حُرُم : مفرده حرام ، للذكر والأنثى ، وهو المحرِم بحج أو عمرة .
النعم : الحيوان من البقر والضأن والإبل .
العدل : بفتح العين ، المُساوي للشيء .
الوبال : الشدة ، وسوء العاقبة .
يا أيها الذين آمنوا ، إن الله يختبركم في الحج بتحريم صيد الحيوان البريّ بأيديكم أو برماحكم ، ليُظهر الذين يراقبونه منكم في غيبية من أعين الخلق ويعلم إطاعتكم لأوامره . وما ذلك إلا تربية لكم وتزكية لنفوسكم ، فمن اعتدى بأن أخذ شيئاً من ذلك الصيد بعد هذا التحريم فله عذاب شديد في الآخرة .
وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن هذا البلدَ حرام ، لا يُعضَد شجره ، ولا يُختلى خلاه ، ولا يُنفَّر صيده ، ولا تُلتقط لُقطتُه إلا لمعرّف » .
يُعضد شجرة : يقطع . الخلا : الرطب من النبات ، ويختلى : يُحَشّ .
ولا يجوز قتل أو صيد أي حيوان أو طير ما عدا «الغراب والحَدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور والحيّة » كما ورد في الأحاديث الصحيحة .
وفي الصحيحين ، أن رسول الله عليه السلام قال : «إن إبراهيم حرَّم مكةَ ودعا لها ، وإنّي حرّمتُ المدينة كما حرّم إبراهيمُ مكة » ، كما قال : «المدينةُ حَرَمٌ ما بين عِيرَ إلى ثَور » .
عير : جبل كبير في القسم الجنوبي من المدينة . ثور : جبل صغير خلف جبل أحُد .
يا أيها الذين آمنوا ، لا تقتلوا الصيد وقد نويتم الحج والعمرة . ومن فعله منكم قاصداً فعليه أن يؤدي نظير الصيد الذي قتله ، يُخرجه من الإبل والبقر والغنم ، بمعرفة رجلَين عادلين منكم يحكمان به ، ويقدّم ذلك هدية للفقراء عند الكعبة . . أو يدفع بدله إليهم . . أو يُخرج بقيمة المِثْل طعاماً للفقراء ، لكل فقير ما يكفيه يومه . هذه كفّارة مسقطة لذنب تعدّيه على الصيد في الوقت الممنوع . فإذا عجز عن الثلاثة السابقات ، فإن عليه أن يصوم أياماً بعدد الفقراء الذين كانوا يستحقّون الطعام لو أخرجه .
وقد شُرع ذلك ليحس المعتدي بنتائج جرمه . لقد عفا الله عما سبق قبل التحريم ، أما من عاد إلى قتل الصيد وهو محرم بعد النهي فإن الله سيعاقبه ، والله غالب على أمره ، ذو انتقام شديد ممن يصر على الذنب .
والآية صريحة في أن الجزاء الدنيوي يمنع عقاب الآخرة إذا لم يتكرر الذنب ، فإن تكرر استُحق .
أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال : إذا قتل المحرِم شيئاً من الصيد فعليه الجزاء ، فإن قتل ظبياً أو نحوه فعليه ذبحُ شاة في مكة ، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين ، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام .
أما إن قتل أيّلاً «من بقر الوحش » فعليه بقرة ، فإن لم يجد صام عشرين يوما . وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحو ذلك فعليه بُدنة من الإبل ، فان لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا ، فإن لم يجد صام ثلاثين يوما ، والطعام مدُّ يشبعهم .
قرأ الكوفيون ويعقوب « فجزاءُ مثلُ » برفع جزاء ومثل ، وقرأ الباقون «فجزاءُ مثلٍ » برفع جزاء والإضافة . وقرأ نافع وابن عامر «كفَارةَ طعامٍ » بالإضافة والباقون «كفارةً » بالتنوين .
ولما أخبرهم بالابتلاء صرح لهم بما لوح إليه بذكر المخافة من تحريم التعرض لما ابتلاهم به{[27665]} ، فقال منوِّهاً بالوصف الناهي عن الاعتداء : { يا أيها الذين آمنوا } وذكر القتل الذي هو أعم من الذبح إشارة إلى أن الصيد - لما عنده من النفرة المانعة من التمكن من ذبحه - يحبس بأي وجه كان من أنواع القتل فقال : { لا تقتلوا الصيد } أي لا تصطادوا{[27666]} ما يحل أكله من الوحش ، وأما غير المأكول فيحل قتله ، فإنه لاحظ للنفس في قتله إلا الإراحة من أذاه المراد بالفسق في قوله صلى الله عليه وسلم : " خمس في الدواب فواسق ، لا جناح على من قتلها في حل ولا حرم " وذكر منهن السبع العادي ، فدل الحكم برفع الجناح عقب الوصف بالفسق على أنه علة الإباحة ، ولا معنى لفسقها إلا أذاها { وأنتم حرم } أي محرمون أو{[27667]} في الحرم .
ولما كان سبحانه عالماً{[27668]} بأنه لا بد أن يوافق موافق{[27669]} تبعاً لأمره ويخالف مخالف موافقة لمراده ، شرع لمن خالف كفارة تخفيفاً منه على هذه الأمة ورفعاً لما كان على من{[27670]} كان من قبلها{[27671]} من الآصار ، فقال عاطفاً على ما تقديره : فمن انتهى فله عند ربه أجر عظيم : { ومن قتله منكم متعمداً } أي قاصداً للصيد ذاكراً للإحرام إن كان محرماً ، والحرم إن كان فيه عالماً بالتحريم .
ولما كان هذا الفعل العمد موجباً للإثم والجزاء ، ومتى اختل وصف منه كان خطأ موجباً للجزاء فقط ، وكان سبحانه قد عفا عن الصحابة رضي الله عنهم العمد الذي كان سبباً لنزول الآية كما في آخرها ، {[27672]} لم يذكره{[27673]} واقتصر على ذكر الجزاء فقال : { فجزاء } أي فمكافأة { مثل ما قتل } أي أقرب الأشياء به شبهاً في الصورة{[27674]} لا النوع{[27675]} ، ووصف الجزاء بقوله : { من النعم } لما قتله{[27676]} عليه ، {[27677]} أي عليه{[27678]} أن يكافئ ما قتله بمثله ، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل ، هذا على قراءة الجماعة بإضافة " جزاء " إلى " مثل " ، وأما على قراءة الكوفيين ويعقوب بتنوين " جزاء " ورفع " مثل " فالأمر واضح .
ولما كان كأنه قيل : بما{[27679]} تعرف المماثلة ؟ قال : { يحكم به } أي بالجزاء ؛ ولما كانت وجوه المشابهة بين الصيد وبين النعم كثيرة ، احتاج ذلك إلى زيادة التأمل فقال : { ذوا عدل منكم{[27680]} } أي المسلمين ، وعن الشافعي أن الذي له{[27681]} مثل ضربان : ما حكمت فيه الصحابة ، وما لم تحكم{[27682]} فيه ، فما حكمت فيه لا يعدل إلى غيره لأنه قد حكم به عدلان فدخل تحت الآية ، وهم أولى من غيرهم لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل ؛ وما لم يحكموا به يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين ، فينظر إلى الأجناس الثلاثة{[27683]} من الأنعام ، {[27684]} فكل ما{[27685]} كان أقرب شبهاً به يوجبانه ؛ فإن كان القتل خطأ جاز أن يكون الفاعل{[27686]} أحد الحكمين ، وإن كان عمداً فلا ، لأنه يفسق به .
ولما كان هذا المثل يساق إلى مكة المشرفة على وجه الإكرام والنسك{[27687]} رفقاً بمساكينها ، قال{[27688]} مبيناً لحاله من الضمير في " به " : { هدياً } ولما كان الهدي هو ما تقدم تفسيره ، صرح به فقال : { بالغ الكعبة } أي الحرم المنسوب إليها ، وإنما صرح بها زيادة في التعظيم وإعلاماً بأنها هي المقصودة بالذات بالزيارة والعمارة لقيام ما يأتي ذكره ، تذبح الهدي بمكة المشرفة ويتصدق به على مساكين الحرم{[27689]} ، والإضافة لفظية لأن الوصف بشبه " يبلغ " فلذا وصف بها النكرة .
ولما كان سبحانه رحيماً بهذه الأمة ، خيرها بين ذلك وبين ما بعد فقال{[27690]} : { أو } عليه { كفارة } هي { طعام مساكين } في الحرم بمقدار قيمة الهدي ، لكل مسكين مد { أو عدل ذلك } أي قيمة المثل { صياماً } في أيّ موضع تيسر له ، عن{[27691]} كل مد يوم ، فأو للتخيير لأنه الأصل فيها ، والقول بأنها للترتيب يحتاج إلى دليل .
ولما كان الأمر مفروضاً في المتعمد قال معلقاً بالجزاء ، أي فعليه أن يجازي بما ينقص المال أو يؤلم الجسم { ليذوق وبال } أي ثقل{[27692]} { أمره } وسوء عاقبته ليحترز{[27693]} عن مثل ما وقع فيه ؛ ولما كان هذا الجزاء محكوماً به في دار العمل التي لا يطلع أهلها بمجرد عقولهم فيها على غيب ، ولا يعرفون عاقبة أمر إلاّ تخرصاً ، طرد الحكم في غير المتعمد{[27694]} لئلا يدعي المتعمد أنه مخطئ ، كل ذلك حمى لحرمة الدين وصوناً لحرمة الشرع وحفظاً لجانبه ورعاية لشأنه ، ولما كان قد مضى منهم قبل نزولها من هذا النوع أشياء ، كانوا كأنهم قالوا : فكيف نصنع بما أسلفنا ؟ قال جواباً : { عفا الله ) أي الغني عن كل شيء الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ( عما سلف }{[27695]} أي تعمده{[27696]} ، أي لكم من ذلك ، فمن حفظ نفسه بعد هذا فاز { ومن عاد } إلى تعمد شيء من ذلك ولو قل ؛ ولما كان المبتدأ متضمناً معنى الشرط ، قرن الخبر بالفاء إعلاماً بالسببية{[27697]} فقال : { فينتقم الله } أي الذي له الأمر كله { منه } أي بسبب عوده بما يستحقه من الانتقام .
ولما كان فاعل ذلك منتهكاً لحرمة الإحرام والحرم{[27698]} ، وكان التقدير : فالله قادر عليه ، عطف على ذلك ما اقتضاه المقام من الإتيان بالاسم الأعظم ووصف العزة فقال : { والله } أي الملك الأعلى{[27699]} الذي لا تداني{[27700]} عظمتَه عظمةٌ { عزيز } لا يغلب{[27701]} { ذو انتقام * } ممن خالف أمره .