الأنصاب : الأصنام التي نصبت للعبادة ، وكانوا يذبحون قرابينهم عندها . الأزلام : قِداح أعواد من الخشب بهيئة السهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية .
الرجس : المستقذَر حساً أو معنى .
بعد أن نهى سبحانه عن تحريم الحلال من الطيبات ، وأمر بأكل الطيّب من الرزق ، نظر إلى الخمر والميسر والأزلام . وكانت هذه من الطيبات في الجاهلية ، وكان العرب يشربون الخمر بإسراف ، بل يجعلونها من المفاخر التي يتسابقون في مجالسها . وكان يصاحب مجلسَ الشراب نحرُ الذبائح ، واتخاذ الشواء منها للشاربين ، والمقامرة عليها بالأزلام . كذلك كانوا يذبحون قرابينهم عند الأنصاب . . فنهى الله تعالى عن هذه المفاسد كلها نهياً قاطعاً ، بعد أن مهد لتحريم الخمر مرتين من قبل هذه الآية .
وأول ما ذُكرت الخمر في سورة النحل ، وهي مكيّة ، في قوله تعالى { وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً . . . . } الآية .
ثم نزل في المدينة وفي سورة البقرة : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا . . . . } الآية فالمنافع في الربح والتجارة ، والإثم في الشر والمفاسد التي تنجم عنهما . وقد تركها بعضُ الصحابة ، واستمر آخرون .
ثم نزل قوله تعالى في سورة النساء : { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ . . . } الآية كذلك تركها البعضُ واستمرّ عليها آخرون . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه دائما يقول : اللهم بَيّن لنا في الخمر . وقد حدثت حوادث بين بعض الأنصار ونفرٍ من قريش ، وهم على الشراب ، وكان من جملة الذي لحقهم أذى سعد بن أبي وقّاص حيث ضربه أحد الأنصار ففَزَر له أنفه . وحين نزلت { يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب . . . } الآية كانت الحاسمة في تحريم الخمر تحريماً قاطعاً .
يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله : إن الخمر التي تشربونها ، والميسر الذي تقامرون به ، والأصنام التي تذبحون عندها قرابينكم ، والأزلام التي تستقسمون بها ، كل ذلك رِجسٌ قذِر من إغواء الشيطان لكم ، وقد كرهه الله لكم ولذلك حرّمها ، فاجتنبوها نهايئاً ، رجاء أن تفلحوا وتفوزوا برضاه .
ولما تم بيان حال المأكل و{[27551]} كان داعية إلى المشرب ، احتيج إلى بيانه ، {[27552]} فبين تعالى{[27553]} المحرم منه . فعلم أن ما عداه مأذون في التمتع به ، وذلك محاذٍ في تحريم شيء مقترن باللازم{[27554]} بعد{[27555]} إحلال آخر لما في أول السورة من تحريم الميتة وما ذكر معها بعد{[27556]} إحلال بهيمة الأنعام وما معها ، فقال تعالى مذكراً لهم بما أقروا به من الإيمان الذي معناه الإذعان : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا به . ونبههم على ما يريد العدو بهم من الشر بقوله تعالى : { إنما الخمر } وهي{[27557]} كل ما أسكر سواء فيه قليله وكثيره{[27558]} ، وأضاف إليها ما واخاها في الضرر ديناً ودنيا وفي كونه سبباً للخصام وكثرة اللغط المقتضي للحلف والإقسام تأكيداً لتحريم الخمر بالتنبيه على أن الكل من أفعال الجاهلية ، فلا فرق بين شاربها والذابح على النصب والمعتمد على الأزلام فقال : { والميسر } أي الذي تقدم ذكره في البقرة { والأنصاب والأزلام } المتقدم{[27559]} أيضاً{[27560]} ذكرُهما أول السورة ، والزلم : القدح لا ريش له - قاله البخاري ؛ وحكمة ترتيبها هكذا{[27561]} أنه لما كانت الخمر غاية في الحمل على إتلاف المال ، قرن بها ما يليها في ذلك وهو{[27562]} القمار ، ولما كان الميسر مفسدة المال ، قرن به{[27563]} مفسدة الدين وهي الأنصاب ، ولما كان تعظيم الأنصاب شركاً جلياً إن عبدت ، وخفياً إن ذبح عليها دون عبادة ، قرن بها نوعاً من الشرك الخفي و{[27564]} هو الاستقسام بالأزلام : ثم أمر باجتناب الكل إشارة وعبارة على أتم وجه فقال : { رجس } أي قذر أهل لأن يبعد عنه بكل اعتبار حتى عن ذكره سواء كان عيناً أو معنى ، وسواء كانت الرجسية في الحس أو{[27565]} المعنى ، ووحد الخبر للنص على الخمر والإعلام بأن أخبار الثلاثة حذفت وقدرت ، لأنها{[27566]} {[27567]} أهل لأن{[27568]} يقال في كل واحد منها على حدتها كذلك ، ولا يكفي عنها{[27569]} خبر واحد على سبيل الجمع ؛ ثم زاد في التنفير عنها تأكيداً لرجسيتها بقوله : { من عمل الشيطان } أي المحترق البعيد ، ثم صرح بما اقتضاه السياق من الاجتناب فقال : { فاجتنبوه } أي تعمدوا أن تكونوا عنه في جانب آخر غير جانبه . وأفرد{[27570]} لما تقدم من الحِكَم ، ثم علل بما يفهم أنه لا فوز بشيء من المطالب مع مباشرتها فقال : { لعلكم تفلحون * } أي تظفرون بجميع مطالبكم ، روى البخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : " لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء " وفي رواية : " نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب " وفي رواية عنه : " سمعت عمر على منبر النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة : من العنب - وفي رواية : من الزبيب - والتمر والعسل والحنطة والشعير ، والخمر ما خامر{[27571]} العقل " وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " ما كان لنا خمر غير فضيخكم{[27572]} هذا{[27573]} ، {[27574]} وإني{[27575]} لقائم أسقي أبا طلحة وفلاناً وفلاناً إذ{[27576]} جاء رجل فقال{[27577]} : حرمت الخمر ، قالوا : أهرق هذه القلال يا أنس ! فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل " و{[27578]} في رواية عنه : " حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلاً ، وعامة{[27579]} خمرنا البسر{[27580]} والتمر " قال الأصبهاني : وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.