في الدين فقال : { ويصدكم عن ذكر الله } أي الملك الأعظم الذي لا إله لكم{[27586]} غيره ولا كفوء له ، وكرر الجار تأكيداً{[27587]} للأمر وتغليظاً{[27588]} في التحذير فقال : { وعن الصلاة } أما في الخمر فواضح ، وأما في الميسر فلأن الفائز{[27589]} ينسى ببطر{[27590]} الغلبة ، والخائب{[27591]} مغمور بهمه ، وأعظم التهديد بالاستفهام والجملة الاسمية الدالة على الثبات بعد التأكيد بالحصر والضم إلى فعل الجاهلية وبيان الحِكَم الداعية إلى الترك والشرور{[27592]} المنفرة عن الفعل فقال : { فهل أنتم منتهون * } أي قبل أن يقع بكم ما لا تطيقون .


[27581]:في ظ: هما.
[27582]:في ظ: محتاج.
[27583]:سقط من ظ.
[27584]:في ظ: بعسر.
[27585]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[27586]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[27587]:في ظ: لأمر وتعظيما.
[27588]:في ظ: لأمر وتعظيما.
[27589]:في الأصل: ينس ببطر، وفي ظ: ينسى ببظر- كذا.
[27590]:في الأصل: ينس ببطر، وفي ظ: ينسى ببظر- كذا.
[27591]:في الأصل: الجانب، وفي ظ: الجابت- كذا.
[27592]:في ظ: النشرو- كذا.