وسيق الذين كفروا : حثّوهم على السير .
ثم بعد أن يحاسَب كل إنسان ويأخذ كتابه بيمينه أو شماله ينقسم الناس فريقين : { فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير } فيساق الذين كفروا إلى جهنم جماعات جماعات ، حتى إذا وصلوا إلى جهنم تفتح لهم أبوابها ، ويدخلونها مهانين ، ويوبخهم خزنة جهنم بقولهم : { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا } ، فيجيبونهم معترفين ولا يقدروا على الجدل بقولهم : { بلى ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين } .
قرأ الكوفيون : { فتحت } بتخفيف التاء ، والباقون : { فتحت } بالتشديد .
{ وسيق الذين كفروا } : أي وساق الملائكة بعنف الذين كفروا .
{ إلى جهنم زمراً } : أي جماعات ، جماعة المشركين ، وجماعة المجرمين وجماعة الظالمين .
{ وقال لهم خزنتها } : أي الموكلون بالنار من الملائكة الواحد خازن .
{ الم يأتكم رسل } : هذا الاستفهام للتقرير والتوبيخ .
{ حقت كلمة العذاب } : أي وجب العذاب للكافرين .
بعد الفراغ من الحكم على أهل الموقف وذلك بأن حكم تعالى فيهم بحسب عملهم فوفّى كل عامل بعمله من كفر ومعاصٍ ، أو إِيمان وطاعة قال تعالى مخبراً عن مصير الفريقين{ وسيق الذين كفروا } أي ساقتهم الملائكة بشدة وعنف لأنهم لا يريدون الذهاب { إلى جهنم زمراً } أي جماعات ولفظ الزمرة مشتق من الزمر الذي هو الصوت إذ الغالب في الجماعة أن يكون لها صوت . وقوله تعالى : { حتى إذا جاءها فتحت أبوابها } إذ كانت مغلقة كأبواب السجون لا تفتح إلا عند المجيء بالسجناء ، { وقال لهم خزنتها } قبل الوصول إليها موبخين لهم { ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم } أي المبينة لكم الهدى من الضلال والحق من الباطل ، وما يحب ربكم من العقائد والأقوال والأعمال والصفات والذوات وما يكره من ذلك ، ويدعوكم إلى فعل المحاب لتنجوا وترك المكاره لتنجوا وتسعدوا . فأجابوا قائلين بلى أي جاءتْنا بالذي قلتم ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ونحن منهم فوجب لنا العذاب .
- بيان إهانة أهل النار بسوقهم على أرجلهم بعنف وتأنيبهم وتوبيخهم .
لما ذكر تعالى حكمه بين عباده ، الذين جمعهم في خلقه ورزقه وتدبيره ، واجتماعهم في الدنيا ، واجتماعهم في موقف القيامة ، فرقهم تعالى عند جزائهم ، كما افترقوا في الدنيا بالإيمان والكفر ، والتقوى والفجور ، فقال : { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ } أي : سوقا عنيفا ، يضربون بالسياط الموجعة ، من الزبانية الغلاظ الشداد ، إلى شر محبس وأفظع موضع ، وهي جهنم التي قد جمعت كل عذاب ، وحضرها كل شقاء ، وزال عنها كل سرور ، كما قال تعالى : { يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } أي : يدفعون إليها دفعا ، وذلك لامتناعهم من دخولها .
ويساقون إليها { زُمَرًا } أي : فرقا متفرقة ، كل زمرة مع الزمرة التي تناسب عملها ، وتشاكل سعيها ، يلعن بعضهم بعضا ، ويبرأ بعضهم من بعض . { حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا } أي : وصلوا إلى ساحتها { فُتِحَتْ } لهم أي : لأجلهم { أَبْوَابُهَا } لقدومهم وقِرًى لنزولهم .
{ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } مهنئين لهم بالشقاء الأبدي ، والعذاب السرمدي ، وموبخين لهم على الأعمال التي أوصلتهم إلى هذا المحل الفظيع : { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ } أي : من جنسكم تعرفونهم وتعرفون صدقهم ، وتتمكنون من التلقي عنهم ؟ . { يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ } التي أرسلهم اللّه بها ، الدالة على الحق اليقين بأوضح البراهين .
{ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } أي : وهذا يوجب عليكم اتباعهم والحذر من عذاب هذا اليوم ، باستعمال تقواه ، وقد كانت حالكم بخلاف هذه الحال ؟
{ قَالُوا } مقرين بذنبهم ، وأن حجة اللّه قامت عليهم : { بَلَى } قد جاءتنا رسل ربنا بآياته وبيناته ، وبينوا لنا غاية التبيين ، وحذرونا من هذا اليوم . { وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ } أي : بسبب كفرهم وجبت عليهم كلمة العذاب ، التي هي لكل من كفر بآيات اللّه ، وجحد ما جاءت به المرسلون ، فاعترفوا بذنبهم وقيام الحجة عليهم .
قوله تعالى : { وسيق الذين كفروا إلى جهنم } سوقاً عنيفاً { زمراً } أفواجاً بعضها على إثر بعض كل أمة على حدة . قال أبو عبيدة والأخفش : " زمراً " أي : جماعات في تفرقة ، واحدتها زمرة . { حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها } السبعة ، وكانت مغلقة قبل ذلك . قرأ أهل الكوفة " فتحت " وفتحت بالتخفيف . وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير . { وقال لهم خزنتها } توبيخا ، ً وتقريعاً لهم . { ألم يأتكم رسل منكم } من أنفسكم ، { يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت } وجبت { كلمة العذاب على الكافرين } وهو قوله { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } ( الأنبياء-48 ) .
قوله تعالى : " وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا " هذا بيان توفية كل نفس عملها ، فيساق الكافر إلى النار والمؤمن إلى الجنة . والزمر : الجماعات واحدتها زمرة كظلمة وغرفة . وقال الأخفش وأبو عبيدة : " زمرا " جماعات متفرقة بعضها إثر بعض . قال الشاعر :
وترى الناس إلى منزلِه *** زُمَرا تنتابُه بعد زمر
حتى احْزَأَلَّتْ *** زُمَرٌ بعدَ زُمَرْ
وقيل : دفعا وزجرا بصوت كصوت المزمار . " حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها " جواب إذا ، وهي سبعة أبواب . وقد مضى في " الحجر " {[13346]} . " وقال لهم خزنتها " واحدهم خازن نحو سدنة وسادن ، " ألم يأتكم رسل منكم " يقولون لهم تقريعا وتوبيخا . " ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم " أي الكتب المنزلة على الأنبياء . " وينذرونكم لقاء يومكم هذا " أي يخوفونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى " أي قد جاءتنا ، وهذا اعتراف منهم بقيام الحجة عليهم " ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين " وهي قوله تعالى : " لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " [ السجدة : 13 ] .